الصفحات

الأحد، 6 أكتوبر 2019

تحدي الكتابة لـ200 يوم. [50\200] [تم إيقاف التحدي]

تحدي الكتابة لـ200 يوم 



شعور منعش، مسدس لعبة، شهق.
وصلت إلى هنا بسبب حادثة وقعت في طفولتي عندما كنت وأخي نلعب في غرفتنا. كنا نقلد ما نظنه عمل والدي الشرطي، أي تهديد المجرمين بالسلاح كي يعترفوا بما اقترفوه من ذنوب.
وقتها لعب أخي دور المجرم، وأنا الشرطي، كنت بارعًا في هذا بشهادته!
 أجبرته على التعّري والانحناء وسط الغرفة، اقحمت طرف حذائي في فمه، شتمته بأسوأ الالفاظ التي اعرفها، لكن أكثر ما اثّر فيه هو تهديدي له بمسدسه اللعبة، وتظاهرت بأني لم أدرك السبب حينها.
بفضل هذا وبراعتي ايضًا، حصلت على جميع الاعترافات التي احتجتها، واثبت لنفسي براءتي من كل التهم التي وُجهت لي سابقًا. حينها تسلل إلى قلبي أفضل شعور عرفته في حياتي كلها، وصلت إلى هنا لأني أردت الحصول عليه مجددًا.
أدخلت المسدس في فم أخي، منتظرًا اعترافه الأخير. كان يتوسلني حياته، وعدني بتحمل اخطائه من اليوم فصاعدا، لكن هذا لم يكن كافياً... فقتلته. أجل قتلت أخي!
خبئت مسدس والدي تحت السرير، وأخذت انظر إلى الأرضية الحمراء وأبكي فرحًا بتخلصي منه. جذب صوت شهقاتي والديّ اللذان وككل الناس لم يشكا بي يومًا. نسبت الواقعة إلى مجهول ونجوت، وها أنا اليوم أسعى وأقتل من اشاء ولا أحد يستطيع إيقافي.
كانت هذه كلمات المتهم في آخر جلسة استجواب له، قبل أن يهاجم المحققة ويتم إعادته إلى المصحة حيث كان يعيش.

حفلة تحت الماء، معركة، أنقليس.
تبدأ قصة اليوم تحت البحار، حيث كشفت الأمواج المتلاطمة عن معركة بين اثنين من الأنقليس، لأجل الترفيه عن بقية سكان الأعماق من ذوات حراشف وقشور. استُفتح القتال بجملة تحدي وغرور من أحدهما استفزت الآخر فقبل النزال، لأن الرفض ليس من شيم الرجال... عذرًا أعني الأنقليس.
نودي في القوم أن اشهدوا الواقعة والمنتصر يكون في محل تبجيل طول حياته، والخاسر يبقى خاسرًا حتى الممات وعليه يُفنى من هذا المجال. تجمعت الأسماك، وحصان البحر الوحيد، والأخطبوط، بل وحتى المرجان البعيد التفت إلينا يا صديق.
لم تكن المعركة أكثر من استعراض لقوى الاثنين، كانا يصعقان بعضهما البعض بالكهرباء –التي لم تؤثر بهما مطلقًا-، مما أنتج شرارات مبهجة مختلفة الألوان أبهرت الحضور وجذبت المزيد منهم.
كان ممن جذبه الضجيج والصراخ المتقدان في المكان، حورية البحر ملكة هذا التيار، المشجعة للسلام بين القروش وكل الأَنام. تسللت بخفية بين المتفرجين، حتى وصلت إلى منتصف الحلقة وأوقفت بقوتها الشجار وكأنه ما صار.
قالت: "إن أردتما القتال، فبإسعاد الاخرين يكون النزال". ومن سيرفض لها امرًا إلا أن يُنبذ أو يكونن من الخاسرين؟
تُستكمل قصة اليوم تحت البحار، حيث كشفت الأمواج المتلاطمة عن حفلة تجمع وتصلح بين اثنين من الأنقليس، لأجل إسعاد بقية سكان الأعماق من ذوات حراشف وقشور، من بينهم الحورية الحاكمة، التي نجحت بنشر البهجة اليوم ايضًا.


مرتبة، ميكانيكية، خيانة.
خيانات عقرب الدقائق لعقرب الساعات لا تعد ولا تحصى خلال اليوم الواحد فقط.
فمنذ اللحظة التي تعمل فيها أتراس الساعة وتبدأ بالدوران، حتى قبل أن يتم ضبطها على الوقت، يقوم هو بخيانتها مع عقرب الثواني لوهلة، أو مع كل الأرقام وهلة اخرى.
لا يلتقي العقربان ببعضهما البعض إلا مرة كل ساعة بعد ان يكون قد جال على جميع الأرقام، بل والتقى بعقرب الثواني لمرة على الأقل، وهذا ما يجعل أمر الخيانة عليه سهلًا يسيرًا.
ففي أحد الأيام الصعبة، كان صاحب الساعة يترقب أمرًا مهمًا، مما جعل دقائق الانتظار تطول حتى تصبح كالساعات بل أكثر. حينها كان العقرب ينتقل من رقم إلى آخر بعد أن يكون قد قضى وطَرَه من السابق، دون اهتمام بمن ينتظره ليحتضنه بشوق.
وفي أحد المرات انتهت صلاحية بطارية الساعة، وتوقفت أتراسها عن العمل، وتجمدت العقارب في أماكنها.
من حسن حظ العقرب الكبير أنه قد كان في طريقه لزيارة رقمه المفضل. بقيا معًا لعدة أيام، استمتعا كثيرًا حتى كادت بقية الأعداد تفر من الساعة، إلا أن انتبه صاحبها لهذا، وأخذها إلى مصلح الساعات المسن، ممتهن الحرفة الوحيد في البلدة.
ظلت عنده لعدة أيام، وفي الليلة الأخير والمحددة لإصلاحها كُسرت!
تبعثرت قطعها في كل مكان... حتى الأعداد زلت من مواضعها، والتصق العقربان ببعضهما ولم يفترقا منذ ذلك المساء.

كان هناك خاتم في فنجان شايه.
في صباح هادئ، بينما كان الزوج يشرب فنجان الشاي الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من أيام حياته، لاحظ اختلافًا في طعمه عن المعتاد...
تفقد المياه التي استخدمها والإبريق، وتاريخ الصلاحية المنقوش على صندوق أكياس الشاي، وخزانة الأكواب، بل وحتى الصابون والإسفنجة المستخدمان في غسيل الأطباق، لكن لا خطب بهم ولا فرق، نفس الأدوات ككل يوم.
حرك الفنجان بخفة، فسمع صوتًا رنانًا بداخله، قام بتصفية ما فيه فوجد خاتمًا ذهبيًا علقت به بعض أوراق الشاي، يتوج قاع الكوب.
أتت زوجته من خلفه تتفقده، فرأت الخاتم وتعجب زوجها منه ثم ضحكت، لم تنتظر تحرك لسانه بالكلام وبادرت بشرح كل ما حدث وكيف انتهى الأمر إلى ما هو عليه الان.
ليلة الأمس، كانت الزوجة تخطط للمزاح مع زوجها بشأن ضياع خاتم زواجهما لترى ردة فعله، أخذت تبحث عن مكان آمن وغير معتاد لتخبئه فيه كي لا يعرفه بسهولة، فلم تجد سوى كوبه المفضل.
ذهبت لتنفذ المقلب لكن الليلة لم تسر كما خططت لها، أعني أنها كانت ممتعة للغاية –بالنسبة لهما-.
حصل الزوج على ترقية وعلاوة في عمله، فخرجا للاحتفال معًا... شاهدا فيلمًا، لعبا في الحديقة، ذهبا للتسوق ثم أكملا السهرة في المنزل، حتى أنها نسيت المقلب على الرف.
لم تكتمل فرحتهما بإيجاد الخاتم حتى اهتزت يد الزوج وسقط من المصفاة إلى قاع المجاري.

حذاء تمويهي، مرحلة الطفولة، نفل بأربعة أوراق.
في عمر السابعة، كنت كلما واجهت مشكلة في المدرسة، أو حدث أمر سيء في المنزل،
أرتدي الحذاء الأخضر الطويل الذي ورثته من والدي شهيد الحرب،
وأذهب إلى حقل نُفل بعيد جدًا عن منزلي لأبحث عن واحدة بأربعة أوراق.
قرات في مكان ما أنها تجلب الحظ الجيد لمن يعثر عليها، لذا أملت بشدة أن تحل مشاكلي بإيجادها.
كنت اذهب يوميًا، أبحث وأبحث لكن لا أجد سوى النُفل العادية ذات الثلاثة أوراق، حتى حل ذاك اليوم...
رحت كعادتي، ظننت أنه مكاني السري الذي لا يعرفه غيري سوى من انبته،
لكني وجدت فتاة بمثل عمري أو أصغر، تبحث بين الأعشاب باذلة كل ما تملك من جهد.
كانت ببشرة سمراء لوثها الطين، وشعر أسود التصق العشب بأطرافه.
جعلت اتأملها حتى انقضى اليوم دون أن أشعر، لم تنبس هي بكلمة أو تلاحظ وجودي حتى...
التفت إليّ بابتسامة مشعة مع مغيب الشمس، أمسكت بيميني ووضعت بها نفلة رباعية،
 لم أشعر بأي دفء منها وسرعان ما اختفت دون أن تترك أي أثر، سوى ذكرى جميلة سكنت قلبي حتى هذه اللحظة.
هل كان للنفلة أي تأثير؟ بالطبع. 
حلت مشاكلي جميعها، فقد قُتل أخي ووالدتي بحلول غروب اليوم التالي، عندما كنت عائدًا من الحقل يائسًا من لقاء تلك الفتاة مجددًا.
وجدتها صباح اليوم التالي في صفحة الوفيات بجانب عائلتي.

 اختفت ثمرة عمل أحدهم طيلة حياته.
أنا قرصان، أمضيت سنوات حياتي كلها أسرق الكنوز والذهب والمجوهرات وما شابهها في غلاء الثمن وخفة الوزن،
واخبئها في كهف على الجزيرة المعروفة بمسقط رأسي أنا وغيري الكثير من القراصنة امثالي.
منذ نعومة اظافري التي أصبحت خشنة بعد أول تجربة سرقة في سن الخامسة، وأنا أنهب كل شخص وكل مكان أذهب إليه بلا أي رحمة أو شفقة على المسلوب منهم ممتلكاتهم.
عملت وبذلت كل جهد أستطيعه حتى اتقنت هذه المهنة جيدًا، وأصبحت محترفًا بها، لدرجة إني قدمت دروسًا لكثير من تقنياتها كي أسرق المتدربين بالطبع.
وخلال ثلاثين سنة من العمل الدؤوب، ملأت جزءًا كبيرًا من ذاك الكهف وابقيته سرًا عن الجميع إلا نخبة من رفاقي.
حتى آتى ذاك اليوم المشؤوم... عدت لأجد أن الكهف قد أُغلق بحجر سحري، لا يتزحزح مهما حركته!
ظللت أحاول وأحاول لكنه آبى أن يُفتح، عشت مهمومًا تعيسًا بسبب ضياع كنزي الذي افنيت عمري لأجله، حتى قضى عليّ حزني ودفنتني الطبيعة تحته.
مرت السنين، وتغيرت معالم الأرض، والتحمت هذه الجزيرة بأُخريات غيرها مشكلة قارة جديدة لم تُعرف من قبل.
لحسن حظه لم يعلم بطلنا أن كنزه أُستخدم في القصص الشعبية والتراثية، كعظة وعبرة لمن يفكر بإتباع شهوته وطمعه على تحكيم عقله، وأن كهفه قد فُتح بكلمة "افتح يا سمسم" أو غيرها حسب اختلاف ألسنة الرواة والمؤلفين.

