اليوم الرابع: على ضوء الشموع، الجان، عفن.
كعادتي أخلق لنفسي مكانًا ووقتًا خاصين
لأبدأ طقوسي في القراءة العميقة التي تغذيني روحًا وعقلًا. اولًا أقوم بتبديل
ملابسي إلى ملابس نوم مريحة، وأدع شعري المصاب بفوبيا الأماكن المرتفعة يرتاح على
كتفيّ كي يهدأ، ثم أسكن للحظات في ظلام الغرفة حتى أشعر ببحر افكاري وهو يسحبني
لأعماقه فافتح عينيّ. أشعلت سبعًا من الشموع وجلست في وسطها كمن يستدعي روحًا من
العالم الاخر ليطلب منها ما يندم عليه لاحقًا، وهذا ما حدث بالضبط... اثناء
انغماسي في القراءة، مددت يدي لأحصل على قطعة من الخبز اعددتها منذ صباح اليوم
لأجل هذا الوقت خصيصَا، فظهر حولي سبعة من الجان يشير كل واحد منهم بسبابته إلى
طعامي ويطلب مني تسليمه له! لم يتحركوا أو يلتفتوا إلى بعضهم البعض بل ظلوا على
حالهم بينما انظر إليهم واحدًا تلو الاخر. لاحظت أن كل واحد منهم يمثل نوعي المفضل
من الذكور على مر السنوات مذ كنت في المرحلة المتوسطة حتى تخرجت من الجامعة، أغمضت
عيني وعدت إلى الماضي عندما كنت أحاول استدعاء جني ليكون رفيقًا لي بدل اتخاذ واحد
من البشر، وظننت أن كل ما فعلته لم ينجح حتى رأيتهم اليوم. سلمت قطعة الخبز بدون
مقاومة، أرادوا اخذها جميعها لكنها أصغر من أن تُمسك بسبعة ايادٍ فانقسمت لعدة قطع
وتناثر فتاتها، الصدمة أنها كانت متعفنة من الداخل.
اليوم الخامس: محكمة، رياح، ثعلب.
على أعتاب الضريح، وقف صبي صغير بملابس رثة، أُرسل من قِبل والديه المُدقعين مع قربان بسيط ليطلب من إيناري آوكامي أن يهل عليهم ببركات منه، ويخصب أرضهم كي تدب فيها الحياة من جديد. شعر الطفل بالحرج من الدخول إلى المكان المقدس بحاله هذه، فترك على الأرض قربانه الذي كان عبارة عن حفنة من الأرز المطبوخ شُكلت لتشابه المثلث، بالإضافة إلى قطعة نحاسية بقيمة 5 ين، وبدأ بطقوس الدعاء التي عاد بعدها إلى بيته، حيث صفق مرتين ثم ضم يديه إلى وجهه، وصلى بكل ما يحمل قلبه من إيمان. حينها خرج من خلف البوابات الحمراء ثعلبان أبيضان مزينان بوشاحين حمراوين، لو كانا من البشر لقدرتُ عمريهما بنفس عمر الصبي. تشاجرا فيما بينهما بشأن من سيوصل الأمنية والهدايا إلى أو-إيناري. اتفقا بعد عضتين على الذهاب معًا واخباره بكل التفاصيل ليحاكمهما ويقضيا بأمره. وضعا العملة على كرة الأرز وقبض كلٌ منهما فكه على جهة ليركضا عبر البوابات وصولًا إلى مرقد سيدهما. لكن كل ما احضراه معهما هو بضع حبات من الأرز، فقد تفككت اثناء ركضهما على طول الطريق، أما العملة فقد اوصلتها الرياح بطريقة ما. طأطأ رأسيهما خجلًا واعتذرا، تبسم في وجهيهما وطمأنهما أن الأمنية قد وصلت إليه. هبت ريح باردة حملت الحبات المتناثرة ونشرتها في الحقول المجاورة... ولربما وقعت في صحن جائع.
اليوم السادس: فطور، سخيف، فطيرة.
في صباح ذكرى زواجنا الأولى، قررت أن افاجئ زوجتي بإفطار غير متوقع في حديقة المنزل من أجل الاحتفال بهذا اليوم المميز. إنها الثامنة صباحًا، خرجت إلى الحديقة بعد أن انهيت أعداد الطعام، وبينما كنت أجهز المكان لجلستنا كانت الشمس الخاصة بي قد فتحت عينيها للتو، ورأيتها تتجه نحوي مدفوعة بنسائم الربيع الدافئة، تحمل باقة الورد التي وضعتها بجانبها قبل أن تستيقظ، وهي تكرر جملتها المشهورة كلما أهديتها اخواتها: "إنها لا تشبهني". في الواقع لا هي تشبه الورد ولا الورد يشبهها، بل هي أجمل. أفكر بإعطائها باقة من صورها في المرة القادمة. ارتدت فستانًا سخيف النسج، أصفر اللون مزيّن برسومات صغيرة لزهرة البنفسج، أكمامه قصيرة منتفخة وياقته مُخاطة بشكل قلب بها شريط قصير لشدها، انساب القماش على كامل جسدها وغلفه بطريقة متقنة تبرز انحناءاته الجذابة. أما بشأن الفطور فكان فطيرة الفواكه المفضلة لديها، قالب مصنوع من العجين الحلو، ممتلئ حتى آخره بالكريمة الحامضة وفوقها صُفت قطعٌ من الفراولة الحمراء، وحبات من التوت الأزرق، وشرائح من الكيوي الأخضر والمشمش الذهبي مرتبة حسب ألوان الطيف. بإضافة بعض الاطباق الجانبية الخفيفة التي أعرف أنها تحبها، إلى جانب كأسين من عصير الفواكه. أحبت المفاجأة كثيرًا، اعطيتها قطعة من الفطيرة واستمتعت بها، بالنسبة لي فرحتها وابتسامتها كانتا فطوري وما أشبعني وساعدني على عيش هذا اليوم ايضًا.
اليوم السابع: مخادع، أُخروي، سكاكر.
يحاول الرجل الشرير إغراء الطفلة بالسكاكر لترافقه إلى مخبئه. تأبى الطفلة ويأبى الرجل، كلاهما مصر على كلامه. كان حوارهما كالتالي: "يا صغيرة، أنظري لما بيدي، السكاكر التي تحبينها صحيح؟ إن أتيت معي فسأعطيكِ الكثير منها". لمعت عيناها وهي تنظر إليها، كادت أن تقع في الفخ لكنها تذكرت تحذيرات والدتها بشأن التحدث مع الغرباء وأخذ الأشياء منهم، خاصةً الحلوى. رفضت قائلة "ماما قالت ألا أتبع الأشخاص الذين لا أعرفهم".
رد عليها: "تعالي معي وسأعطيكِ لعبة ايضًا"
= "بابا سيحضر لي لعبة اليوم".
-"لدي الكثير من الألعاب، أكثر مما يستطيع والدكِ توفيره"
=أومأت بالنفي وقالت: "أحب الألعاب التي يحضرها بابا أكثر"
عندها، ظهر من العالم الاخر كائنان غيبيان، شيطان أخر للطفلة، يوسوس بأذنها ويحثها على أخذ الحلوى والألعاب. وملاك أخر للرجل، يحثه على فعل الصواب وعدم إيذاء الطفلة.
الشيطان: "خذي الحلوى، إنها لذيذة. ماما لن تعلم بالأمر ولن تعاقبك"
الملاك: "إنها طفلة، ما الذي ستستفيده من إفساد حياتها؟"
توالت الوساوس والهواجس على بطلينا، وكأنها منافسة بين المخلوقين لمن يؤثر بضحيته اولًا ويغير الموقف حسب اهوائه. أحتار الأنسيين بين الرغبة والواجب، الحلوى شهية لكنه غريب، والطفلة تباع بثمن باهظ لكن هذه جريمة. بعد فترة من الوقت، اتت اللحظة التي حاولا فيها النطق بقرارهما، لكن قبل أن يتمكنا من ذلك صرخ المخرج: أقطع المشهد!
اليوم الثامن: صوت الصمت، تثاقل، تقي.
قرر راهب بوذي قديم ممارسة التأمل والاختلاء بنفسه لعدة أيام من أجل تطهير روحه. ذهب إلى غرفة خالية في المعبد الذي يعمل فيه، أعدت خصيصًا لهذا الغرض. بها باب كبير مفتوح يطل على حديقة واسعة صنعتها وربتها الأم المُسماة بالطبيعة، تربع أمامه وأغمض عينيه بينما يستمع إلى صوت النسيم يعبر بين النباتات ويصافحها لتغني فرحًا بقدومه. وعلى الجانب الاخر يدرك الصمت حيث صام الجميع عن الكلام عندما علموا بقراره، خاصة أفكاره. سيطر الهدوء على المكان، وأخذ بيد المعبد والغابة من حوله إلى منطقة جديدة من السكون لم يألفها أحد بعد. لا صوت يُسمع حتى أن الصمت بذاته كتم نَفَسَه كي لا يُعرف. غاص الراهب في أعماق ذاته حيث تكمن كل شروره وسيئاته محاولًا التفكر فيها والبحث عن طريقة لتقبلها وتصحيحها. التقى بالكثير من الشخصيات التي كان عليها مذ بدأ حياته حتى اليوم، سألهم عما يجب عليه فعله، وعن هويته الحقيقية، اتفقوا كلهم على إجابة واحدة كانت غامضة للغاية بالنسبة له، الا وهي: "أنت وحدك من يعلم". تعمق أكثر حتى وصل إلى حديقة حيوانات تعج بالمخلوقات الغريبة التي لم يرى مثلها حتى في قصص الاساطير والمعجزات. فتح عينيه بعدها بثوان... أدرك حينها انه قد استغرق بغفوة طويلة اثناء جلوسه، وبدأ يحلم، والان هو يشعر بثقل وخدر في قدميه ولا يستطيع النهوض.