"مرت أربع سنوات ونحن نحفر".
أنا كاتب حر، أذهب كل يوم بحلول مغيب الشمس إلى أقرب حانة من منزلي، واحيانًا أزور حاناتٍ أبعد،
لأجل الاستماع إلى قصص السُكارى، ثم استلهم منها افكارًا لأعمالي.
ذهبت اليوم إلى حانة بعيدة قليلًا، وجدتها ممتلئة كالعادة، جلست في المنتصف اتلفت حولي بحثًا عن قصة مثيرة.
رأيت رجلًا مغبرًا، مليئة جيوبه بالتراب، يضحك ويتحدث بفخر عن إنجازه والشراب يتساكب حوله.
اقتربت منه ودفتري بيدي، واخذت استمع...
"مرت أربع سنوات وأنا وابن عمي نحفر بحثًا عن حقل بيرة تحت أرضي، لا تضحكوا!، إنه موجود حقًا!".
ضحكت في سري مع الباقي... حقل بيرة تحت أرضي، لا يظهر حتى بعد البحث عنه لأربع سنوات، هذا مثير للاهتمام.
ربما يكون هذا موضوع عملي القادم، أو قد أحاول البحث عنه في وقت فراغي، هذا إن وجدته.
أكمل الرجل حديثه بعدما قاطعناه، "لقد وجدناه بالفعل، إنه هنا". وأخذ يضحك حتى كاد يسقط من كرسيه.
عمّ الصمت المكان إلى قال إنه سيدفع عن جميع الحضور، وأنا معهم بالتأكيد.
علت صرخات الاحتفال، بدأ الكل بطلب شراب إضافي رغم امتلاء كؤوسهم،
لم أحرم نفسي طبعًا فطلبت شيئًا غير كوب الماء الذي اعتدت طلبه كل يوم لأول مرة مذ بدأت زيارات الحانات.
استمتعت بوقتي كثيرًا ونسيت تلك الفكرة... حتى استيقظت اليوم التالي في منزلي بطريقة ما ولم أجد محفظتي حينها.

بعد الحرب حيث يعود الجميع للحياة.
في بلدي، لا أحد يموت.
جميعنا احياء منذ اليوم الذي تكونّا به وإلى الأبد أو ما بعده.
لا نموت مهما حدث، سواء في الحوادث التي قلمّا تحصل، أو بعد تجاوزنا المئة عام،
أو في الكوارث الطبيعية او الصناعية، التي تفقدنا اطرافًا او أجزاء مهمة بالنسبة للأحياء من المخلوقات عدانا.
وبسبب هذا طمع بنا الكثر من رؤساء الدول، حتى وصل الأمر بهم إلى صنعنا، بل صنع الكثير منا اجبارًا ودون إي أذن.
استخدمونا كعينات في الكثير من التجارب الغريبة، كتأثير الأدوية، ومساحيق التجميل، وبعض الأطعمة،
حتى أن بلدتنا تُضرب بقنابل نووية مرة كل سنة، إلا أنها لا تؤثر بنا جسديًا. 
استخدمونا في الحروب ايضًا، كمرتزقة، رغم أننا لا نفقه أي شيء في القتال، ونفضل الأمان والسلام.
لكن لسبب ما يهرب جميع من قيل لنا أنهم اعداؤنا وحتى حلفاؤنا إن نهضنا مجددًا بعد أن نتلقى أي هجمة...
بفضل هذا نحصل على الكثير من الأموال كل شهر، وأعني حرفيًا الكثير منها، نستخدمها للتنكر والتغلغل بينكم أيها البشر.
ولا نقلق ابدًا على من أُخذوا او ذهبوا بإرادتهم لأنهم سيعودون عاجلًا أم أجلًا، في أفضل صحة.
هل أدركت عمّ أتحدث؟ هل عرفت هويتنا الحقيقية؟ أجل كما تعتقد تمامًا.
نحن زومبي. كن حذرًا، إن وصلتك هذه الرسالة فأعلم أن الشخص الذي أمامك هو من نفس جنسي.

شعر أحمر ونمش، دموع صامتة، تمني الأفضل.
لم يأتِ أحد لتوديعي أنا وزوجتي في محطة القطار، سوى صديقة طفولتي آن.
كانت قد جدلت شعرها الأحمر الكثيف، وارتدت فستانًا بسيطًا زيتي اللون على خلاف ما ترتديه عادةً.
لا أعرف لم بدأت بارتداء هذه الأشياء عندما لم نعد أطفالًا وأصبحنا نسمى مراهقين...
أخذت اتأملها بينما تسير متجهة إلينا، نحن الواقفان أمام بوابة القطار والمستعدان للرحيل،
 ببسمة ظاهرة على وجهها المزين بالنمش، فلاحظت أن لونه بهت قليلًا.
وقفت قبالتنا وشكرت الإله لأنها لم تتأخر علينا، بقيت تتمنى وتدعو بإلحاح لأجل سعادتنا.
قاطعها صوت الجرس ثم الموظف يؤذنان باقتراب وقت الرحيل... اعتذرنا منها وشكرناها على قدومها وكل كلامها الطيب.
قالت إنها تتمنى الأفضل لي، وأنها سعيدة بزواجي من فتاة صالحة، رغم أن دموعها لم تبح بذلك مطلقًا.
ودعنا بعضنا البعض، صعدت وزوجتي إلى القطار في رحلة لا عودة لها.
حتى رغم ابتعادنا، ما زلت أشعر بدموع أن تسيل على وجنتي، وأشم الأزهار العطرة التي تحضرها معها في كل سنة،
إلى قبري وقبر زوجتي، التي لحسن الحظ لم تكن هي. أكثر ما يبهجني هو حديثها اليومي معي عن كل تفصيل صغير يحدث لها، ودائمًا ما تخبرني أنها تحبني قبل ان ترحل.
مرة اخبرتني أنها التقت بشخص جيد وستتزوج منه، أسعدني هذا كثيرًا، ظننتها ستنساني اخيرًا...  لكنها قالت إنه يشبهني، وأنهما سيأتيان لرؤيتي.

 محادثة زرقاء جديدة، عيون عسلية ضاحكة، رماد الغابة الرمادية.
أقف على أعتاب الغابة الرمادية ميتة الأشجار، التي اعتدنا انا وهو على تخزين وعودنا بداخلها حتى يأتي اليوم الذي نحققها فيه. لأراقبها وهي تخلو من سكانها، وتتهاوى ببطء بينما تأكلها السنة النيران، وتحيلها إلى فتات رمادي وكأنها بهار سيوضع في طعام عملاق ما.
لم تمضِ دقائق إلا وأشرقت الشمس علينا، وأضاءت عينيّ العسليتين...
بدا المشهد أكثر وضوحًا لي فضحكت، ضحكت كثيرًا، من كل قلبي وبأعلى صوتي كما لم أفعل من قبل، حتى إني بكيت، وليت دموعي كفت لتوقف الحريق في صدري فالغابة للأسف تقبع هناك.
عدت بذاكرتي للزمن الذي بدأ فيه كل هذا، لأعرف من أشعل أول شرارة، كانت رسالة منه...
هدمت كل ما بنيناه ولففناه حول خنصرينا وعلى أغصان الأشجار، رسالة تنبئ بانفصالنا بلا علة أو سبب واضحين وبعدها اختفى هو. حاولت جاهدة إعادته، ولكن ذلك لم ينفع فأحرقت غابتنا.
بقيت اشاهد الحريق حتى انتصفت الشمس في السماء، وبدأ يُخمد بالتدريج إلى أن انطفأ تمامًا.
جررت ساقيّ إلى المنحدر خلف الغابة، يا لها من هاوية سحيقة لا يُرى قاعها. تركت هاتفي مفتوحًا عارضًا رسالته الأخيرة، لأحمله المسؤولية ولأترك اثرًا على مكان نهايتي.
سلمت جسدي للريح لتأخذه إلى حيث شاءت، وأملت بشكل خافت إلا يكون ذلك الظلام، لكن يبدو أن الرياح لا تملك صبرًا كافيًا لتحقق ثلاث أماني لكل شخص.


بيانو، ليلة ثلجية، صبي يدعى chance.
أبحث عن فرصة... قد تكون في أي مكان.
تحت هذا السقف، قرب حطب المدفئة، أو بجانب شجرة الكريسماس المزينة، أو بين الهدايا المكدسة المنسي مُهديها، قد تكون في لحن يعزفه البيانو المهمل منذ عدة سنين، أو على زجاج المصابيح المضاءة منذ صباح اليوم، علّها تلاحظها وتعود فلا تضل الطريق مجددًا.
ربما تسير على ندف الثلج المتساقطة، أو تقفز بين الغيوم الممطرة، هل يا ترى بعثرتها الرياح وضيعتها؟، أم قد تكون ذابت مع رجل ثلج بنته وأهدته ملابسها الدافئة، أمن الممكن ان أجدها خلف النافذة تنفخ البخار وتكتب أول حروف أسمها عليه؟ وليست في كوب الشوكولا الذي تحبه كثيرًا...
بحثت في كل أرجاء المنزل، الغرف المهجورة من قِبل روحها وضحكها، غرفتها المليئة بألعابها ومقتنياتها التي تحمل رائحتها منذ امتلكتها. تركت الباب مفتوحًا بانتظارها، دخلت الرياح واشعة الشمس وأوراق الشجر لتبحث عنها ايضًا، حتى اصدقائها وبقية من يقطن الحي مرتدين الأسود الذي لطالما كرهته، إلا هي لم تعد.
هذه السنة الخامسة على التوالي مذ إعلان خبر اختفاء الطفل المسمى بـ "chance"
أصيبت أمه بالجنون وأخذت تبحث عنه حتى في أصغر الأماكن، بل وتترك الباب مفتوحًا على آمل عودته، خاصة في الكريسماس يوم فُقد، حتى بعد إقامة جنازته... أعتاد سكان الحي على افعالها فلم يعد أحد يقترب من بابها حتى اللصوص والحيوانات الشاردة.