اليوم التاسع: أمل، واضح، بصق.
أعيش لوحدي في غرفة فارغة إلا من سرير وطاولة أرضية، وهي بيضاء بالكامل، بياض شديد وواضح لدرجة انه قد أعمى عيناي وبصيرتي، فلم أعد أميز الأثاث من الحائط. لا أذكر متى ولم اقتدت إلى هنا بواسطتهم، لا أعرف كم دقيقة مضت منذ ذلك الوقت، هل حل الليل في الخارج يا ترى؟ لأن الشمس لا تغرب هنا ابدًا. هم ايضًا لا يبتعدون، يحدقون بي عبر النافذة الكبيرة المعتمة بينما أغرق في العالم الذي صنعوه لي، ويصدرون لي الأوامر عبر سماعة صغيرة. حتى عندما أغلق جفني لا أرى سوى البياض. أصبحت ابحث عن أمل بالخروج من هنا بداخل السواد الذي يحيطني عندما أتكور على نفسي، لكني لا أجده مهما حاولت. إلى أن بدأ البياض يتسلل إلى عقلي ويطمس ذكرياتي لتتحول إلى صور أحادية اللون مثل هذه الغرفة تمامًا. سئمت ما يحدث! سأصنع الأمل الذي فقدته بنفسي. كسرت الزجاج بمرفقي في لحظة غضب، أخذت قطعة منه وانقضضت عليهم واحدًا تلو الأخر بالطعنات في اعناقهم وبطونهم، ومع كل جثة ينكسر سلاحي فأتناول غيره لأقتل أيًا كان الذي يحاول ايقافي حتى انتهيت منهم كلهم. ما زلت أتذكر شكل الشخص الذي أحضرني إلى هنا، كان ميتًا بالطبع. اتجهت إلى جثته لأفرغ ما تبقى من غضبي بها، هدأت... ثم بصقت على وجهه كل الحقد الذي أكنه له.
اليوم العاشر: وضع بديل، مختبر، تشريع.
-"لكنه في خطر يا سيدي، اليس علينا تبديل وضعه؟"
="لا، إنه مفتاح نجاح تجربتنا"
-"لكنه ابنك!"
="ومن يهتم؟"
كانت هذه اخر محادثة بين أحد العلماء ورئيسه قبل أن يقتلا مع بقية أعضاء فريقهما. قبل عدة أيام اقتادت مجموعة من الرجال صبيًا في بداية سنوات المراهقة بأمر من رئيسهم كي يجروا عليه تجربة ما، هدفها اثبات إمكانية التحكم بالبشر وجعلهم كالدمى بيد رئيس المختبر أو أيًا كان من يتعاون معه. تكونت التجربة من عدة خطوات أولها سلب إرادة الضحية وعقلها من خلال حجزها في غرفة بيضاء بالكامل لعدة أيام، وهذا ما حدث للصبي. أراد العلماء اثبات نظريتهم وتشريعها في كافة انحاء الدولة كي تُستخدم ضد أسرى الحروب وغيرهم من المستضعفين أو المجرمين الخطرين، على عكس رئيسهم الذي كان يطمع بالمال والجاه اللذان سينالهما. جرت الرياح كما تهوى سفنهم في البداية، فقد الفتى كل امله ولم يعد يقاوم او حتى ينبس بأي كلمة، فرحوا بنجاحهم، ولم ينتبهوا إلى كونه طفلًا بريئًا لا يدرك حتى ما يجري حوله، عدا شخص واحد وقف إلى جانبه وحاول مساعدته لكنهم أقوى وأكثر عددا. مرت الأيام وقرروا الانتقال إلى الخطوة الثانية من التجربة التي تتضمن استخدام نوع من المخدرات، وافق الرئيس فور سماع هذا الاقتراح، لكن ما حدث في اللحظة التالية هو أن الصبي ثار وحطم الزجاج.
اليوم
الحادي عشر: قصة توضح كيفية تعارف والديك لكن في العصر الفيكتوري.
"كانا
مقدران لبعضهما" هكذا قال الجميع ليلة زفافهما.
كلا
والدي من نفس العائلة النبيلة الحاكمة، التي انقسمت لقسمين وكل منهما صنع له مملكة
خاصة، تتوافق جيدًا مع الاخرى، وبالصدفة السعيدة كلاهما كانا من الجيل الحاكم
الثاني ومتقاربين في العمر. يعرفهما الجميع بأخلاقهما وانجازاتهما كفردين من
المجتمع العامي وليس المجتمع المخملي فقط. أمي مشهورة بفساتينها الطويلة الواسعة
وحيدة اللون، كانت تسير في النهار حاملة مظلتها لتحكي القصص لأطفال القرية وتعلمهم
كل ما تعرفه. وأبي مشهور بقبعته ومعطفه اللذان لا ينزلان إلا احترامًا لنساء
المدينة، اللاتي تُداوى جروحهن وآلامهن بنظرة واحدة منه، عُرف بعلاجه للمرضى من
الفقراء والمعدمين دون مقابل. بحكم القرابة بينهما كانا يلتقيان كثيرًا في القصور
الملكية، اقتربا من بعضهما بشكل تدريجي بعد عدة دفعات من بنات العمومة والامهات،
لكن في حدود الآداب المتبعة في ذاك الوقت، ثم بدأ باللقاء خارج التجمعات العائلية
في شوارع المدينة، مرة في العلن والأخرى في السر، وبقية النظرات تكون بدون تخطيط
منهما. واخيرًا... بعد سنتين من هذا وذاك والكثير من الشائعات، تمت الخطبة وتأخر
عنها الزفاف بعدة أشهر. كان زفافًا ضخمًا وكبيرًا، حضره كل سكان المملكتين بل وحتى
بعض رؤساء الممالك الأخرى. تهامس الجميع بشأن قربهما من بعضهما والحب الذي يظهر
بشكل براق في عينيهما، حتى قيل إنهما قد عاشا ألف سنة من العشق.
اليوم
الثاني عشر: ضحك عالي، مالك، طريق التسليم.
أنا
أحمد، أعمل كمندوب توصيل للأغراض في مدينتي. تلقيت طلبًا ذات مرة لتوصيل هدية إلى أحدهم
فقبلته. ذهبت الى منزل مالك الهدية بعد ان أرسل لي موقعه عبر خدمة الجي بي إس،
وتلقيتها منه مع سعر التوصيل. طلبت منه أن يرسل لي رقم المهدى إليه واخبرته أني
ذاهب لتسليمها فور إرساله لموقعه، ففعل في نفس اللحظة. لكنه لم يعطني رقم المهدى
وإنما موقعه مباشرة، لم اهتم لذلك في البداية وانطلقت بسيارتي حسب تعليمات الجهاز،
لكن الشك قد زارني عندما اكتشفت أن طريق التسليم طويل ويعبر خلال أروقة ضيقة لم اعلم
حتى أنها موجودة. شعرت انه قد تم استغلالي وأن ما معي ما هي إلا حزمة مخدرات او أسلحة
سأُعتقل بسببها، واتعفن في السجن لعدة سنين اخرج بعدها لأجد امي قد وافتها المنية
بسبب قلقها وحزنها علي. اردت التوقف واعادتها او تسليمها للشرطة، لكن حس المغامر
الفضولي بداخلي يعرف كيف يقوم بعمله، استمررت بالقيادة عبر كل طرق المدينة، مررت
بجميع المنازل والحدائق والازقة لكني لم أصل بعد... تبقى لي القليل لأنفجر وارمي
العلبة في الشارع، لكني صبرت وناضلت حتى وصلت إلى نفس المنزل الذي تلقيت الهدية
منه، وقابلت نفس الشخص الذي أراد ارسالها. قال إنه يريد تجربة شعور تلقي هدية من
مجهول، ضحكنا سويًا بصوت عالٍ ثم رميتها في وجهه ورحلت.
اليوم
الثالث عشر: وفاء، زعيم، رابط معروف.
نحن
أعضاء الياكوزا لدينا رابط وثيق ومعروف بيننا وبين زعيمنا الذي نعتبره كوالدنا
ويعتبرنا كأبنائه. ارسلني مرة مع اتباعي لنقوم بواجبنا في تفقد أهل الحي خاصة
العجائز والامهات الوحيدات العاملات، ونساعدهم إن احتاجوا لأي شيء. مضى اليوم على
ما يرام كما هو متوقع، لكنه كان متعبًا نوعًا ما فقد عملنا كثيرًا، سرنا عائدين
إلى مقرنا لكن خلال هذا رأيت شيئًا ما اثار اهتمامي فأمرت رجالي بالعودة بدوني
وذهبت لأتفقد ما يحدث... حينها أدركت أني لم افي بوعودي وخالفت مبادئي وتعليمات
والدي، وقمت بشيء لا يمكنني التراجع عنه، لكني لم أستطع التوقف... تغيرت تصرفاتي
مع الجميع بشكل ملحوظ، لكن لا أحد عرف السبب عدا الزعيم، استدعاني إلى غرفته وطلب
مني أن اشرح له الامر، انكرت في البداية وقلت أني بخير، لكنه أصر وحاصرني بمواعظه
حتى انفجرت باكيًا... سقطت على ركبتاي واعترفت بكل ما فعلته وكيف بدأ الامر، رجوته
السماح وبينما غرقت في افكاري وندمي، لم تصل لاذناي أي كلمة منه وحسمت أمري
بالتوقف عن ذلك الفعل المشين، قررت قطع خنصري ثم الخروج من العصابة كي لا الوث
سمعتها أكثر. أخرجت سكيني الغالية، إنها هدية من والدي، اخذت نفسًا عميقًا ولوحت
بها الى الأسفل مستهدفًا إصبعي. تناثرت الدماء على الأرض ومعها قطعة لحم لا تشبهني،
ولم تتشارك معي خطيئتي، كان إصبع والدي...