 كانت تأتي طيلة السنوات الأربعة الماضية، رغم عدم وجود شيء تفعله.
أنا جيم، عملت كحارس لهذه المقبرة قرابة الثلاثين سنة.
لم يحدث أن تغيبت أو تكاسلت يومًا، أرى العديد من الزوار، الأحياء والأموات.
بعضهم يعود في اليوم التالي والبعض الآخر يرفض مغادرة المكان مطلقًا، والأغلب لا يعود مجددًا إلا في تابوته.
مؤخرًا... قبل أن أصل إلى هذا المكان، أو أن تُصاغ هذه الحكاية بشكل جميل لئلا تؤذي أعينكم الناعسة، بالتحديد قبل خمسة سنين بالضبط.
كانت تأتي امرأة غريبة، لأربعة سنوات بالتمام والكمال، بشكل يومي، في تمام الساعة الثالثة بعد الظهر...
تقف أمام الباب وتلقي التحية عليّ، ثم تبقى لبضع دقائق تتأمل القبور والتراب، وترحل بعدها دون فعل أي شيء آخر.
لم أرها من قبل، لدي ذاكرة... أعني كان لدي ذاكرة جيدة ولم أرى هذه المرأة سابقًا تدفن شخصًا، أو تسير خلف جنازة شخص آخر.
لم تكن تدعو، أو تصلي، ولا تحمل معها أية قرابين أو حتى أطفال لتخيفهم، وهي بالتأكيد لا تبحث عن جثة مناسبة لتعيد إحيائها ببعض الطقوس المريبة. كانت تحدق في القبور وأنا أحدق بها، حتى لاحظت أنها لا تملك ساقين...
السنة الماضية، أقيل حارس المقبرة الوفي جيم من وظيفته، بعدما ثبت تعاطيه المخدرات واصابته ببعض الهلوسات لقوله إن هناك امرأة تزوره وتلاحقه في كل مكان.
هو الان يرقد في المصحة ويتلقى العلاج هناك لكن يبدو انه لم ينفعه.

كنت أعرف أني سأجد شيئًا مصيريًا عندما...
اليوم هو يومي، منذ استيقظت وأنا أشعر بقوة حظ كبيرة تشع من حولي.
احسست بأني سأجد شيئَا يغير مصيري في هذا اليوم...
أنهيت اعمالي الصباحية بنشاط وخرجت لأواجه العالم بشراسة كالعادة،
لكن هذه المرة كنت أعلم بل ومتأكد من أني سأُوفق في ذلك.
اتجهت إلى مقر عملي بسعادة، وكنت أرى علامات تُنبى بحسن حظي على طول الطريق...
سمعت ضحكات أطفال الحضانة، لمحت انعكاس قوس مطر جميل على زجاج نافذة المقهى التي استخدمها كمرآة،
وسكبت شيئًا من قهوتي الصباحية، وغيرها الكثير...
عندما وصلت للعمل، جرى كل شيء بسلاسة تامة، حتى ظننت أني استنفذت كل حظي وقتها، لكن... ما زال هناك القليل بعد.
خرجت عائدًا إلى وكري، قررت المرور بمتجر البقالة لأجل شراء العشاء لأن حتى الحظ الجيد لن يوصل طعامي إلى معدتي.
ابتعت المكونات التي احتاجها، وبينما كنت أعد المال الكامن في محفظتي، والذي كان يكفي الحاجة ويزيد،
 لاحظت صندوق يانصيب رخيص بجوائز ثمينة...
قررت تجربة حظي للمرة الأخيرة اليوم وحياتي كلها، والفوز بالجائزة الكبرى "تذكرة ذهاب مدفوعة التكاليف إلى جزر المالديف".
أسرعت بالدفع، صليت لأتيقن أكثر من فوزي، ثم أدرت العجلة وأنا مغمض عينيّ.
لم أعرف ماهي النتيجة، كنت أنتظر سماع الهتافات والصراخ من حولي لكن ذلك لم يحدث!
فتحت عيني متلهفًا، لربما الصدمة اخرستهم، صدمة حصولي على اسوء جائزة. 

 "أصحيح أنك أصبت بالطلقة بدلًا عن والدي؟".
بعد خمس سنوات وضياع واحد، وفرحتين... استطعت أن أصنع لنفسي اسمًا، وشهرة، ومكانة. واليوم استخدمها كما أريد.
كل يوم، في الرابعة عصرًا، على القناة الخامسة، بعد وقت الشاي مباشرة، يحين وقتي لأستعرض أخبار العالم على مسامع الجميع.
عن طريق مقابلة العديد من الأشخاص في كل نشرة، كشفت العديد من الحقائق المخفية منهم وعنهم. فمنهم الخطر والجيد، السعيد والبائس، المؤثر والمتأثر. لكن الأخطر والأخير طبعًا سيكون هذا الشخص... مجرم سابق انتهت مدة عقوبته.
حان الوقت أخيرا، نظمت أوراقي، وجلست في مكاني أحدق في عينيه منتظرة إشارة بدء البث المباشر. فاجأتني لفحة برد شلّت اعضائي، وجعلتني أُعيد التفكير في خطواتي القادمة غير المخطط لها إلا من قبّلي...
أنا التي لم تتجاوز أوامر المخرج ولا حتى بحرف، تتمرد اليوم وتخرج عمّا آلفته أو عهدها الناس عليه، فقط لتطيع فضولها وتضع حدًا لضياع تم تجاهله عند مولده منذ سنتين مضت. أحاط بي الخوف اخيرًا، أهو خوف من فقدان كل الجهد الذي بذلته، أم خوف من كشف الحقيقة التي علمتها وغضضت تفكيري عنها... لم أعرف ابدًا.
إنها الرابعة... "ابدئي!" 
قاطع اختناقي بخوالجي الوقت والمخرج. عزمت أمري كما السابق، واليوم... سوء استخدام السلطة الذي لا طالما تحدثت عنه وحاربته، استخدمه الان بنفسي في أول عبارة استفتحت بها المقابلة: "هل صحيح أنك تلقيت الطلقة بدلًا عن والدي؟".

 طلاء أظافر أحمر مقشر، نظارات دائرية، آلة كاتبة باللون الأزرق الباهت.
عام 1919، الاثنين 21 يوليو.
في المكتبة العامة وسط أصوات الضغط على مفاتيح الآلات الكاتبة، وتقليب الأوراق،
أقوم بعملي وهو إعادة كتابة مؤلف ضخم كُتب منذ سنتين مضت، بخط مستعجل على أوراق اهترأت مع مرور الأيام.
تناسيت ما بيدي وأخذت عيناي تختلس نظرات رغمً عني للآنسة دوريس كما تحب أن نناديها.
أو هي لا تهتم بأي شيء طالما لا يعيقها عن القيام بعملها.
الآنسة دوريس جميلة حقًا، هي من أكثر النساء خبرة وإجادة لهذا العمل في هذه البلدة.
ترتدي نظارات حمراء دائرية الشكل، تلمع عيناها خلف زجاجها كل مرة تقرأ فيها سطور الشعر الذي تنقله،
تنتقل اصابعها على المفاتيح بخفة لأنها بالفعل تحفظ كل ما تكتبه، فلا تدقق في الورق مثلنا.
طلاء اظافرها المقلمة بشكل رائع، يطابق لون نظارتها لكنه لم يحافظ على تماسكه وتقشر بسبب جديتها.
حتى أنها تمتلك آلتها الخاصة المتميزة عن البقية بلونها الأزرق الباهت، والذي يتلاءم بمثالية مع ملابسها وشخصيتها الهادئة.
كم أحبها، انوي الاعتراف لها نهاية اليوم برسالة...
لكن يبدو أن اصابعي طبعت أفكاري بشأنها بدلًا عمّا ذكر في الكتاب، والان علّي إعادة كتابة هذه الورقة من البداية.
تناقلت عائلتنا تلك الأسطر عبر قرن مضى، وهي ما تسبب في لقاء جدي الأكبر بجدتي وزواجهما.
وما زالت تمرر للأجيال وبخاصة لمن يكن حبًا يرفض الإفصاح عنه.

رائحة الشوكولاتة، ندبة من الطفولة، طعم الدخان.
ما أوصلني إلى هنا، هي لحظة من طفولتي، عندما كنت وككل الأطفال أركض لأصل إلى متجر الحلوى الشعبي الوحيد قبل أن يحين موعد اغلاقه عند مغيب الشمس.
تعثرت بحجر لم أره، وتدحرجت على الأرض حتى شُجّ رأسي وجُرح جبيني.
لم أشعر بأي نفحة آلم، أو أدرك ما حدث لي إلا عندما تجمهر الفتيان حولي وهم قلقين، بينما يشير أحدهم إلى نهر الدم المتدفق مني.
حُملت إلى المشفى على عجالة وحصلت على عدة غرز، تركت ندبة باقٍ أثرها عليّ إلى اليوم.
الأمر الجيد هو تغيبي عن المدرسة لفترة، وحصولي على الكثير من الحلوى والاهتمام، ولا أنسى زيارات فتيات صفي لغرفتي.
أما ما شغلني عن اصاباتي، فهو رؤيتي لواجهة متجر شوكولاتة فاخر، لم أكن لأزوره طوال حياتي بسبب فقر عائلتي.
الهمتني أصناف الحلوى المصفوفة بعناية، والمغلفة بحرص بأجمل الأوراق، لأن أتدرب وأصبح أفضل حلواني في البلدة.
لكن لا يمكن لنكرة خرج فجأة من جحيم الفقر بفكرة مستحيلة، أن يرتقي السلم بخطوة واحدة.
عانيت ايامًا صعبة، كنت أتدرب سرًا في منزل جدتي الحبيبة، لأني أعلم ان والديّ... بل البلدة كلها ستُثنيني وتمنعني عن حلمي.
تذوقت طعم الدخان حتى نسيت نكهة الشوكولاتة، حاولت وحاولت، حتى إنني أصبحت أُلقب بـ "رائحة الشوكولاتة".
واليوم... انا الوريث غير الشرعي لذلك المتجر، وأعد اولادي للاهتمام به من بعدي.

قصة تلعب فيها رائحة القرفة دورًا مهمًا.
بعد ولادة وحمل يسيرين على عكس ما توقعت، ها أنا أحتضن طفلتي بين يدي بعد أن عانقتها لتسعة أشهر بداخل رحمي،
بينما أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، عندما كان منزلي –ولا زال-يعبق برائحة القرفة صديقتي المقربة،
التي أغليها واشرب كأسًا من منقوعها في كل يوم، حتى من قبل أن ابدأ حملي، بل وحرصت عليها أكثر لما عرفت بشأنه، خاصًة في الشهر الأخير منه.
فلطالما خشيت على نفسي آلام الحمل والولادة التي اسمع عنها الكثير ممّن حولي، لكن بفضل القرفة أصبح الأمر أسهل من شربة ماء.
قد يبدو هذا غريبًا لكم، لكني عشقت القرفة ورائحتها منذ طفولتي، ولا أعرف السبب حتى الان،
إلى درجة أن أصبحت غرفتي السابقة، وملابسي، مقتنياتي الشخصية، وبقية أغراضي الأخرى،
والان مطبخي وغرفة الجلوس، وكل أغراض زوجي، بل منزلي بأكمله –كما ذكرت أنفًا-متشبعين بأريجها، رغم أن الجميع –عداي وزوجي طبعًا-يكرهون هذا.
ولا أخفي عليكم أنها تغلغلت إلى طيات ملابس وأغراض ابنتي وغرفتها الصغيرة... آمل ان تعزها كما أفعل.
حتى إني حصلت على غرفة خاصة في المشفى الذي أقيم فيه حاليًا بسبب عبيرها الملتصق بي، آه كم أحبها...
ومهما كانت المشاكل التي ستعترض طريقي بسببها فلن أتوقف عن حبها ما حييت، فبفضلها قضيت أيامًا ممتعة مع صغيرتي،
وأرجو أن نمضي معًا سنوات أكثر سعادة مليئة بشذا القرفة الرائع.

مستكشف مع اضطراب تعدد الشخصيات، نافذة، بيت في الغابة.
بالنسبة لي كشخص ولد وتربى على أن يكون فضوليًا، أحب استكشاف كل شيء...
وأعني كل شيء بالحرف الواحد سواء دخل في دائرة اهتماماتي -التي تشمل كل شيء-أم لا.
لذا وبعدما قضيت أعوامًا اتعلم وأدرس كل شيء بشأن البشر ونفوسهم، وشخصياتهم، وكل ما يتعلق بذلك وأكثر،
قررت الانعزال بنفسي في الغابة من اجل استكشافها، أعني نفسي... ولربما قصدت الغابة وسكانها ايضًا.
لم أحزم أية امتعة، عدا عزيمتي وشغفي للمعرفة، وانطلقت فور اتخاذي للقرار.
بحثت حتى وجدت مساحة خالية من الأشجار والحيوانات ومخلفاتها أو أظنني صنعتها رغم عدم تذكري لذلك،
ثم قضيت فيها أسبوعًا لبناء بيت بدائي، وجعله يليق بأن يعيش فيه فرد من الجنس المتطور المسمى بالإنسان.
استيقظت يومًا وكنت متأكدًا من أن الفتحة الوحيدة في بيتي هي بابه، لأجد واحدة أُخرى تسمى بالنافذة!
لكن هذا ليس التغير الوحيد الذي أراه يحدث حولي... فتارة أجد نفسي في أماكن بعيدة، أو أصطاد حيوانًا مفترسًا،
وتارة أُخرى أبحث عن شيء لا أملكه وأثير الفوضى في المكان،
واحيانًا قليلة اتأمل ما خارج النافذة وأرغب بالعودة إلى حيث كنت سابقًا.
عرفت أني احتاج إلى استكشاف نفسي فحسب ولا شيء أخر...
أيًا كان من صنع النافذة، أو قادني إلى كل تلك الأفعال المجنونة فهو لم يكن أنا، وإنما شيء فيّ يتحكم بي.
أجل، إنهم شخصياتي الأخرى.

هل سبق وأن علقت في حديقة حيوانات عبر النجوم؟
كرائد فضاء محترف سافرت إليه عدة مرات، وزرت القمر والمريخ، لم يسبق لي أن افترقت عن مركبة الفضاء التي اتيت فيها حتى هذا اليوم.
كنت سعيدًا في الواقع، لم أهتم بفقداني للأكسجين أو حتى الاحتمالية العالية لأن يتم سحقي بواسطة كويكب تسحره جاذبية كوكب آخر.
قررت الذهاب في نزهة والبحث عن مكان هادئ للموت فيه، سلمت نفسي للجاذبية، فوجدتني قد دخلت إلى حديقة حيوانات قبل أن أعلم!
سمعت زئير الأسد بينما يعلم شبله الأسد الأصغر، ورأيت الثعلب يختبئ بين الحشائش،
والحوت يسبح وسط الأمواج مع الدولفين في سلام، أما الأخوين، الدب الأكبر والأصغر فيصطادان فريسة معًا،
بينما تتغذى الزرافة على أوراق شجرة بدت لذيذة حتى جعلت عصافير معدتي تزقزق.
في الجهة الأخرى وجدت حية تزحف بخبث نحو الأرنب، وفوقها عقاب يطير مع مجموعة من الطيور الجارحة،
ينتظران وصولها إليه كي ينقضا عليهما في حين واحد،
 بينما يحدق العقرب بهم، وقد كدس السم في طرف ذيله المرفوع ليتجنب أي هجوم.
جذبت عينايّ ألوان ذيل الطاووس، وألسنة اللهب المتوقدة على جناحي العنقاء، بينما يتبادلان أطراف الحديث في الجنوب،
حتى انضم إليهما طائر الفردوس والطوقان، وأخذوا ينشدون لحنًا جميلًا أخرس بقية الأصوات،
حتى نبضات قلبي التي لم أكن أسمعها اصلًا...
وللأسف استيقظت من حلمي على صوت زميلي يناديني كي نذهب في رحلتنا التالية.

"قتلته للمرة الرابعة لهذا الأسبوع! بالطبع أعرف دمه".
عملتُ في مكافحة الحشرات لأكثر من 25 سنة، لكن لم يسبق لي أن التقيت بامرأة مجنونة كهذه! .
بالطبع جميعهن كن قلقات ويصرخن بسبب خوفهن من تلك المخلوقات المزعجة الصغيرة، التي تسكن في زوايا وأركان منازلهن المتألقة، على حد قولهن.
إلا هذه... كانت تدعي أنها لا ترى سوى صرصورًا واحدًا طوال أسبوع كامل، وقامت بقتله العديد من المرات خلاله.
لا خيار لي سوى تصديقها، فأنا أبحث عن لقمة عيشي.
بقيت أبحث عن ذلك الصرصور عدة مرات في كل مكان ولم أجده، وبالطبع رششت المكان بالمبيد لئلا تغضب السيدة.
لكن ما أثار قلقي هي رؤيتي لعدة بقع ضئيلة لدماء فسألتها عن احتمالية كونها له... فأجابت "أجل".
وأردفت لتنهي كل شكي وخوفي اللذان لم أفصح عنهما بلساني، ربما عينيّ فعلتا،
كالعادة: "قتلته للمرة الرابعة لهذا الأسبوع، بالطبع أعرف دمه!".
حاولت ألا أهتم بكلامها، فمهما كان فسيقتله ذاك المبيد بالتأكيد، حتى لو كانوا مجموعة من الصراصير لا واحدًا كما تظن.
ليتني ما أمسيت مصيبًا في أخر جملي... فبينما كنت اتناقش معها بشأن المال،
وتأثير المواد التي رششتها في منزلها وسياسة شركتي، تفاقمت اوهامي،
وشعرت باهتزازات طفيفة تصدر من الجدران وتنتقل إلى ما تحت قدميّ، وتزداد تدريجيًا حتى أصبحت محسوسة لها ايضًا.
سببها كان مجموعة صراصير خرجت من شقوق الأرض وأطراف الجدران وقامت بمهاجمتنا!

أكتب قصة عن وزير الملك السابق الذي يملك ندبة على عينه، ويعيش في زاوية المدينة منذ 30 سنة.
رجل أعور مشرد، يعيش في زاوية هذه المدينة منذ عرفتها، يخبئ سرًا في صمته الطويل ونظرته الحزينة الشاردة.
يبدو أن جميع السكان قد اعتادوا وجوده، فلا أحد منهم يتمتم أو ينشر الشائعات السيئة عنه،
حتى مجلس البلدية وكل الجهات العليا غيره لا يحاولون مساعدته أو تحسين وضعه.
لولا تحركه مع نسمات الهواء الدافئة لظننت أنه ميت بالفعل!، حتى أني أشعر أنه سيحنط ويُترك في مكانه بعد موته،
لتخلد ذكراه إلى الأبد، لسبب لا أعلمه.
استحوذ عليّ فضولي، وأخذ يتحكم بي كدمية ماريونيت، ودفعني لاستقطاع اجزاءً من أوقات فراغي، اتأمل بها هذا الرجل المُسن لعلي أعرف شيئًا من اسراره.
تجاعيد وجهه مثقلةٌ بالكثير من الهم الذي تراكم عبر السنين، النُدبة على عينه توحي بأنه مقاتل من العصور القديمة.
تراءت لي صورة من أحد كتب التاريخ التي أُلفت قبل ثلاثين سنة، يوم مولدي بالضبط،
تصفحت الكتاب مجددًا ووجدته بين طياته! تحت عنوان الوزير السابق الذي أُعفى يوم تعيينه.
دفعني فضولي إلى البحث أكثر في الكتب، ثم محاولة التحدث مع الرجل عله يفضي إليّ بما في صدره.
أبى الحديث معي بشفتيه، واخرسني صراخ عينيه.
رأيت خيباتٍ عديدة، وأحلامًا لم يكن التحقق لها مقدرًا، معارك، وتضحيات جرفها الليل ولم يعدها النهار.
لم أملك ردًا سوى الانحناء شكرًا له... وفي اليوم التالي وجدته قد رحل.

عمل فني غير مكتمل، خبير فطريات، نذير سوء.
ذهبت مرة إلى مقر عمل عمي لأوصل له صندوق غدائه الذي نساه بسبب استعجاله وإهماله.
عمي الذي اعتنى بي بعد وفاة والداي في حادث، يعمل كخبير فطريات،
إنه يستكشف أنواعًا جديدة منها، ويحللها، ويجري التجارب عليها.
هو شخص مبدع وشغوف في عمله، لكنه نقيض ذلك في حياته الشخصية، وهذا... لطيف نوعًا ما.
قال إنه يعمل على مشروع، أو عمل فني -كما يحب أن يصفه-في هذه الفترة، لذا أصبح هذا النوع من الحوادث،
يقع أكثر من العادة، ينسى تناول طعامه مثلًا، أو أن يستحم ويمشط شعره،
بل قد يغيب عن المنزل لعدة أيام دون قصد لانشغاله بفنه... حسب كلام عمتي، أقصد زوجته.
راودني الفضول بشأن هذا الفن، فتبرعت لإيصال الغداء له.
اتجهت إلى المختبر بعد سؤال الكثيرين عن مكانه، بدا عاديًا لأول وهلة،
حتى مع جلوس عمي هناك وتحديقه بطاولة ارتفعت عليها علب زجاجية دائرية الشكل بقاع أحمر فاقع،
يغطيه مخلوق غريب الخلقة، كقطع من عجين متنفس مليء بالثقوب المجهرية.
عن غير قصد، أوقعت شيئًا من أحد الطاولات ولم أتبين ماهيته لأنه أنكسر قبل أن الاحظ،
أعاد صوت عناقه للأرضية عمي إلى الواقع والتفت نحوي غاضبًا،
وقال إن هذا نذير شؤم، وأن عليه التوقف عن العمل اليوم لسوء الحظ.
ما ان أنهى حديثه حتى سمعنا نفس الصوت السابق صادرًا من خلفه.