اليوم
الرابع عشر: لون دمها كان اخر اهتماماتي.
بصفتي
مصاص الدماء الأقوى في المنطقة والجميع تحت سيطرتي، فبالطبع لدي اعداء كثر يحاولون
قتلي. لم أكن اهتم لهم من قبل أن اقابل تلك الجميلة، رأيتها لأول مرة في أحد
المقاهي، من الواضح اننا انجذبنا إلى بعضنا من اول نظرة. مرة تلاحقني ومرة
الاحقها، حتى تحدثنا إلى بعضنا... وكانت من أروع الفتيات اللاتي قابلتهن في حياتي
الطويلة المليئة بالمغامرات. تواعدنا لبضعة أشهر سحرتني خلالها بالكامل، كنت اتتبع
اخبارها كالمجنون عندما تختفي عني، غرقت وحفظت كل تفاصيلها صغيرها وكبيرها، نسيت
كل مهامي وواجباتي كرئيس للمنطقة لكن في المقابل كنت حذرًا من خطط وهجمات اعدائي
المفاجئة، فلا أريد أن اموت قبل ان املكها، الغريب أني لم اتعرض لأي محاولة اغتيال
طوال تلك الفترة، وكأن اعدائي قد اختفوا بالكامل... ومن يهتم؟ لدي تلك الاميرة.
اخبرتني يومًا ألقيت فيه كل دفاعاتي أن باستطاعتي تقبيلها اخيرًا، او حتى شرب دمها،
لم اصدق ما سمعت، طلبتها أن تعيد الجملة كي اتأكد، قالت إنها خجلة وتريد ان نفعل
هذا في غرفتي بعيدًا عن الانظار. ذهبنا إلى قصري، قالت انها ستسمح لي بفعل ما هو أكثر
من قبلة إن فعلت كل ما تأمرني به، سمعتُ واطعت، سلمتها كل المفاتيح وجميع املاكي.
حانت اللحظة... عضضت عنقها، انساب دمها البنفسجي بداخل فمي لكن لونه كان اخر
اهتماماتي، لأنه سبب نهايتي.
اليوم
الخامس عشر: مرميديون، روليت، منظار اوبرا يستخدم كسلاح.
تلقيت
عرضًا مغريًا كي أتخلص من ديوني الكبيرة الناتجة عن لعب القمار المتواصل، ألا وهو
لعبة اخيرة إن فزت فيها سيسقط عني كل شيء. قبلت دون أن أعلم أني متجه إلى موتي...
المكان كان صالة اوبرا لم أحلم بدخولها في حياتي، جدرانها ذهبية لامعة، وكراسيها
حمراء عريضة، والصالة أوسع من الحديقة التي اراها من نافذة شقتي واهرب إليها كلما
اختنقت من دخان افكاري. حتى أن الحيطان تحوي مخابئ بها مقاعد اخرى! لم تمر فترة
بسيطة من جلوسي إلا وازدحم المكان بالأشخاص، اعتلى المسرح رجل كبير في السن، فهمت
من خطبته الطويلة أننا جميعنا مثقلين بالديون وجُمعنا لنسددها بحياتنا، ظهر بجانبه
روليت ضخم عليه صور لعدة أشياء منها ما هو معروف ومنها ما هو غريب عليّ. اللعبة
كانت كالتالي: خمسة أشخاص مختارين سيتقدمون إلى الامام لتوقع نتيجة الروليت، سهل
للغاية، أو هكذا ظننت في البداية. ادلوا بإجاباتهم لكن فقط واحد منهم كان على صواب،
النتيجة كانت منظار اوبرا كما سماه العجوز. سلمه له مساعده فأطلق الليزر منه على
الرجال الذين فشلوا في الاختيار... أردت الهرب لكن لا مفر، الحراس على الأبواب، وقد
حان دوري. انطلقت نحو المسرح يقتادني خوفي ورجل ببذلة سوداء، رفعت إصبعي المرتجف
واخترت بعشوائية، لسوء حظي لم أكن بطل المسلسل، النتيجة كانت اشباحًا من المرامدة
دهسوني تحت رماحهم.
اليوم
السادس عشر: شرائط، قفص، بتلات زهور.
لدي
عصفورة صفراء في غرفتي، احضرتها لي ماما وقالت انها ستؤنسني بغنائها العذب عندما تغيب
ماما لأجل العمل، لكنها لم تفعل... بل بدت السيدة عصفورة حزينة للغاية، لذا انتظرت
حتى تنشغل ليلي كي اخرجها من قفصها الذهبي. فتحت الباب وسحبتها منه، اخذت امسح على
ريشها كما افعل لقطتي كاتي، فابتسمت. اردت اسعاد السيدة عصفورة أكثر، فزينت رأسها بشريط
أزرق سحبته من شعري، أنا سعيدة أصبحت السيدة عصفورة أجمل. لكن السيدة عصفورة لا
تملك جناحين، رأيت في قصة ليلي أن العصافير تطير في كل مكان، لم لا تطير السيدة
عصفورة لأجلي؟ لاحظت ان بيتها فارغ وموحش، فقررت تزيينه، خرجت إلى حديقة المنزل
وتركت السيدة عصفورة على أرضية غرفتي، اخذت ابحث عن ورود برائحة جميلة ووجدت
زهورًا حمراء. قطفت الكثـــيــــــر منها، سأعطي ماما واحدة، وليلي واحدة، والسيدة
عصفورة وبالطبع كاتي ايضًا. قطعت الأوراق الحمراء من الزهور ونثرتها في منزل
السيدة عصفورة، لقد احبتها! ونامت عليها. فرحت ليلي بالزهرة ولم تعاقبني، ماما
ايضاً احبتها، لكن كاتي قامت بأكلها. في اليوم التالي، تسللت لألعب مع السيدة
عصفورة مجدداً، زينتها بشريط أحمر، ورقصنا معًا، راقبتني وأنا ارسم، لكنها ما زالت
لم تغني... أخبرت ماما فقالت إنها ستحضر لي عصفورًا اخر، لكني لا أريد، أحب السيدة
عصفورة. لكنها لم تلعب معي في اليوم التالي لأنها نامت.
اليوم
السابع عشر: صرة، عزيز...، حاوية.
إلى
العزيز إيان... حبيبي السابق.
أتذكر
صرة مالك الثمينة التي تخبئها تحت تربة حوض نبات الزينة؟ لقد اخذتها، صرفت بعضها
ورميت الباقي في حاوية القمامة الموجودة خارج شقتك. كطلب أخير قبل أن اغادر، أرجو
ان تطلب من حبيبتك الجديدة ان تعطيك راتبها بكل صراحة بدل ان تسرقه منها كما فعلت
لي! كن رجلًا لمرة واحدة على الأقل. ال... رأيت متشردًا يأخذ مالك بينما
اكتب هذه الرسالة، يا للأسف. لن تستطيع استعادته بعد الان. توقفت ماري عن اكمال
الملاحظة كي تضحك بصوت عالٍ على ما رأته، أفسد مزاجها ما تذكرته من معاملة حبيبها
السيئة لها قبل أن تكتشف خيانته وتقرر ان الوقت قد حان لتنفصل عنه، لكنها قررت
عقابه قبل هذا كيلا يكرر فعلته مع أي فتاة غيرها. كانت تعلم انه يخبئ مبلغًا من
المال في مكان ما، فكان عقابه هو ان يفقد ماله الذي يحبه كثيرًا كما تحبه، أو كما
كانت تحبه. كتبت له كلمة أخيرة لا أستطيع ذكرها اتقاء افساد الأطفال الذين قد
يقرؤون هذه القصة تبدأ باللعنة وتنتهي بعليك. ختمت ماري الملاحظة باسمها، وتركتها
على الطاولة التي تقع في منتصف شقة إيان، صبت غضبها على الأثاث ودمرته، صرخت بكل
صوتها وضربت الأرض بقدميها والدموع تغزو عينيها في مشهد انهيار مقتبس من الدراما
التي شاهدتها مؤخرًا. يا رفاق، لقد نفدت افكاري، هل يمكنني التوقف؟
اليوم
الثامن عشر: بلطجي، موهبة، مضخة.
استيقظ
صباحًا على صراخ القائد واصوات استعدادات الجنود لإكمال السير عبر الغابة بغية
الذهاب إلى موقع القتال. ما زالت لا اعلم لم عليّ الاستيقاظ على هذا الازعاج وأنا
لست جنديًا حتى! أعمل كبلطجي، أي أقطع الأشجار لتسهيل سير الجيش في الطريق. اكتشفت
أن لدي موهبة في هذا، وبدأت استغل وقت فراغي الطويل في إيجاد طرق جديدة ومبتكرة
للقيام بعملي، منها ما هو مضحك أُعاقب عليه لكن يهون عليّ ابتسامات الجنود الصغيرة
خلف جدار القسوة الذي يظهرونه للقادة، ومنها ما هو بلا جدوى ولا ينفع إلا في زيادة
تعبي وتعطيلنا عن التقدم. أفضل طريقة ابتكرتها حتى الان هي صنع مضخة مياه تقوم عند
تشغيلها بإزالة كافة العقبات، سواء كانت اشجارًا أم حيوانات أو حتى بشر. استمررت
بتطوير المضخة التي صنعتها بنفسي وزدت قوة ضغط المياه فيها حتى أصبحت لا تُقهر،
سهلت علينا الكثير من المشقة والشكر لي طبعًا. بقيت أشهرًا أنتظر المكافأت
والتكريم لكن لم اتلقى أي شيء، راتبي كما هو منذ اُستدعيت للعمل هنا، ما زاد فلسًا
واحدًا. يبدو أنه قد حان الوقت لأكون وقحًا، رفعت خطابًا للرئيس بكامل معلوماتي
وجهودي غير المقدرة وطلبت تعويضًا بلهجة مؤدبة، فأنا أحتاج إلى وظيفتي هذه. قلت في
نفسي أن شكواي لن تستغرق اسبوعًا. هل تغير شيء؟ هل حصلت على مبتغاي؟ الإجابة هي
لا.