تسجيلات ضائعة، ضيوف، تخمين.
في أحد الأمسيات التي تجمع كل أفراد عائلتي الكبيرة، بالتحديد التي حدثت بعد فترة من زواجي بحضور زوجتي طبعًا،
قامت والدتي بإحضار مجموعة من أقراص الفيديو وقالت إننا سنلعب لعبة ممتعة بها لأجل الاحتفال.
سعدت بهذا، ولم أدرك وقتها أن تلك اللعبة البريئة ستكون نهايتي... كانت تلك تسجيلات لي من أيام طفولتي المُبكرة،
ظننتها قد ضاعت، أو تلفت مع الزمن بما أنها لم تحفظ كما يجب، لكنها ما زالت موجودة، وبحال جيدة، بل وتعمل بأفضل جودة في ذاك الوقت.
السؤال كان: "خمنوا هوية هذا الشخص؟". قالت والدتي هذا وبدأت بتشغيل الفيديوهات واحدًا تلو الأخر،
والضيوف يحزرون هويات الأشخاص الذين تم تصويرهم.
نجحوا جميعهم بتمييزي، حتى زوجتي، وضحكوا حتى بدت نواجذهم، على الاختلاف الكبير بين تصرفاتي في الماضي، وتصرفاتي الحالية.
كان هذا أحد أكثر المواقف المحرجة التي لا أريد تذكرها، لن أحضر أي أمسية لعائلتي من اليوم فصاعدًا.
بينما كانوا يتغزلون بجمال والدتي وحفاظها على شبابها حتى بعد تلك السنين، كنت أفكر بأعذار وحيل للتغيب عن هذه التجمعات.
لكن وللأسف، وقع الاختيار على منزلي ليكون مكان اللقاء التالي،
لم أستطع الرفض بوجود هذا العدد من الأشخاص، خاصة أن زوجتي بدت سعيدة وأحبت ما فعلته عائلتي بي...
بعد شهر من الحادثة في الليلة الموعودة، وفد الجميع إليّ، ولم ينسوا احضار الأقراص معهم.

بالنسبة لرجل بارع في القتل، عيناه كانتا ناعمتان.
كم انا متعبة! عملت لوقت إضافي اليوم ايضاً، حتى إني بالكاد استطعت اللحاق بآخر قطار لهذا المساء.
كان فارغًا كما هو متوقع، ومن حسن حظي كون منزلي على بعد ثلاث محطات من هنا، لذا يمكنني الحصول على قسط من الراحة ولو لوقت قصير.
سلمت نفسي للنوم، لكن شيئًا ما نغص عليّ راحتي... نظراته.
رجل خشن مكتسح بالسواد، يجلس في الجهة المقابلة لي على اليسار، على بُعد ثلاثة مقاعد من مكاني، يحدق بكل تفاصيلي.
لست متأكدةً في الواقع ما إذا كان ينظر إليّ أم لا، بسبب ارتدائه لنظارات شمسية داخل القطار بعد منتصف الليل. 
لكننا وحدنا، ولا شيء ليلهيه عني سوى تلك السكين اللامعة التي يحملها بين يديه!
أشحت بناظريّ عنه من فوري، لم أرد ان أُقتل لذا سكنت في مكاني، وابقيت هاتفي بعيدًا عن يدي، وصوتي يتأرجح في حلقي.
لكن لا مفر، رأيته قد تحرك، وضع حقيبته النازفة والتي أصدرت صوتًا ينبئ بوجود الكثير من الأدوات المعدنية فيها، على المقعد المجاور له، كان يستهدفني بالفعل! سقطت نظارته عندما أسرع نحوي، وتمكنت لحظتها من رؤية عينيه اخيرًا...  
لكن بالنسبة لرجل بارع في القتل، عيناه كانتا ناعمتان لدرجة أني وقعت في حبه بعد فوات الأوان.
أظن أنه يجدر بك التوقف عن التحديق وأغلاق عينك عزيزي القارئ، فلا تعلم من ستكون ضحيتك التالية.

كاتب ينجح بكتابة روايته في يوم، لكنها تعلق في عقله بشكل مخيف.
اخيرًا! اتممتها.
أنهيت تحفتي الفنية الأولى والأخيرة بعد مضي 24 ساعة من العمل المتواصل، بالكاد أستطيع فتح عينيّ الان.
توقفت حواسي عن استيعاب ما اكتبه عندما أنهيت الفصل العشرين،
لو لم أكن أحفظ الاحداث عن ظهر قلب لما قدرت على إنجاز العشرة فصول الباقية.
ضغطت زر الحفظ، واطمأننت أن جهدي لن يضيع، حان الان وقت النوم.
أغمضت عيني، لكنها لم تسمح لي... كلماتي تتردد في عقلي كالصدى، بل أكثر إلحاحًا.
أستطيع سماعها تلومني رغم إني غطيت أذنيّ.
أرى المشاهد تحدث حولي بالتتابع، بينما أقف في المنتصف أراقب كل شيء وأصابع الاتهام تشير نحوي، لكن لا حيلة لي لإيقافها...
أبصرت الشجار لما حدث وسط فناء القصر، واستشعرت الغضب الذي أفسد كل شيء، سمعت صوت تحطم المزهرية، وأحسست بحرارة السكين، شهدت لحظة الاتفاق على الحكم الظالم، واخيرًا اراحني الهدوء بعد الموت.
لابد أن هذا بسبب ألكساندر، تفاقم حقده على كل من تسبب في معاناته حتى تحول إلى لعنة امتدت مخالبها إليّ ايضًا.
لقد حضر، أشعر بأنفاسه على عنقي، همس لي بصوت مهيب أني سألقاه في الجحيم.
لم اقوى على الالتفات، حتى عندما امتدت يده لتقبض على عنقي الرفيع وتحيلني إلى رماد...
لحسن سوء الحظ كانت تلك يد مساعدتي الخرقاء، التي ضغطت دون قصد على زر الحذف،
وأرسلت شقائي مع روايتي إلى العدم. 

ريشة، نار، مروحة.
بالكاد حصلت على موافقة والديّ كي أستطيع الذهاب لأخيم وحدي، جمعت أمتعتي وكل ما أحتاج ولا أحتاج وما أظن أني قد أحتاجه، وانطلقت بعد بضع خطب توديع، وعشرة نصائح، وأدعية بأن يحفظني الإله وييسر لي طريقي، وكأنني سأهاجر إلى مكان بعيد اجتاحته الحروب وأكون البطل المغوار الذي ينهيها.
وصلت إلى بقعة مناسبة، نصبت خيمتي وانتظرت حلول المساء بفارغ الصبر، كي ابدأ بإشعال نار المخيم التي لطالما تدربت على إيقادها، وبالطبع نجحت في ذلك منذ أول محاولة.
جلست على جذع الشجرة المقطوع اتفكر في الطبيعة وما فيها بينما أعد وجبة العشاء.
جذبت رائحة الطعام غرابًا وحيدًا، جلس بجانبي كالحيوان الأليف يتأمل ما أفعله بلا أية أسئلة أو نعيق.
أعطيته القليل من طبقي فأكله... بقي يأكل كل ما أعطيه وينعق بصوت رقيق حتى خُيل لي أنه أبتسم.
عددته صديقًا لي، ولم يبد لي أنه كره رفقتي، فقد ظل معي طوال الأسبوع، يخبرني بأماكن الماء والغذاء، ويحذرني من أي خطر قد أواجه بلغته الخاصة، التي أظن أني اتقنتها من فرط الاستماع لها.
وفي آخر يوم لي في غابته، اثناء حزمي لأغراضي، رأيته قد نظف نفسه ثم قطع أطول ريشة في ذيله ووضعها في يدي.
"سأعتز بهذه الهدية ما حييت".
فقدتها في اليوم التالي، لكنها كانت مع والدي الذي استخدمها كمروحة لتخفف عنه الحرارة.

كرنفال، قتل، حب مخيف.
ذهبت مع صديقي إلى كرنفال بلدتنا، وقبل إطلاق صفارات البداية، أمسك بيدي بقوة،
وجددنا عهودنا بالبقاء معًا إلى الأبد وعدم السماح لأي شيء بتفريقنا.
اُستهل الكرنفال بطفل صغير جميل الطلة ينثر الورد، تبعته فرقة من العازفين المخضرمين،
الذين عزفوا موسيقى خاصة بدولتنا، إلى جانب سيدات ارتدين أزياء مبهرجة، بينما يحملن العلم.
اقترب الطفل مني بعدها واهداني وردة وضعها صديقي في شعري، ثم ابتسم وقال إني جميلة... أخافني هذا.
تتالت مسيرات العربات الضخمة بأشكالها المتعددة، فواحدة بشكل تميمة الحظ الخاصة بفريق كرة القدم،
والتالية تنتمي للسيرك الذي صُودف وإن وصل إلى هنا في نفس تاريخ الكرنفال،
تلتها عربة مسابقة انتخاب ملكة جمال الفتيات الشابات، واللاتي رقصن عليها واستعرضن ملابسهن الملونة. 
عقبها حضرت فرق الراقصين بمختلف الأنواع والبهلوانيين، وأقاموا عرضًا مذهلًا بالتزامن مع بعضهم البعض.
أتت بعدهم مسيرات الأحصنة، والحيوانات الصغيرة التي استعرضت تدريباتها المكثفة لأجل هذا اليوم.
أُطلقت حينها الألعاب النارية في سماء الغروب وزادتها الوانًا.
هدأ المكان لوهلة، ثم باشر السكان باستعراض عربات الطعام بأصنافه، والبضائع الشعبية المتفردة،
وبعض الألعاب لأجل الأطفال والتي استمتع بها الكبار أكثر منهم.
التفت إلى ناحية صديقي كي استأذنه فيما إذا كنت أستطيع الذهاب للاستمتاع أكثر لكنه لم يكن هناك!
لمحت خياله الدامي في أحد الأزقة... كان يطعن فتى لا أعرفه حاول التحدث إليّ بالأمس.

باليه، سطح، ذكرى.
قبل سنتين، في نفس هذا التاريخ، كان يوم انفصالي عن حبيبي الذي علمني كل ما اعرفه حاليًا عن رقص الباليه.
في غير أوقات التدريب المعتمدة، كنا نصعد إلى سطح المنزل الفارغ، ونشغل موسيقى غريبة لنرقص عليها.
عادة ما نصعد قُبيل الغروب، نرقص لدقائق ثم نتأمل رحيل الشمس نحو الجهة الأخرى من الكوكب.
دائمًا ما كان تردد الموسيقى العالي يزعج جارتنا العجوز من الجهة المقابلة، لذا تعلمنا أن نخفضه عندما يحل الظلام.
غالبًا ما أرقص أنا وهو يقيمني بصفته المدرب الوحيد في المعهد الخاص به، والذي يقع أسفل منزلنا.
كان ولا زال أكثر الرجال الذين عرفتهم في حياتي وسامةً وشهامة.
لكن هناك أمر واحد غريب بشأنه... ألا وهو أنه يعبر عن مشاعره لا بالكلام وإنما بالرقص التعبيري.
أعترف بحبه لي لأول مرة عن طريق رقصة قام بها امام باقي الطلاب، لكن لم يفهم أحد المقصد عداي، حتى أنهم ظنوه استعراضًا من نوع ما وبدأوا بالتصفيق له.
سُعدت لأنه بادلني المشاعر التي أُكنها له منذ دخلت المعهد.
أستوقفني يومها قبل أن أخرج وأخبرني بالحقيقة، وكانت تلك المرة الاولى والأخيرة التي أفصح فيها عن مشاعره.
لطالما شعرت بحزن خفي في رقصه، بخاصة عندما نكون وحدنا، لكنه أبى الكلام حتى قرر أن يجرب الأجنحة التي لا يملكها، وانتهى به الأمر نائمًا على قارعة الطريق.

من كان يعلم أن امتلاك سعر على جبينك سيجعل الحياة أكثر تعقيدًا.
كنت أعلم أن دولتي تقاتل في الحرب، لكني لم أعلم أنها من خسرت وأن حياتنا هي ثمن ذلك.
أُسرت واقتادوني كعبد في أسواق وشوارع الدولة الخصم، لم أكن أعرف ماذا كان مصير أخواتي ووالديّ، لكنهم ليسوا بأحسن حالٍ مني.
كتب ذلك التاجر شيئًا ما على جبيني، ثم عرضني مع مجموعة من الأشخاص أمثالي، في جهة منزوية من السوق.
جميعنا لدينا علامات، لكني لم أعرف معانيها إلا عندما أخبرني طفل في مثل عمري أو أكبر بأنها اسعارنا.
عرفت ايضًا أنه قد تم بيعه وإرجاعه إلى هذا التاجر عدة مرات، لهذا هو أرخص سعرًا مني.
قال ايضًا أنه عمل في الكثير من الوظائف الشاقة، في كل مرة يُشترى فيها، وإني لن أسلم من هذا.
وفد بعض العامة إلينا أثناء حديثنا، كانوا يتفاوضون مع التاجر بشأن الأسعار ثم يرحلون دون شراء أي شخص.
يبدو أنه رجل طماع...
لم ينتهي اليوم إلا وقد اُشتريت من قبل شخص يبدو عليه الثراء الفاحش، وكما قال ذلك الفتى، ما سلمت من الأعمال الشاقة، فقد استخدمني اولًا في جر عربته حتى قصره البعيد، الذي كان بمثابة سجن لي قضيت فيه 30 سنة أعمل بلا هوادة أو توقف.
كرهت العيش وهربت يومًا لألقى حتفي في مكان نائي، فمن كان يعلم أن امتلاك سعر على جبينك سيجعل الحياة أكثر تعقيدًا.

مذكرات، كلب صيد أحمر، قماش قطني.
خرجت كعادتي برفقة كلبي الأحمر للحصول على طعام العشاء لليلة، وبضع أيام بعدها.
لمحت العديد من الفرائس، أرنبة وصغارها، غزال واحد، سرب من البط،
لكن لم انجح بإمساك أيّ منها لعجزي عن التصويب بسبب جوعي الذي استمر لثلاثة أيام.
جلست وكلبي في ظل شجرة ننتظر أن ترأف بنا الطبيعة فتُسلمنا أحد صغارها لنأكله، أو تحضر لنا دبًا يفترسنا ويريحنا.
كان يلهث بينما يتلفت حوله، أشعر أنه وجد فريسة لذيذة وينتظر رحيلي كي يتناولها بنفسه، بل إنه قد ينقض عليّ ويأكلني قبلها.
ما الذي أقوله؟ إنه أوفى صديق حصلت عليه على الاطلاق، مستحيل أن يفعل هذا بي، لابد إنها هلوسات من تأثير الجوع.
سمعت خشخشة بين الشجيرات البعيدة، أطلقت رصاصة من بندقيتي ثم ساقيّ كلبي، متأملًا ان يكون ذلك حيوانًا لا طفلًا بشريًا.
اتجهت إلى هناك بعد سماعي لنباحه، وجدت رصاصتي قد استقرت في كتاب ملفوف بقماش قطني أبيض، يبعد عنها بمسافة بسيطة حذاء أظن انه قد وقع بسبب استعجال صاحبه في الرحيل خوفًا من أن يُصيبه الرصاص.
بالطبع، لم أجد أي حيوان، فأخذت الكتاب وعدت أدراجي للظل لعلي أجد فيه شيئًا يشغل وقتي وينسيني جوعي.
قرأته فكان عبارة عن يوميات لشخص ما، وحسب تتابع السنين والأيام فيبدو أنه أحس بقرب أجله لذا قرر ان يهدي هذا الكتاب إلى حفيده الوحيد.

بطانيات ناعمة، غابة محترقة، زهور زرقاء.
اتخذت وصديقاتي جزءًا من الغابة لنا ملجأً، نعلق فيه أمالنا وذكرياتنا،
ونمارس فيه طقوسنا بصفتنا عذارى ينتظرن أدوارهن ليتسلقن سلم المجتمع من أجل أن يصلن إلى رتبة امرأة.
بنينا من أغصان الأشجار كوخًا صغيرًا، فرشناه بأنعم البطانيات التي سرقناها من منازلنا خفية، ثم زرعنا فوقها حقلًا من الزهور الزرقاء، ونثرنا قطعًا منا هنا وهناك، إضافة إلى احلامنا.
قد يبدو المكان فوضويًا قليلًا لتعيش فيه ثلاث فتيات من الطبقة البرجوازية، واثنتين من الطبقة الكادحة، لكنه يناسبنا ونحن سعيدات للغاية به.
كنا نذهب للعب فيه كل يوم بعد المدرسة، نقيم حفلات شاي ثم نتشارك بعض القصص والحكايات التي جُمعت من كل حدب وصوب، بعدها نخرج لنتأمل أشجار الغابة الصامدة في وجه الرياح منذ الأزل.
لكن اليوم لم تكن –الغابة-مزهرة ومليئة بالحيوات الصغيرة كما اعتدنا عليها... بل تفحمت واسودت.
أُحيلت إلى جحيم مستعر، بقيت ألسنته تتراقص لمدة يومين، بعدما عجز الجميع عن اطفائها أو إنقاذ من يتلوى آلمًا بداخلها.
ولا أحد عرف السبب عدانا...
الليلة الماضية، أشعلنا نارًا كبيرة قربانًا للإله، كجزء من أحد طقوسنا التي استقناها من كتابٍ للخرافات، لكنها ما لبثت إلا وقد التهمت أحدانا واتبعتها بقصرنا ثم امتدت حتى الغابة بأكملها...
والان، نحن نذوب وسط النيران بينما نمسك بأيادي بعضنا البعض ننتظر أن يحل علينا عقابنا الإلهي الذي نستحقه جميعًا.

ممل، عتيق، أنابيب الصرف الصحي.
أنا رجلٌ عتيق، بخبرة عتيقة لأكثر من عشرين سنة في مجال تصليح انابيب الصرف الصحي العتيقة المملة!
ليس لديك أية فكرة عمّا أتكبده من عناء، وبخاصة عندما أضطر لتحمل الروائح الكريهة التي أشمها ولا يمكنني التذمر لأحد بشأنها. 
وهذا ليس كل شيء، فإضافة إلى ما ذكرته، هذا العمل ممل للغاية، إلى درجة لا يمكنك تخيلها يا صديقي الصغير.
لا انصحك به.
لنعد إلى صلب الموضوع، بينما كنت أقضي يومًا عاديًا، تلقيت اتصالًا هاتفيًا يطلبني فيه عجوز الحضور لتفقد وإصلاح حمام منزلهم.
قبلت المهمة لأجل المال بالطبع، وكما توقعت كان منزل عتيقًا بقدر ساكنيه، وهذا ما يلائمني.
لأول وهلة كان كل شيء هادئًا في ذلك المكان، لكن الخلل عادةً في الداخل لا الخارج،
هذا ينطبق على البشر ايضًا... أجل البشر كأنابيب الصرف الصحي، فاسدون من الداخل، ولامعون من الخارج.
هذا ليس الوقت المناسب لمثل هذه الأفكار! تجاهلتها وبدأت عملي.
فحصت المكان، وتأكدت من سبب المشكلة، وهو أنبوب عتيق كما اعتقدت،
أخبرتهما إني سأذهب لإحضار واحد آخر جديد من مقر عملي ثم استبداله بالقديم، وبالوقت الذي احتاجه لذلك وسعر خدماتي.
وكما قلت سابقًا... هذا عمل ممل.
لكن لا أحد وبخاصة جامع الأنابيب ذاك كان يعلم أن بداخل الأنبوب العتيق كنز ذهبي منسي وهو ما تسبب في تعطيل عمله ومن ثم التخلص منه.

 الحديقة تتقلص في الليل.
سأخبركم سرًا، لكن إياكم والإفشاء به لأيٍ كان. 
أحد اصدقائي مصاص دماء، يمتلك نوعًا من السحر يمكّنه من التحكم بكل ما ينبت في الأرض، بجميع أنواعه وأصنافه، سواءٌ أكان من هذه الأرض أم من كوكب آخر غيرها، بل وأنه يستطيع اختراق الحدود بين الأكوان المتوازية، ليحضر نباتاتٍ من خارج هذا العالم. 
اضطررت للمبيت في قصره ليلةً، وبِغض النظر عن مدى فخامة المكان وغرابته، وعن تعدد أجناس المخلوقات الغريبة التي كانت تعثو الفساد فيه على حد تعبيره، كانت له حديقة بهيّة… بل إنها أجمل ما رأيتُ في حياتي كلها. 
بقيت اتأملها ما بقي نور الشمس يضيء البلاد، كي لا أتورط في المشاكل مع رفقائه في السكن بصفتي بشريًا وحيدًا، لا حيلة لي ولا قوة. 
واسعةٌ غنّاء، لعشبها صوتٌ رقيق.  منظمةٌ، لا يطغى فيها صنفٌ على جهة الآخر. ازدانت بمخلوقات من كواكبَ اخرى، وعبق رائحةٍ ذكية اسرت روحي وزادتني تعلقًا بها. 
قضيتُ الساعات ارسمها واصورها بما لا يصف روعتها، لا اقوى على لمس اي شيء منها وتدنيسها بإنسانيتي. 
حل المساء، وسجى الليل علينا. باتت تضيء ازهارها بشكل خافت كأنما النجوم البعيدة تركت منازلها واتت لتزور الأرض.
طفقت اتدبر تفاصيلها حتى كادت عيناي تهجر محجريها.
إلا أنها بدأت بالتقلص فجأة، فعرفت أن صديقي قد سلّم نفسه للنوم… لأن قدرته وتأثيرها يختفيان أثناء نومه. 