اليوم
التاسع عشر: ملون فخار، حظيرة، رسالة غريبة.
من
أجل إعالة والدي واخوتي السبعة، أعمل كراعٍ للخراف بالإضافة إلى صانع فخاريات. توفيت
والدتي قبل بضعة سنين، ووالدي لا يقوى على العمل، فأصبحت أنا من يهتم بالمنزل والحظيرة
معًا. أقوم في كل صباح بعد اعداد الفطور للصغار بإخراج الخراف لترعى من الأرض، ثم
اعيدها عند الظهيرة واعدها لتُشترى وتباع، بعدها أجهز الطين والحطب كي ابدأ بعملي
الثاني وسط الحظيرة لأن والدي لا يتحمل رائحة الخشب المحروق. الشغل مرهق لكن به
بعض الأجزاء الممتعة مثل تلوين الآنية الوحيدة الناجحة من بين عشرة تجارب فاشلة. أحب
كثيرًا رسم الاشكال وخلط الألوان. فتارة ارسم والدي، وتارة اخرى ارسم اخوتي، وبعض الأحيان
ارسم مناظر من الطبيعة رأيتها في طريقي من وإلى حظيرتنا. أحد الأيام اكتشفت ان
احدى فراشيّ قد ضاعت، لم أهتم بهذا الامر كثيرًا فهي ليست غالية الثمن على اية حال.
جلست في الحظيرة لأعيد تلوين واحدة من اعمالي القديمة، استخدمت فرشاة أخرى وبضعة
من اصابعي، بقيت الون حتى ملت الشمس واقترب موعد رحيلها، حينها اقترب مني أحد
الخراف وأرشدني إلى بقعة من الأرض خُط عليها بحبر اسود ما بدا ككلمة واحدة متصلة
الاحرف ومجهولة المعنى، بلغة لا تشبه لغات البشر المعروفة في هذا الوقت... كانت
رسالة غريبة، رسالة تحذرني من كارثة ستقع مستقبلًا! رسالة من خروف سرق فرشاتي
واستعملها كلعبة جديدة...
اليوم
العشرين: ملمس المخمل، مفتاح صدئ، ساعة مكسورة.
كل
ما ورثه من جدتي كان صندوقًا متوسط الحجم، بني اللون، خشبي الهيكل. له مفتاح صدئ ثُبت
على جانبه الأيمن، أدرته كما عُلمت العقارب أن تتحرك، فأصدر نغمات موسيقية تشبه
ملمس المخمل داخل أذني، تشبه مسحة من يد جدتي تُذهب حزني عني. فُتح وإذا به ساعة
جيب دائرية الشكل، ذهبية اللون، قديمة العمر، مكسورة التروس لا تقوى على العمل، وضعت
بحذر في قالب من المخمل عنابي اللون صُنع خصيصًا لأجلها. تساءلت لم قد تعطيني جدتي
هذا... حملت الساعة بيدي، أستطيع الشعور بنبضاتها لكنها لا تتحرك، هل هي حزينة
لخسارة مالكها؟ أنهينا مراسم الجنازة لكنها لم تحضر، فكيف علمت؟ سألت والدتي عنها
فقالت إنها ساعة جدي التي انتقلت منه إلى جدتي، ومنها إليّ. فقدت اثنين من
مالكيها، لهذا بها شقين، هل سأكون التالي؟ سألتها. أجاب الصندوق بصوتين مختلفين، صوت
جدتي وصوت ذكر لم أميزه قائلًا نعم. دب الرعب في قلبي، زارتني ذكرى لجدتي عندما
اخبرتني إنها لم تكن تشعر بالوحدة في منزلها لأن صوت جدي يؤنسها، ظننتها تهلوس
لشدة اشتياقها وكبر سنها، لكني أدركت الان صحة كلامها. بينما كنت أفكر في طريقة
لفك اللعنة قاطعني صوت والدتي وهي تتساءل عمّا في يدي. هل نسيتِ ساعة جدتي بهذه السرعة؟
"ما الذي تقوله؟، جدتك ماتت قبل ولادتك ولم تورثنا أي شيء" بهذا اجابت.
اليوم
الحادي والعشرون: بحيرة مقمرة، شمعة وامضة، نمش كالندوب.
اطفئت
الشمعة الوحيدة التي تومض منيرة زاويتي الخاصة من الغابة، لا أعلم كيف سأقضي ليلة
الغد. هل سيقبل بائع الكبريت المتجول بإعطائي علبة أخرى؟، أم ستدعوني عائلة لطيفة
إلى عشاء دافئ في منزلهم الكبير؟ أغرق في خيالاتي بينما أسير عبر الظلام في طريق
طويل حتى أبلغ البحيرة. بحيرة متوسطة الحجم، سمعت عنها العديد من التحذيرات والأساطير
المخيفة من ربات البيوت ومعلمة الصف. جلست على ضفتها أراقب انعكاس البدر المهتز
على سطح الماء، إنه دائري وابيض جميل. على عكسي أنا قبيحة المنظر ممتلئة بالنمش،
ندوب لا يمكن الشفاء منها تغزو وجهي حتى تلتهمه في يومٍ ما. أتمنى لو استطاعت تلك
الشمعة أن تدفئ قلبي الضائع الذي يغوص في العتمة وتدله للسبيل. محاصرة بالذكريات
الأليمة والتخيلات المضنية عن تشردي وعيشي لوحدي في أعماق الغابة حيث الدواب تتربص
بي، وكره أطفال المدينة وكبارها لي دون أن أنسى محاولاتهم العديدة بتجنبي وتجاهل
وجودي كشخص بينهم لي عليهم مثل ما عليّ لهم، ألقيت بجسدي النحيل في البحيرة، باغية
التخلص منه ومن نمشه ولعنته، لم أقاوم حركة الأمواج والحوت الذي يسحبني لأجالس
اطفاله، سلمت نفسي للموت ووعدته بأني سأكون فتاة مهذبة ولن أكثر الاسئلة بخصوص عمله.
انتهى الأمر. لم تنتشل جثتي إلا بعد أربعة أيام، وأقيمت جنازتي عكس ما تخيلت فلم يتكبد
أحد عناء سؤالي عنها.
اليوم
الثاني والعشرون: فعلتَها، عد، لا هوادة فيه.
خرجت
ليلًا لأساعد صديقي العداء في تدريبه الإضافي غير المطلوب منه. امتعتي كانت عبارة
عن زي رياضي ارتديه بالفعل، وساعة توقيت، وقارورتي مياه واحدة لي والأخرى للاحتياط.
أمجد، صديقي المقرب منذ المرحلة الابتدائية يهدف لأن يصبح أسرع عداء في المدينة،
اُعجبت بتصميمه ومحاولاته الجادة فلم أستطع شيئًا سوى مساعدته كلما طلبني، سواء في
المدرسة او خارجها. تقابلنا في المكان المتفق عليه، الممشى الطويل المهجور، قلت
مهجور لأن لا أحد فيه سوانا الان، لكنه يصبح مكتظًا في الصباح. تدريب اليوم هو اجتياز
مسافة معينة في وقت قصير، سيدور أمجد حول الممشى بينما أحسب له الوقت، في الواقع
انا أحب التظاهر بكوني مدربًا له وسؤاله عما إذا كان قد شرب كمية كافية من المياه
وإذا أكل جيدًا، واذكره بأن يرتاح بعد التدريب ولا يرهق نفسه، أما أكثر ما احبه فهي
ابتسامته عندما أخبره انه قام بعمل رائع، فعلت هذا اليوم ايضًا، للمرة الثانية. بدأت
الساعة بالعد تنازليًا، أرى أمجد يطوي الأرض ركضًا، ركضًا لا هوادة فيه، يسابق
الرياح سبقا. انتهى الوقت لكنه لم يعد، فشل في محاولته الأولى، وفشل في الثانية،
وفي الثالثة... فشل ايضًا. لا أذكر أي محاولة كانت هذه لكن عند قرب نهايتها، بينما
كنت أخبر الشرطي بأننا سنعود لمنازلنا قريبًا... عاد أمجد منتصرًا! قبل انتهاء
الوقت بدقيقة. صرخت "فعلتَها!!".
اليوم
الثالث والعشرون: مفقود، تسوق، حمى.