بقلاوة، مخطوطة، خادمين.
أتعرف ما السيء في عملك كخادم في قصر كبير لعائلة ملكية؟ أن تكون خادمًا لسيدة صغيرة.
والاسوأ من ذلك أن تكون مدللة للغاية ودمعة منها بإمكانها تحويل حياتك إلى جحيم أو حتى إعدامك، ومحوك من هذا العالم.
أجل، هذا ما يحدث لي الان.
طلبت مني سيدتي المنزعجة من تحطم لعبتها، أن أحضّر لها نوعًا من الطعام الشرقي المُسمى ببقلاوة، والذي لا أعرف منه سوى اسمه الذي تعلمته منها للتو.
وعندما تطلب سيدتي شيئًا وهي بتلك الحالة، فهذا يعني ان نحضره إليها فورًا، وأعني في نفس اللحظة، بلا أي تأخير.
لا وقت للتفكير في حل، ذهبت ومساعدي إلى حجرة الكتب وانكببنا نقرأ المخطوطات القديمة، والتي جُمعت لدينا من كل أمصار العالم، علنّا نجد وصفة نتبعها أو بديلًا يعجبها فلا نضطر للتخلي عن وظائفنا أو رؤوسنا.
هل وجدنا واحدة؟ بالطبع لا!
هناك أمران لم اعرفهما في حياتي، الأول ماهية البقلاوة، والثاني طريقة رحيلي إلى العالم الآخر اليوم.
امتلأ عقلي بذكريات عن اسوء طرق الإعدام التي شهدتها أو قرأت عنها، بينما كنت أجري في القصر كالمجنون، واسأل جميع الخادمات، والطاهي، وحتى مساعد الطاهي عنها، بل أني كدت اخرج لسؤال الناس في البلدة،
لولا أن اُوقفت من قِبل سيدتي وهي تقول بلا اهتمام أنها لم تعد تحتاج إليها بعد الان، لأن والدها قد حضر.

سفر عبر الزمن، فاصل كتاب، الملاك غابرييل.
بصفتي قرَّاءً نهمًا، التهم جميع أنواع الكتب بشهية مفتوحة، أستطيع القول بأني سافرت عبر الزمكان مراتٍ عديدة، لا تحصى.
فأحيانًا أذهب إلى لندن، أو نحو الهند، تليها البرازيل، أو حتى دول الشرق الأوسط، بل إلى أماكن خيالية لم أدرك وجودها قبلًا.
مرة في العصور الوسطى، وأخرى في العصر الفيكتوري، أو عندما تفجرت الدعوة الإسلامية، وقفزت سنين إلى المستقبل ايضًا.
لكن أكثر ما يزعجني هو فواصل الكتب عديمة الفائدة! من سيرغب بإيقاف متعته في منتصفها لأجل أمر دنيوي حقير؟
بالنسبة لي ما إن ابدأ القراءة، لا أتوقف حتى أنهي الكتاب بأكمله، وإلا ما الفائدة من فعل ذلك إن كنت سأتوقف عنه لعدة أيام ثم أكمله؟  بشر حمقى.
وإليكم ما حدث عندما قابلت ملاكًا كافئني على مجهوداتي، حيث كنت منغمسًا بالقراءة تحت سلم مكتبتي الذهبية الضخمة،
وفجأة غرق كل شيء في الضباب، وسقطت أحدق في السقف، الذي ظهر منه ملاك غاضب أشقر بزي أبيض لم أتبين تفاصيله لهيبة حضوره.
كنت أهلوس وأطلب منه الغفران، ولم أدرك أنها كانت اختي الصُغرى، التي أتت لتفقدي بعد تأخري في المكتبة فوجدتني نصف نائم... سوى الان.

شخص يذهب لأقصى حدوده ليعيد شيئًا استعاره.
عندما كانوا في الحرب، كان كل شيء أسهل.
كان فطورًا فخمًا.
لهذه القصة بطلان مختلفان تمامًا، رغم أنهما عاصراها في الوقت عينه، منذ لحظة حدوثها حتى نهايتها.
بدأت قصتنا في بلدة صغيرة متضررة، عُمرت منذ زمن ليس بقريب، في الوقت الذي أعلن ملكها فيه أنه سيقيم الحرب على البلدة المجاورة لها، وأنه يحتاج إلى جميع الرجال القادرين على القتال فيها، بالإضافة إلى كل قوات جيشه، سواء العاملين فيه أو حتى المتقاعدين منه.
بطلنا هنا رجل في العقد الرابع من عمره، وهو أحد الجنود المخلصين، الذين يتمتعون برتبة عالية في الجيش، كان متحمسًا لهذه الحرب أكثر من أي شخص اخر لسبب مجهول، بالرغم من الاصابات الكثيرة التي تلقاها في الماضي.
قامت البلدة على قدم وساق من أجل إعداد رجالها، عدا المصابين بإصابات خطيرة يعذر معها السير والقتال في المعركة، والأطفال، وكبار السن.
هنا نجد البطل الثاني لهذه القصة وهي امرأة من العامة بنفس العمر، بل وتبدو أصغر من سنها، مشهورة بطهوها اللذيذ لذا نُصبت رئيسة على الطهاة المسؤولين عن اعداد الطعام الذي قد يكون الوجبة الأخيرة لأولئك الذاهبين إلى الحرب.
أمرت النساء فأعددن فطورًا شهيًا تم تقديمه في ساحة البلدة المقام فيها السوق الشعبي، كان فخمًا للغاية ويليق به لقب الوجبة الأخيرة، أحد متذوقيه كان البطل الأول، الذي ملأ معدته وعزمه به.
بحلول المساء، كانت الاحتفالات قد انتهت بالفعل، وذهب الجنود وجميع الرجال إلى منقطة قريبة من منطقة القتال من أجل التدريب، خاصة وأن نصف القوات من المزارعين، وغيرهم ممن لم تعتد أجسادهم إلا على الصراع مع المحاصيل.
بقيت النساء وحدهن، مع الأطفال والحيوانات وكل المهمات، فأخذت كل عائلة مهمة رب منزلها وقامت بإنجازها على أتم وجه، بل واهتممن بالمقعدين وكل شؤون البلدة، حتى ازدهرت تجارتها وارتفع اقتصادها وصادراتها أكثر من قبل، كان كل شيء أسهل مقارنة بالوقت الذي استلم فيه الرجال زمام الأمور.
على الجانب الاخر، كان الرجال يقاتلون بضراوة رغم الخسائر الكبيرة التي تلقوها، دون ان يدركوا أي شيء مما فعلته نساؤهم هناك، بخاصة بطلنا المقدام.
حتى إذ وصل إلى من يقابله في الرتبة من الأعداء، والذي كان قد استدان منه جرحًا بليغًا في صدره، لم تكفي الدروع لتغطيته، تجاوز حدوده ونجح بإعادة دينه لغريمه، بعد أن ارداه ميتًا، وبهذا، كُتب النصر لهم.
وعاش الجميع في سعادة وهناء، عدا الملك الذي أُسقط باتفاق المواطنين، ونُصبت بعده ملكة تحكم بالعدل والإنصاف.

غن بمرح، ازعاج حانة، إكليل الفشار. \ لغة الزهور، ملابس نوم، وممر سري.
كل يوم بعد العمل، أذهب مع صديقاتي إلى حانة تديرها أحدانا من أجل أن نقضي وقتًا ممتعًا يخفف عنا ضغوطات الحياة.
تلك الحانة مشهورة ومزدحمة للغاية، لا مكان لنجلس فيه حتى، لذا قامت صديقتي بتجهيز شيء خاص لنا.
بينما كنا بقربها نشتكي من الازعاج، اخذتنا إلى وراء الطاولة، عميقًا في الداخل، حيث لا يلج أحد سوى الموظفين، يوجد ممر سري إلى جنتنا المزيفة... غرفة ملأتها بالزهور العطرة التي ترمز في لغة الزهور إلى الاسترخاء والراحة، والكثير من المشروبات الكحولية والوجبات الخفيفة على حسابها، وشاشة تلفاز مع جهاز للكاريوكي، وبالطبع ملابس نوم مريحة.
لم نتوقع أي شيء من هذا في البداية، ظننا أنها تريد المساعدة في نقل بعض البضائع، أو أنها سترينا أحد عمالها عديمي الفائدة، ليكون موضوع حديثنا الممتع في هذه الفترة الحرجة.
فوجئنا بذلك كثيرًا، أردنا شكرها لكنها قالت إنها تريد منا أن نستمتع فحسب، لأن حيواتنا تبدو صعبة لمجاراتها، على عكس حياتها الممتعة للغاية على حد قولها.
تقبلنا كرمها بصدرٍ رحب، فصرنا نزورها كل يوم، ونقضي الليل بطوله عندها حتى يحين موعد إغلاق المكان، ولا تجد سوى طردنا كما تطرد زبائنها الثملين.
الفنا المكان هناك، أول شيء نفعله عندما ندخل هو تغيير ملابسنا، بالمناسبة خاصتي هي الباندا، لأنني أحبه.
ثم نشاهد التلفاز مع بعض أحاديث الفتيات، النميمة، كما تعرفون... جنبًا إلى جنب مع المشروبات والوجبات الخفيفة.
بعد هذا يحين وقت الغناء بصوت عالٍ لا يضيف شيئًا إلى صوت زوار الحانة الاخرين، سوى موسيقى هادئة لا تصل إلى أذنيّ أي أحد.
يصاحب هذا الكثير من التصرفات الغريبة والمجنونة التي نتجت عن كوننا مجموعة فتيات ثملات، لا ندرك أي شيء مما نقوله او نفعله، وبالطبع لا نندم عليه لأن لا أحد يرانا غيرنا.
حتى إذ خرجت يومًا عند الزبائن، مخمورة ارتدي إكليلًا من الفشار صنعته صديقتي الأخرى، وأغني بأسوأ نشاز سمعته البشرية... سخر مني الجميع وقتها، ومنذ ذلك الحين وانا لم أعد أشعر بأي ضغوطات لأني اعتزلت الحياة وما فيها.