"إنها
تتسوق رغم أن ابنها مفقود، يا لها من مجنونة." هكذا قيل عن السيدة بلوم التي
فقدت ابنها قبل ثلاثة أيام، وشوهدت في السوق المركزي تتسوق بعض الكماليات. لأخبرنكم
عنها قليلًا، تعيش عائلة بلوم المكونة من أم وابن في الثالثة والعشرين في منزل
صغير مكتظ بالحاجيات التي تشتريها الأم دون أن تشعر. فهي مصابة بحمى التسوق. حاول
الابن علاجها بكافة الطرق المجربة والحديثة، لكنها إما تفشل أو تُرفض من قبلها، فتخرج
بلوم للتسوق دون علم ابنها حتى امتلأ المنزل بالأغراض. مرت الأيام واختفى الابن، لم تتحمل السيدة بلوم
البقاء في المنزل لوقت طويل وانتظار عودته أو قدوم الشرطي بأخبار جيدة، فخرجت
لتقوم بهوايتها المفضلة كي تهدئ من توترها. عندها توالت وتكاثرت الشائعات من
الرجال والنساء الذين يعيشون في هذا الحي. الكل مصدوم من تغيرها، كانت امرأة يُضرب
بها المثل في شخصيتها وقوتها، واهتمامها بابنها لوحدها، لكن شيئًا ما تغير وجعلها
مهووسة. هذا كل ما توصلت إليه تحقيقات الشرطة، لا أحد يعرف السبب ولا توجد ادلة
على هذا غير حديث الناس وذكرياتهم. اُقفلت القضية بعدما تم إيجاد جثة الأبن في
متجر مهجور، وتم العثور على جثة الأم بعد ذلك بيوم، تحت كومة من الأغراض التي
أحبتها وجمعتها رغمًا عن نفسها، عندما شم الشرطي التي ذهب لإبلاغها رائحة كريهة
تصدر من منزلها.
اليوم
الرابع والعشرون: نبات أحمر، اسطورة، منظار ليلي.
تحكي
أحدث اساطير الغابة عن نبات ذا أوراق حمراء قاتمة، تصطف في خط طويل ومن يتبعها يصل
إلى حيث النصر والقوة. حدث وأن سمعت هذه الأسطورة وجذبتني على عكس البقية لأكتشف
حقيقتها. سرت ليلًا أطوي الأرض حتى الأعماق، اقتربت من حدود المنطقة المحظور علينا
نحن الصغار تجاوزها، قيل إن خلفها البحر ومخلوقات أخرى مرعبة، لذا لا يسمح لأحد
سوى الكبار بدخولها. لأحكي لكم القصة منذ البداية، أنا شخص عادي مثلكم تمامًا،
لرغبتي في اكتشاف مغامرة جديدة تسللت إلى هذه الجزيرة المعزولة وبطريقة ما، لم اُكتشف
وأصبحت واحدًا منهم. توقف الزمن هنا فلا أجهزة حديثة ولا تقنية، كل هذا بالنسبة
لهم كفر. ينبذون كل مظاهر التطور والزوار الأجانب، لهذا قاموا بوضع حدود تمنع
الصغار من الذهاب إلى البحر، وتبيح ذلك للكبار كي يتخلصوا من أي شيء يخالف
معتقداتهم. تأقلمت بالكامل مع الحياة هنا، لم أحاول تطوير أي شيء، وكلما كان الأمر
متعبًا كنت أقوم به دون تذمر بكافة خطواته. كونت العديد من الصداقات، وتعلمت لغتهم
وديانتهم. لم أعد أريد العودة إلى دياري حتى. أنا الان أقضي ايامي في برميل يطفو
على سطح البحر انتظر أي زائر جديد كي أحذره من الدخول، لئلا يصبح مصيره كالجثة
التي وجدتها. النبات الأحمر كان دماءً جافة، والنصر هو جثة مبقورة البطن بجانبها
منظار ليلي مكسور.
اليوم
الخامس والعشرون: لا أحد طبيعي جدًا لوكالتنا.
اليوم
السادس والعشرون: طباعة، قمار، سلحفاة.
وكالة
السلحفاة، لا أحد يستطيع تذكر اسمها الحقيقي حتى موظفيها. اكتسبت شهرتها من شعارها
الذي هو عبارة عن سلحفاة خضراء بلا ملامح، فأصبحت تُسمى به. لا يُعرف ما إذا كانت
غاضبة أو حزينة لأن لا أحد يعرف اسمها، ولست متأكدًا من كونها سلحفاة اصلًا لكثرة
ما رأيتها اثناء قيامي بعملي فتشوشت نظرتي لها. وكالتنا باختصار متخصصة في أدوات ومستلزمات
القمار، خاصة الأقراص الملونة التي تُستخدم خلال اللعب كإشارة للمال الحقيقي الذي
احيانًا كثيرة قد لا يكون موجودًا فعلًا لدى اللاعبين وإنما كذبة تشارك في صنعها
الإدمان والجنون. كما كنت أقول... أعتذر منكم لدي عادة بتغيير موضوع المحادثة كلما
سنحت لي الفرصة، وكالة السلحفاة المشهورة التي اعمل بها تقوم بإنتاج مستلزمات
القمار الخاصة بها وتطبع عليها شعارها الخالي من الحياة لتُعرف وتُميز من غيرها.
احيانًا نقوم بصنع نسخ خاصة تستخدم في الكازينو الخاص بنا حصرًا، والذي ترددت عليه
مرات كثيرة لأستمتع بمشاهدة صراع البشر مع بعضهم ضد الكائن المبجل المسمى بالمال،
وأرى بعيني طريقته في تغييرهم وتسييرهم حسب ما يريد، رغم انهم من صنعوه بأنفسهم. لأوضح
أكثر بشأن حقيقة وكالة السلحفاة، الأشخاص الذين اراهم يلهون في الكازينو ليلًا، هم
نفسهم الذين يصطفون ليعملوا معي صباحًا، لكن الجميع ينكر حقيقة تواجده هناك، وحتى
لو تقابلنا فإننا ننسى ذلك حينما تشرق الشمس. ما سأقوله من الان فصاعدا هو سر
محفوظ بين الرؤساء ولا يعلمه بقية الموظفين ولا عامة المواطنين. في الحقيقة سبعون
بالمائة من المقامرين في الكازينو الخاص هم موظفي الشركة، والباقي من الأغنياء المزيفين
الذين ينتهي بهم الامر بالعمل لدينا وتحت امرتي شخصيًا من أجل سداد ديونهم. بسبب
هذا لا نملك الكثير من الموظفين الطبيعيين، لا أحد طبيعي جدًا هنا. أولهم أنا،
المهووس بمراقبة البشر الصغار الذين لن يصلوا ابدًا لمكانتي أنا. الزميل على
اليمين هو السكير الذي ينفق معظم أمواله على الشراب سواء رافقه أحد أم لا. والزميل
على اليسار هو المخاطر مهووس القمار والذي يحرص على أن يكون رهانه هو الأكثر سواء
كان الوضع امنًا او لا. وهناك محب النساء، والأخر مهووس الألعاب، والطفل النقي الذي
يهدف إلى الاستمتاع واللعب النظيف حتى وإن خسر، ومحب الذهب، وعاشق الاقدام، والمهووسة
بالذكور الوسيمين، والثعالب المخادعة محبات الملابس الفاخرة، وهكذا دواليك، تستمر
الشخصيات الغريبة بالتكاثر كل يوم وأنا من عليه ضبطها. بصفتي اليد اليمنى
للرئيس... السر الأخير الذي أرغب بقوله هو أنني نمر متنكر في هيئة بشري، والرئيس
سلحفاة برية معمرة. انتشرت هذه القصة عبر الانترنت وأصبحت لقمة تتداول بين افواه
الناس لفترة طويلة، ونتيجة لهذا تفشيت الكثير من الإشاعات الكاذبة والنظريات المرعبة
عن وكالة السلحفاة حتى أعلنت افلاسها في النهاية واُغلقت للأبد.
اليوم
السابع والعشرون: دكتاتورية، أقلام تلوين، بطانية.
في
كل حضانة يوجد ذلك الطفل الذي يتصرف بدكتاتورية مطلقة، ويفرض نفسه وسيطرته على
باقي الأطفال بلا سبب واضح، ولا يتوقف عن ذلك حتى يقرر والديه الانتقال إلى مدينة أخرى.
في حالتي كان الطفل غو كما اعتدنا أن نسميه، أحد أبناء الطبقة المخملية وهذا ما عزز
غروره وجعله يصبح أقسى حكماء عصره. بدأ الخوف من أحد الأطفال المقربين منه، عندما سلبه
غو أحد أقلام التلوين الخاصة به ودفعه دون أدنى اهتمام بمشاعره وبكاءه، ثم انتقل
الخوف إلينا بالتدريج. إضافة إلى اغراضه الفاخرة التي أعطاه إياها والداه، كان غو
يحصل على أفضل الأشياء دائمًا، حتى وإن اضطر إلى سرقتها، وهذا ما يحدث اغلب الوقت.
يحصل على أفضل مكان للجلوس اثناء وقت الدرس، وأول وجبة تُقدم للغداء، ويلعب بالألعاب
التي يضع عيناه عليها دون الالتزام بالدور. كما يحصل على المكان الذي يريده وقت
الغفوة، والبطانية التي يحبها، حتى إنه كاد أن يغير فصله كي يصبح مع المعلمة التي
يفضلها لكن قوانين الحضانة لا تسمح بذلك. فرض غو سيطرته على بقية الأطفال من
الفصول الأخرى مستخدمًا جميع الحيل التي استطاع الوصول إليها بعقله الصغير، سواء
كان هذا بنفسه أو عن طريق اتباعه الذين يتقربون منه كي ينتفعوا من نفوذه، أو ليطمئنوا
على املاكهم. لم يستطع أحد إيقاف غو حتى انتقل إلى مدينة أخرى.
اليوم
الثامن والعشرون: النهاية، أخت، جاكسون.
اليوم
يكون قد مضى أسبوع بالضبط منذ انتحار صديقي جاكسون. اُكتشفت جثته فجر اليوم
التالي، قيل إنه قد انتحر في منتصف الليلة السابقة. شنق نفسه في غرفته لحزنه على
اخته الصغرى التي اُختطفت وقُتلت قبل موته بأسبوع، أي قبل أسبوعين من اليوم. الان
أنا أقضي لحظات صمت قصيرة كحداد على روحيهما أمام قبريهما المتجاورين، ثم سأضع
زهوري وأمضي... لكني لا انوي الرجوع إلى المنزل. أخت جاكسون كانت اول طفلة أقع في
حبها، مبتهجة للغاية وبشوشة الوجه، تتبعها السعادة أينما حلت وتتوزع على الأشخاص المحيطين
بها. أكاد أقسم أنها تضعها عطرًا كل صباح وتتجول لتنشر عبقه على انوف الناس، بل
وحتى الحيوانات الأليفة. كانت محبوبة من قبل الجميع، لكن... اختفت في حادث مؤسف،
لا أحد تذكر رؤيتها ذاك اليوم، قالت أمها أنها خرجت للعب لكنها لم تعد. مرت الأيام
بصعوبة بالغة، كأنها قطعة مدببة عالقة في حنجرة رضيع. حتى اتى اليوم الذي كان
بمثابة النهاية لكل هذا القلق، اليوم الذي وُجدت فيه جثتها الصغيرة في الحديقة
العامة. اكتشفها طفل في مثل عمرها، يا للمسكين... أقيمت مراسم العزاء وبكى صديقي
وعائلته كثيرًا لعدة أيام، كنت اتصنع الحزن امامهم، كان هذا صعبًا. بالحكم من
نشرات الاخبار، لم تعرف الشرطة الفاعل ودافعه بعد، ولا اظن أن أحدًا أدرك أنه كان
أنا. هل عرفت انت؟
اليوم
التاسع والعشرون: "بعد المحاولة الثالثة أصبح خبلًا".
اليوم
الثلاثين: عالم حشرات يلقى عدوه اللدود.
كنت
اتمشى في أحد صالات الألعاب متأملًا أن اقضي وقتًا هادئًا بعيدًا عن روتين حياتي
المتعب. كان الامر كذلك فعلًا في البداية، سلام ذهني وعصير بارد الذ مما يوحي به سعره،
تنساب إلى أذناي صرخات المراهقين المتحمسين المتزامنة مع موسيقى الألعاب، وهناك أرى
زوجين شابين يتغازلان... كم هما محظوظان. إضافة إلى عمري، ما زلت عالقًا في وظيفة مملة،
ولدي صديق أحمق رأيته هنا للتو في صدفة سيئة مع زوجته وعدوه اللدود يختبران حظيهما
بأحد الأجهزة المليئة بالدمى الرخيصة. لأوضح أكثر صديقي هذا هو عالم حشرات مجنون،
وانا في مقام مساعده. هو وعدوه الذي يشاركه التخصص والجنون أو ربما يتفوق عليه، يتنافسان
على جائزة علمية شهيرة وكلٌ منهما مؤمن بأنها ستكون من نصيبه، لكنهما لم يدركا بعد
أن موضوع بحثهما متشابه وإن اختلفت كلمات العناوين وبعض تفاصيل النتائج، علمت هذا
بالصدفة! عملي ليس التجسس على المنافسين! صدقوني. على أية حال، وقفت مكاني لأراقبهم،
يبدو أنهما قد تقابلا للتو وبدآ نزالًا بينهما، وهذا ليس بالأمر الجديد فدائمًا ما
تتحول لقاءاتهما إلى شجارات وقتالات لأسباب سخيفة وغير منطقية اتجاهل البحث فيها
غالبًا وانتظر بصبر حتى ينتهيا. بما أني لم أكن في المسرح منذ البداية فلن أحاول
معرفة السبب أو حل الامر، سأبقى هنا اراقب واترقب رحيلهم واستعادة يوم اجازتي
الهادئ الخالي من مشاكلهما. لم لا أغادر المكان؟ أظنني أشعر بالفضول قليلًا... أمل
الا يراني أحد منهم. ما استطعت فهمه هو أنهما يهدفان إلى دمية نادرة بشكل أرنب
وردي، لا توجد سوى واحدة منها في كل آلة. ها قد استهل النزال، في تواكب تام أدخل
كل منهما قطعة نقدية في المكان المخصص وباشرا اللعب. لم يفز أحد في المحاولة الأولى
وكل ما حصلا عليه هو دميتي دب بني. حاولا مجددًا لكن خابت المحاولة الثانية ايضًا،
التركيز في أوجّه والاعصاب مشدودة، التوتر يحوم حولهما حتى وصل ذيله إليّ. حان دور
المحاولة التالية، تعرفون ما يقال: الثالثة ثابتة، لكن هذه ثبتت على الخسارة. لشدة
توتره أصبح صديقي خَبَلًا بعد المحاولة الثالثة، أصبيت ذراعه بشد عضلي وصار
تحريكها صعبًا عليه فبدت يده وكأنها مشلولة. لم يستسلم رغم هذا وأصر على الاستمرار
حتى مع رفضهما، كدت أتدخل لولا أن اوقفني خوفي من الفضيحة. استؤنفت المباراة حتى وصلا
إلى المحاولة الخامسة التي أصيب على إثرها المنافس بشد عضلي اخر، لكن الفوز ما زال
بعيدًا وعزيمتهما لم تمت بعد. نهاية اليوم وعند وقت اغلاق الصالة بالتحديد لحظة
غروب الشمس، غادرنا جميعنا مطرودين. كُشفت افعالي واهتزت صورتي امامهما، لكن على الأقل
لم أخسر مالي واخرج محملًا بدمى محشوة يفوق عددها العشرة، لن تكون مفيدة إلا كذكرى
ملموسة من أيام الشباب المجنون.
اليوم
الحادي والثلاثون: حصان الشطرنج، سارق، مخلل.
مدفوعًا
برغبتي الكبيرة للفوز في مباراتي القادمة، جمعت الأوراق التي عملت على كتابتها
وتنقيحها لأسبوع كامل، وأحضرت عدة الشطرنج الفاخرة التي اهداني إياها جدي بمناسبة
فوزي الصعب الأول، وجلست مستحضرًا تركيزي لأعد استراتيجيات مناسبة ضد خصمي المتعِب.
شاهدت أغلب مبارياته كي أفهم أسلوب لعبه واحلله فأستطيع محاكاته، بعد أسبوع من فعل
هذا كنت قد حفظته تقريبًا، يمكنني توقع أي حركة سيستخدم في أي وقت بسهولة تامة. وهكذا
أمضيت الليالي أتدرب بينما أتناول مخلل الخيار المفضل لدي بيدي اليسرى غير
المسيطرة كي لا تتسخ قطعي الغالية على قلبي. أهملت كل شيء، صحتي ونومي، وهواياتي الأخرى
وعائلتي، لا يهم، المهم أن افوز! حتى
لاحظت أن الحصان الأبيض مفقود... ليس على جهتي من اللوحة ولا في منطقة الخصم، لا على
اليسار ولا على اليمين، ليس فوق الطاولة ولن يهرب لتحتها بالتأكيد، هل مل من كثرة
تحركه هنا وهناك فحمل الملكة ورحل؟ مهما كان السبب فلن أتمكن من التدرب بدونه،
عليّ إيجاده حالًا. تركت كرسيّ متثاقلا، على كتفيّ حمل كبير ابطأني، لأجد الحصان
في فم قطي المدلل وقد كتم أنفاسه قاتلًا إياه بعضة واحدة. كان هو السارق! حزن لأني
توقفت عن اللعب معه فأراد عقابي بهذه الطريقة، يا له من طفل مشاغب... هرب مجددًا
كأنه يعلم أني بحاجة إلى تنشيط دماء ساقيّ، مثير المتاعب.
اليوم
الثاني والثلاثون: قصة الاميرة النائمة بأسلوب الستيم بانك.
في
عالم مختلف بعيد عن هنا، بلغ من التقدم العلمي ما لم نبلغ، توجد مملكة بلا اميرة، فقرر
الحاكمان صنع آلية بشكل طفلة لتكون ابنة لهما. تم هذا بالفعل، ودُعيت سبع من
المخترعات لإضفاء لمسة من الواقعية على هذه الطفلة باستخدام خبراتهن، صنعت لها
الاولى جلدًا من المطاط الأبيض الصافي، والثانية اعطتها انبوبًا ليحسن صوتها،
والثالثة نحتت اصابعها لتصبح رقيقة طويلة، وأما الرابعة فضبطت التروس التي تتحكم
بحركة ساقيها لتصبح أكثر دقة، والخامسة رسمت لها ابتسامة عذبة، والسادسة منحتها
قلبًا مفعمًا بالحب، لكن فجأة اقتحم المكان مخترعة مجنونة، تجنبها الجميع لغرابة
ادواتها، وقالت بنبرة محذرة وصوت جهور أن الاميرة ستتوقف عن العمل قريبًا بسبب
البخار الصادر عن الآلات التي تملئ القلعة، واختفت بعدها... قلق الوالدان خاصة أن
بقية المخترعات قد صدقن على كلامها. "ما زال هناك فرصة" قالت المخترعة
السابعة. وقامت بتبطيء حركة الاميرة كي يكون ايقافها أسهل عندما تتجول، ووعدت
الملك بأنها ستجد طريقة لتطوير الآلات حتى تستغني عن البخار مهما طال الزمن بها. فرح
الملك بهذا وتفاءل خيرًا، وأمر لها بغرفة وعشر من الخدم تحت إمرتها. قضت السابعة
خمسة عشر عامًا وحيدة في غرفتها وهي تخطط وتفكر، حتى وصلت إلى مبتغاها، وبينما هي
تشرح خطتها للملك الذي غفل عن ابنته، تفككت تروس الأخيرة بسبب الصدأ والماء
المتراكم داخلها.
اليوم
الثالث والثلاثون: زواج سريع، أقلام تلوين، طائر الطنان.