رائحة الدخان، ظلمة، صفارة إنذار. \ سجائر وأحمر شفاه، نقود مطوية، خزامى ويوميات.
غرفة مشتعلة في مبنى ضيق، كان هذا أخر مسرح لهما ليمثلا فيه جريمتهما التي أشهدا نفسيهما واذان الجدران عليها.
أخفتهما عن عيون الأبواب ظلمتا الليل وقلبيهما، لكنها لم تصل إلى ضميريهما.
رجل وامرأة، قربهما الحب وآلف بينهما بدون إذن القدر، فأحال عقابه عليهما وحانت ساعة فراقهما.
كانا يترددان على هذه الغرفة كلما جنح الليل، ومل جسديهما ممن يشاركانهما حياتيهما، يضعان ملابسهما أسفل الطاولة التي أصبحت مشاركةً في الجريمة بدون رغبتها، ويرتميان في أحضان بعضهما... هي تترك أثار أحمر شفاهها على عنقه، وهو يترك بقايا من دفئه على خصرها.
يلهوان معًا لكن لا يسمحان للشمس برؤيتهما مطلقًا، لأنها على عكس القمر، تحب نشر الاخبار ولا تكتم الاسرار.
هي تقول إنه أفضل من زوجها وأكثر وسامة، وهو يقول إنها أجمل النسوة اللاتي قابلهن دون زوجته، وكل الغزل الذي تشبعت به أذاننا وجُبلت على ذكره المسلسلات التلفزيونية وهي تصف حب الزوجين لبعضهما مهما كانت ظروف التقائهما.
جمع بينهما حب زهرة الخزامى، والخيانة... فكان يتأكد من جعل الغرفة وجسده مشبعين برائحتها ووريقاتها، وكانت تلون ملابسها بلونها ووريقاتها.
بعد ما تنتهي لعبتهما الصغيرة البريئة، يخونها عبر تقبيل سيجارة واحدة ينتشر عبقها في المكان ويزيده رمادًا وكأبة ونفورًا.
حتى إذ لعب القدر تعاونه مع الضمير، وقُلبت المتعة غصة.
التقيا مجددًا، وفيهما نفس الوجع... قررا الموت معًا بدل أن يشتتهما القدر ويحيل لقائهما إلى معجزة تتداول في مجالس الكتب.
فعلا فعلتهما الأولى، كما اعتادا تمامًا لكن هذه المرة، وبدلًا من انتظار الشمس، صنعا شمسهما الخاصة، التي ستنشر قصتهما كما يحبان لا على حقيقتها.
أشعل النار في فستانها، وأخذا يراقبانها تلتهمه بينما ترتفع حرارة جسديهما شيئًا فشيئًا مع حرارة الغرفة...
ذكرهما هذا بنفسيهما، ولعبتهما الأخيرة.
قالت إن زوجها يحتفظ بنقود مطوية في دفتر يومياته، وتخيلت كم سيكون الوضع أفضل لو أنهما قاما باستخدامها في الهرب إلى مكان بعيد مناسب ليكملا لعبتهما بطريقة قانونية.
اجابها بقبلة أخيرة، بينما علا صوت صفارة سيارة الإطفاء... فُتح الباب، وسُمع صوت رقيق: "أمي؟".

بالون، كرة، درابزين. \ يوم سيء بنهاية جيدة. \ غزو الفصائل الأخرى الذي يؤدي إلى الحرب.
كنت طفلًا في العاشرة من عمره، أعني حارسًا لهذا الكوكب منذ الاف السنين لكني حُجزت في هذا الجسد الصغير بسبب خطيئة ارتكبتها في حق ابنة الملك السابق، استعدت ذكرياتي للتو بعدما فقدتها اثناء فترة عقابي، وتلقيت معها انذارًا بأن هذا العالم يتجه نحو الدمار، ولا أحد غيري يستطيع حمايته، لذا عليّ إكمال واجبي.
بداية يجب أن استعيد اسلحتي المقدسة، لذا خرجت في رحلة مع كلبي، ومرافقي الوفي الأليف، وبيدي سلاحي الأول كرة النيران المشتعلة –كرة مطاطية حمراء اللون-، التي حصلت عليها كهدية من أمي، أعني مدربتي... بالطبع هي –النيران-لا تؤذيني فأنا من نخبة المحاربين إن لم أكن الأقوى بالفعل.
أخذت أبحث عن سلاحي الاخر، لابد أنه في مكان ما هنا! أشعر بقوته تجذبني! حتى إذ لقيت رجلًا طاعنًا في السن تبدو عليه الحكمة والوقار، ويبدو أنه يعلم بشأن الحرب التي على وشك الوقوع، أهداني سلاحًا منيعًا ضد الجاذبية، يحبس الهواء بداخله ليطلقه متى ما رغب صاحبه، على شكل رياح عاتية تسحق كل شيء أمامها –بالون-، وطبعًا لم يكن هذا مجانيًا.
حصلت على اسلحتي اخيرًا، الان عليّ العودة للمنزل وبدء التدريب، فقد أوشكت الشمس على الغروب...
انغمست في تجربة اسلحتي ومساعدة العامة اثناء سيري فتأخرت ساعة عن الوقت المحدد، تسللت صعودًا على السلم المؤدي إلى غرفتي، كي لا تلاحظني المدربة، وأخذت أفكر باستراتيجيات مناسبة لسحق العدو، والذي أدركت لتوي أنه سيكون جيشًا من الفصائل الأخرى التي ولطالما حاولت غزو هذا الكوكب...
قطع حبل أفكاري رائحة شهية تنبعث من المطبخ، أنه البسكويت الذي أحبه!
أدرت رأسي ناحية المطبخ، ورفعت صوتي لأعلم والدتي بعودتي كي تجهز لي طبقًا من البسكويت، لكني لم أدرك أن العدو بدأ هجومه بالفعل، عن طريق حبسي في بعد آخر إلا عندما قررت النزول ولم أستطع! –علق رأسه بين أعمدة الدرابزين-.
بعد ساعة...
انتهى اليوم بشكل جيد، آتى رفاقي لدعمي، وتم القضاء على كل الأعداء، ونحن الان نتناول البسكويت بكل سعادة.
-وجدته والدته غارق بدموعه فاتصلت بالطوارئ وحضروا لإنقاذه-.

شيء عادي يُرى للمرة الأولى.  \ مصيبة تحدث بعد استعارة قلم رصاص من شخص ما.
تعرفت على صديق جديد قبل عدة ايام، لم يكن بشريًا أو مُتخيلًا، بل كان فضائيًا.
اقتحم الغلاف الجوي لكوكبنا بمركبته في احدى الليالي... لست متأكدًا ما إذا كان هذا متعمدًا أم لا لكن لم يتحدث أي شخص صباح اليوم التالي بشأن الضوء الذي غمر المدينة وقتها عداي، أظن أنه اظهره لي وحدي بلا سبب واضح، بالنسبة لي على الأقل. 
بعد كل هذا وذاك، أصبحنا صديقين مقربين، وعلمته كيفية التصرف والتحدث كأهل الأرض من البشر، فأتقن ذلك سريعًا، أسرع من البشر أنفسهم. لكن حتى مع ذلك، بسبب مظهره لم أكن أسمح له بالخروج أو التواصل مع بشري غيري، فلا أحد يعرف ما قد يحدث إن رأى الناس فضائيًا غريب الشكل يقلدهم.
مرة أخبرني أنه اشتاق لعائلته السابقة في كوكبه، وانه يريد شيئًا ليتذكرهم به في هذا الكوكب. اقترحت عليه رسم صورة وأهديته قلم رصاص. تعجب منه كثيرًا، ظن أنه اختراع علمي عظيم توصل إليه البشر عندما غفلوا عن مراقبتهم.
أخذ يرسم بدقة وانبهار، رسم والدته واخويه، لم اجرؤ حينها على ذكر كونهم يبدون متشابهين لولا اختلاف الاحجام. لكنه أهتم للقلم أكثر من اهتمامه بالتحفة الفنية التي انتجها، صفقت اتأملها ولم انتبه لرحيله مطلقًا...
عرفت مكانه لاحقًا، عندما انتشر خبر احتجاز الحكومة لكائن فضائي يحمل قلمًا ظهر فجأة في أحد الطرق السريعة.

غرفة نوم، كابل، مضيفة. \ المملكة كانت مثل اللحاف.
المملكة كانت مثل اللحاف، بل كانت اللحاف نفسه، مملكة تسكنها البكتيريا تقع على لحاف سرير في غرفة نوم عادية تنتمي لفندق معروف يحمل خمس نجوم ورقية، لا تشع ولا تضيء.
بطلتنا طفلة من خلية، تتجول بين شعيرات اللحاف بكل سلاسة، بينما ترسم احلامًا وردية عن خروجها من هذا المكان الناعم، الذي لا كفاح فيه، إلى جسد مضيف صحي تستولي عليه وتكبر فيه، ثم تسلبه طاقته، وتضعفه بالتدريج حتى يموت، لتنتصر هي، وتخرس الأفواه التي لطالما استحقرتها وقللت من قيمتها وقوتها.
وقفت مستعدة متأهبة، تنتظر اقتراب أي يد بشرية، لتنقض عليها وتحقق حلمها.
على الجانب الاخر، بطلتنا الأخرى مضيفة شابة انضمت حديثًا إلى طاقم العاملين في نفس الفندق المذكور سابقًا. وُكلت فور بدئها العمل بتنظيف وتنظيم غرف الطابق الثالث جميعها، والتي بلغ مجموعها عشرة غرف وجناحين، بأربعة عشر سريرًا. ومن ضمنها مسكن صغيرتنا الأولى!! هل ستحصل على مضيفها الأول يا ترى؟
شمّرت الآنسة عن ذراعيها النحيلين، وباشرت بجمع الملاءات والاغطية وكل ما يمكن غسله من الغرفة، ثم ترتيبها واخيرًا تنظيف الأرضية، وهكذا فعلت لكل الغرف حتى وصلت إلى المملكة...
امتدت يد ناحية الصغيرة، هذا مضيفها المنتظر، حلقت حتى اندست تحت ظفره، وفرحت بنجاتها من غرق مملكتها.
أخذت المضيفة تغسل يديها بعدما وضعت اللحاف في الغسالة، بينما تتذمر من قلة نظافة الزوار.

قصة ساندويتش.
هذه قصة عن عدة أصدقاء يعيش كل منهم في دولة مختلفة، تفرقوا لكن نهايتهم كانت اللقاء الابدي.
بداية مع توأمي المخبز، شريحتي الخبز محمرتا الأطراف. من الدقيق والماء عجنتا، وفي التنور خُبزتا، لتخرجا بأفضل شكل وطعم ممكنين، ثم تعرضا على الزبائن في الصباحات الباكرة.
والصديق الاخر كان دجاجة جُمدت لعدة ساعات، تم تتبيلها وطهوها عندما عادت للحياة مجددًا في الربيع.
الحليب الذي استُخلص منه مصله كان الصديق الثالث، حُفظ في قوالب حتى حان موعد شحنه إلى كل اقطار العالم، ومنها مكان اللقاء الذي كان هو أول الواصلين إليه، ومن ابتدع تلك الفكرة، التي اعجبت جميع البشر.
اخر صديق هو الخس، أصغرهم وابعدهم، نما في التربة لعدة أشهر حتى أصبح كالزهرة الخجولة وحينها قُطف، وكما الجُبن أرسل إلى العالم لعله يحاول رؤية النور.
اجتمع الرفاق على طاولة المطبخ، كلٌ منهم ينظر للأخر ويتوق لاحتضانه.
تشاور التوأمين، وقرر أحدهما الخروج والبدء بحفل لم الشمل، تبعه الجبن الذي عانقه بكل قوته حتى تغلغل إلى اعماقه.
فاضت مشاعر الخس لرؤيتهما فانقض عليهما بدموعه العذبة، لحقته قطع الدجاج التي ولفرط حماسها انتشرت توابلها في كل مكان، ثم اتى التوأم الاخر واحتضن الجميع حتى انقطعت انفاسهم ليصل إلى أخيه.
كانت هذه قصة عن عدة أصدقاء، اجتمعوا بعد غياب طويل فيما يسمى بساندويتش، وأكلوا جميعهم بكل امتنان.


 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما رأيك فيما قرأت؟