بلغت
العاشرة اليوم، أصبحت رفقة الشمس وأنا احمل احلامًا انتظر تحققها، لكني لم أتوقع أن
تنتهي كلها في نفس الوقت. بينما كنت استمتع بالرسم بأقلام التلوين خاصتي، اقتادتني
امي من وسطها إلى غرفة بها فستان أبيض والألعاب غريبة الشكل التي تلون بها وجهها
كلما حل الليل واقترب موعد النوم، وقالت لي ان اليوم هو زواجي ويجب ان استعد له
جيدًا. لم افهم معنى زواج لكني ظننته اسمًا اخر ليوم ميلادي، وهذا ما جعل الجميع
يحتفل عندنا، كنت سعيدة للغاية حتى وجدتني داخل الفستان الأبيض، أُسحب من قبل رجل
غريب كان ضمن المدعوين، إلى سيارة جديدة متوقفة خارج المنزل... نظرت من النافذة
الخلفية فرأيت السيد طائر الطنان سريع الرفرفة قد آتى إلى حديقتنا اليوم ايضًا وهو
يأكل رحيق الزهرة التي اهتممت بها لأجله، لكنه سُحب بعيدًا عني حتى اني لم أعد
استطيع رؤيته، المنزل ابتعد ايضًا، والأشجار والمشاة في الشارع، كلهم يُسحبون
للخلف ويصبحون أصغر من أن الاحظهم، أدركت اخيرًا ان السيارة هي من تتحرك وإني اؤخذ
إلى مكان مجهول، رفقة شخص غريب بالكامل لم اقابله سوى اليوم، بعد زواج سريع ما علمت
بشأنه إلا لحظة تمامه، دون أن أتمكن من اخذ اقلامي، أو توديع ازهاري والحيوانات
التي ارعاها، بل حتى أصدقاء طفولتي المسلوبة الذين أتمنى انهم لم يواجهوا نفس
مصيري.
اليوم
الرابع والثلاثون: كلمة عشوائية: انتزاع.
اقترب
موعد ظهوري على خشبة المسرح أمام العديد من المشاهدين... منذ اللحظة التي اُخترت
فيها لأداء دور الساحر وأنا أفكر بطريقة لانتزاع اعجاب الجمهور ولفت الأنظار إليّ،
دون الاعتماد على المؤثرات التي جهزها أعضاء الفريق لأجلي. حفظت جملي جيدًا وتدربت
على حركاتي وشخصيتي أكثر من أي شخص، خطت زيي بنفسي وقمت بكيه ليلة أمس، كل شيء
جاهز ومثالي، انتظر بدء الموسيقى الخلفية... مهلًا لحظة، أدركت خطئي الفادح للتو، لم
أُعد أي موسيقى تعلن حضوري! لا مجال للعودة الان، بقيت بضع ثوان لا تكفي للذهاب
للمنزل حتى! ماذا سأفعل؟ هل سأستطيع جذبهم بتمثيلي وحده؟ هذا صعب، بدأت أتعرق بشدة،
اطرافي ترتجف وذاكرتي تُمحى، أشعر بالخوف. دُفعت إلى خارج الستار قبل أن أدرك ما
يجري، عليّ فعل أي شيء كي يستمر العرض، أنا قادر. تلقى الممثلين تصفيقًا حارًا
نهاية المسرحية، وروى أحد الحضور أن الساحر بقي هادئًا مغمض العينين في بداية ظهوره،
ثم وبشكل مفاجئ، كساه شعاع ذهبي غامض بينما بدأ بالتحرك بسلاسة على المسرح مؤديًا
دوره بكل مهارة، حتى خُيل له أنه ساحر حقيقي اتى من مملكة اخرى فقط كي يتم
المسرحية، وقال مشاهد اخر أن أداء الممثل كان مثيرًا للإعجاب وانتزع كامل انتباهه
طيلة وقوفه على الخشبة. أما أنا فلا أتذكر سوى رهبتي وتجمدي اللذان أنقذني من
سجنهما تصفيق الجمهور.
اليوم
الخامس والثلاثون: الشخصية التاريخية المفضلة لديك وقعت في حبك.
الشخصية
التاريخية المفضلة لدي هو لودفيج فان بيتهوفن. الجميع يتحدث عن روعة الوقوع في حب
متبادل مع كاتب أو رسامة، لكن ماذا عن موسيقي؟ إنه الشعور الأفضل، لن يدرك أحد الكلمات
المختبئة بين النوتات المرسومة غيري. سماع عزفه سيشبع قلبي ويسلي روحي، يمكننا تسجيله
والرقص معًا، أو نشترك في صنع أغنية تعبر عنا. لو واكبت عصره لأصبحت معزوفة
"إلى إليزا" باسمي، ولكنت المحظوظة الوحيدة التي لا تتلقى أية صرخات غضب
أو استهجان. وسنجلس لنشتم السلطة والطبقية معًا طيلة الليل، وأكون أول شخص يستمع
إلى مقطوعاته قبل أن تُباع أو تُعزف في الحفلات، التي لن يتوقف عن العزف فيها بسبب
قلة اهتمام الحضور مطلقًا، لأني سأتسلل للمكان بطريقة أو بأخرى كي استمع إليه
وأعطيه ما يشاء من الاهتمام. سأحل محل أذنيه قبل وبعد أن تصم، وأخبره بلغتنا
الخاصة أنه قد عام بعمل رائع في التأليف، ثم سأخبره أني أحبه عدة مرات دون ان اخجل،
لأنه لن يسمعني. لا أتوقع أني سأشهد العصور الحديثة الذي تبلغ فيها شهرته أشدّها،
لكن على الأقل سأعيش معاناته معه وأقف بجانبه لنتجاوزها خطوة بخطوة، ثم نموت معًا
سعيدين وندفن في تابوتٍ مليء بالأزهار. سيكون من الجميل لو حدث هذا، لكني لا أريد
العيش في الماضي واموت دون أن يتذكرني أحد إلا بصفتي علاقة سرية لأحد المشاهير.
اليوم
السادس والثلاثون: حاوية قمامة، أبهى، أحذية رياضية.
أنهيت
يومي الدراسي وذهبت لأخذ حذائي الرياضي كي أعود للمنزل، لكنه لم يكن في خزانتي. وجدته
بعد بحث ليس بطويل في حاوية القمامة القريبة من المدخل، مليئًا بالأوساخ وكعبه
مغطى بالطين رغم إني لم استخدمه اليوم... مثل المرة الماضية! هذه هدية من أصدقائي كي
أبدو وكأني بذلت جهدي في مباراة كرة القدم التي أقيمت اليوم، ولم أشارك بها بعد أن
كذبت على والدتي بكوني سأفعل. ارتديت حذائي وخرجت بابتسامة سعيدة، لم تكتشف والدتي
الأمر بعد، قالت إنها سعيدة بإنجازي وأنها أعدت وجبتي المفضلة كشكر لي على ما
فعلته اليوم. ذهبت إلى غرفتي لأبدل ملابسي وأتذكر كم أنا محظوظ، لا أحد من زملائي
في الصف أو في النادي يتحدث إلي كي لا يشغلونني عن دراستي أو تدريبي، حتى إنهم يأخذون
دفاتري واغراضي لجعلها تبدو وكأني أبذل جهدًا كبيرًا في الدراسة بها، كما أن
المدرب يظنني بارعًا للغاية لدرجة أنه لا يشركني في المباريات أو يعطيني جدول
تدريب خاص بي، وأمي تعد وجباتي المفضلة كي ليلة، ووالدي لا يرفض أيًا من طلباتي.
حياتي في أبهى مراحلها، أشعر بالسوء لأني سأترك كل هذا وأرحل، أعتذر عن عدم تناول
العشاء يا أمي.
وجدت
الأم ابنها مشنوقًا في غرفته عندما ذهبت لتناديه من أجل العشاء، صنفت الشرطة
الجريمة على إنها انتحار رغم عدم وجود رسالة.
اليوم
السابع والثلاثون: عملية، طبيعة، أشعة X.
اليوم
كان الأخير لي في هذه المستشفى. خرجت على كرسي متحرك بعد مكوث سنين قُضيت ايامها
ما بين عمليات جراحية، وفترات نقاهة تنتهي بتخدير لتبدأ غيرها، إضافة إلى التعرض
الشهري لأشعة إكس، ولا أنسى فحوصات وتحاليل الدم. استطعت ان اطوي هذا اخيرًا واريح
كتفيّ من عبئهما! استنشقت الهواء النقي بملء رئتيّ حتى أني لم أود تركه يخرج منهما.
أشعر به يسير على مسام بشرتي محملًا برائحة الازهار الطيبة، لكن أفضل ما حدث هو
انه يمكنني رؤية الأشجار على الطبيعة الان، وليس من خلال نافذة زجاجية صغيرة تقع
في الطابق الخامس. حزمت كل اغراضي وودعت الأطباء والممرضين الذين كانوا مسؤولين عن
علاجي بابتسامة كبيرة، سأذهب لأكمل حياتي مفعمًا بالقوة والامل والسعادة. تمر أمام
عيناي ذكريات اخر عملية خضعت لها، أي ما حدث ليلة أمس، لحسن الحظ كان الطبيب
صريحًا للغاية معي، لأني لا املك اية عائلة أو أقارب كي يتحدث معهم بشأن حالتي.
قال ان العملية تمت بسلاسة، بل وأفضل من المتوقع، لأنه لم يبذل أي جهد زائد فيها،
قام بالقص والفتح ثم الاغلاق، وانتهى الأمر. فهمت ان هذا يعني لا فائدة من محاولات
علاجي أكثر، وإني سأموت قريبًا. لهذا طلبت الخروج من المشفى، أفضل الموت في حقل من
الورود على الموت في سرير أبيض معقم، موصلًا بالأجهزة وعاجزًا عن الحركة.
اليوم
الثامن والثلاثون: ابتكر ميثولوجيا تتضمن أوتارًا وريشًا.
جاء
في الكتب الغربية القديمة أن الطيور مخلوقات وترية، لهذا تستطيع إصدار أصوات عذبة
تشبه الموسيقى. هكذا شُرح الأمر... بداية وُصف الريش عامة بأنه عبارة عن عدة أوتار
ملونة بأحجام مختلفة، مربوطة ببعضها البعض في شكل خاص، يسمح للهواء بالمرور عبره
بكل سهولة. كل مجموعة أوتار تشكل ريشة واحدة وكل مجموعة من الريش تتشابك بإحكام لتشكل
طائرًا، أي أن الطيور هي كائنات وترية فارغة إلا من الهواء. ثانيًا وُصف ريش الطيور
المغردة خاصة بكونه أخف وأكثر دقة من أنواع الطيور الأخرى، لهذا تستطيع إصدار أصوات
أجمل. وبالتأكيد تتغير طبيعة الصوت بحسب طبيعة الأوتار. تقول الأسطورة أنه عندما يرغب
الطائر بالحديث، فسيفتح منقاره ليدخل النسيم عابرًا الفراغ وينسل بين الخيوط
برشاقة، ومن حركته التي تتبدل كل مرة حسب ما يريده الكائن، ينشأ التغريد الذي لا يفهم
معناه سوى أفراد ذات الفصيلة التي تصدره. قيل ايضًا أن الصوت سيختلف مع اختلاف الهواء،
فالتغريد في عصر الشتاء غير التغريد في الغسق الصيفي، وصياح الشروق الربيعي غير
صياح الشفق الخريفي. اُستلهمت من هذه الحكاية الخيوط التي تُستخدم في بعض الأدوات الموسيقية،
مما جعل أنغامها طبيعية ومفعمة بالحياة أكثر من السابق. ألم تصدقني بعد؟ ستتأكد لو
أرخيت سمعك في الفجر، بينما تنفخ برفق على ريشة بشرط أن تكون قد سقطت سهوًا أو
استأذنت قبل أخذها.
اليوم
التاسع والثلاثون: متحول، مدفأة، تحت الأرض.
من
عاداتنا في ليالي الشتاء، أن نتحلق حول المدفأة بعد أن ننهي كل اعمالنا لنستمع إلى
حكايات جدتي المذهلة، التي تأخذنا لنعيش في عوالم اخرى ونصبح شخصيات مختلفة، لكن
هذه المرة انقلبت الأدوار. لم نذهب إلى القصة بل اتتنا هي، ظهر من وسط النيران رجل
مشتعل يطابق الوصف الذي ذكرته جدتي، بل ويتحرك حسب ما تعنيه كلماتها. قصة اليوم عن
شخص اكتسب قدرة التحول بسبب هجمة سحرية اصابته بالخطأ، بدأ تغيره بشعلة صغيرة ثم
تحول إلى طائر، تلته ورقة ومنها أصبح وردة وكل هذا حدث دون إرادته. ومع ازدياد نبذ
الناس في قريته له، تعلم كيف يتحكم بقوته الجديدة لكنه لم يتمكن ابدًا من العودة
إلى شكله السابق، اعتبر أن هيئة البشري المشتعل هي حدوده وتوقف عندها رافضًا
التقدم. النيران لم تكن تؤذيه، أو تؤذي غيره لذا لم يكن هناك داعٍ لجعله يمتنع عن محاولة
التواصل مع اهل القرية مجددًا، عدا خوفهم منه وما يعيده مظهره من ذكريات عن حادثة
قديمة لشخص احترق حيًا دون سبب معروف وسط ساحة القرية. هذه قصة أخرى طويلة حسب ما
قيل، وسنأتي بتفاصيلها لاحقًا، لكن قبل أن يكمل الرجل قصته، تمتمت جدتي بكلمات تحول
هو على إثرها إلى رمادٍ التصق بالأرض وتسرب تحتها. شعرنا بدفء غريب تلك الليلة ولم
نعي بعد أننا أصبحنا مثله.
اليوم
الأربعين: ابدأ هنا، قواعد لغوية، بروفسور وايتفيلد.
البروفسور
وايتفيلد، معلم اللغة الإنجليزية في الجامعة، معروف بتزمّته وإخلاصه الشديد لما
يدرسه، بخاصة قواعد اللغة. فهو لا يهتم بما إذا كانت جملتك منطقية أو خاطئة
علميًا، ولن يكترث لو كانت تتضمن شتيمة هو المقصود بها، طالما تستخدم القواعد الصحيحة
فستكون بمأمنٍ من غضبه. حسب كلامه الذي يكرره دائمًا في كل محاضرة كلما سمع أحدًا
يتذمر من تدقيقه، فهو قد ابتعث في أيام مراهقته للدراسة في الخارج، والتقى بفتاة
من عائلة عريقة هناك ثم تزوجا عن حب، فأخذ اسمها لشدة حبه واحترامه لها. ذكر ايضًا
إن زوجته كانت ولا زالت شديدة الحرص على لغتها، لهذا كان يزن كلماته جيدًا قبل قولها
ويحذر من ارتكاب الأخطاء من أجل أن تُعجب به. ويضيف أن اللغة مهمة وبفضل تعلمه
الجاد لها وصل إلى ما هو عليه الان، لهذا علينا نحن الشباب ان نبذل قصارى جهودنا
ولا نبخل بها كي نستطيع المضي في هذا العالم دون أية عراقيل. تأثرت بهذا للحظة
وطلبت منه يومًا خلال وقت استراحته أن يساعدني في كتابة رسالة اعتراف علّي أحصل
بها على صديقة كما فعل، الصدمة كانت عندما وافق. جلسنا على طاولة، وطلب مني كبداية
أن اكتب مشاعري دون تفكير... امسكت بالقلم وهممت بذلك لكنه اوقفني فجأة، حرك أصبعه
على السطر الأول تاركًا مسافة تكفي كلمة، وقال ابدأ هنا.
اليوم
الحادي والاربعون: لكن يا طبيب؟، تواصل اجتماعي، مخيب للآمال.
لن أنسى اللحظة التي تم تشخيص اخي الصغير فيها باضطراب التوحد، ووجه امي وقتها، أبدًا. كانت مصدومة خائبة الآمال، تردد جملة واحدة هي "لكن يا طبيب" كلما فتح فمه محاولًا تهدئتها او أن يشرح لها حالة أخي. لم تكن تصغي إليه نهائيًا، ليس بسبب الصدمة بل لقلة إدراكها ومحدودية تفكيرها بظنها أن هذا سيجلب العار لعائلتنا، كما كشف لي مرور السنين. ما كانت تهتم بأخي إلا عندما أصر عليها، تركته يكبر ورائها دون ان تعرف شيئًا عنه وعن هواياته ومستواه الدراسي، لا تعرف حتى بشأن الليالي التي عانيت فيها كي أعلمه حرفًا واحدًا واجعله يلتفت إليّ. كانت ترفض أخذه للمناسبات العائلية أو غيرها من التجمعات النسائية كي لا يحرجها بتصرفاته، لكنها لم تعلم أنه يستطيع قول اسمها ويتطلع للنظر في عينيها. شيئًا فشيئًا استطاع أخي أن يتقن مهارات التواصل الاجتماعي وتوقف عن شد شعره كلما حدث أمر لا يعجبه، كما إنه يميز اسمه الذي اخترته له ويستجيب عندما اناديه به. كبرت وكبر أخي، واضطررت للإخلال بتماسك علاقتنا كي أهتم بدراستي بعد أن تم قبولي في أحد الجامعات رغم علاماتي المتدنية، ولأتخلص من كلام والدتي التي لا زلت أكرهها وتأنيبها المستمر لي. لكن بالرغم من كل ما فعلته له، أخي المتوحد كان أشدنا حبًا لها ومن أهتم بها بعد رحيلنا كلنا.
اليوم
الثاني والاربعون: خيمة خفيفة، ممثلة، عالمين.
عمل
الممثلين ليس رائعًا كما يبدو على وجوه الذين يسيرون على السجادة الحمراء أو
السوداء، في الواقع إنه الاسوأ. قد لا يُدفع لك الكثير إلا عندما تصبح مشهورًا،
هذا إن فعلت... وعليك التعامل مع مشاكل عديدة من ضمنها تلك التي تواجه شخصياتك.
فمثلًا اخر دور مثلته كان شخصية رئيسية في فيلم بتصنيف خيالي، أي أكثر ما أكره.
القصة تبدأ عندما تذهب البطلة في رحلة تخييم لوحدها ثم بمعجزة ما، تحصل على قدرة
غريبة تمكنها من الانتقال بين عالمين، عن طريق الدخول والخروج من خيمتها الخفيفة
شفافة القماش غير المثبتة بالأرض. إنه أسوأ دور حصلت عليه وأكثرهم إرهاقًا وأقلهم
منطقية، لكني أحتاج إلى هذا المال مهما كان زهيدًا. بعيدًا عن تقديم الشخصية
والاحداث التي جعلتها تقرر التخييم وحيدة، كان عليّ التظاهر بنصب الخيمة بكل جدية،
وعندما لاحظ المخرج هذا قال إنه لا داعي لتثبيتها بشكل مثالي فهي ستطير في النهاية
على أية حال. أجل... قمت بحرق الاحداث، لا تشاهدوا الفيلم. بعدها كان عليّ الخروج
منها وابداء الدهشة والتصرف كغبية وسط الاستديو الخالي من الأثاث، كأني أرى أشياء جديدة
من عالم مختلف غير موجود. كان هذا متعبًا! عليهم اعطائي بدل احراج وكفالة كرامة. استمر
التصوير لثلاثة أسابيع مملة سخيفة، من الجيد أن كاتب السيناريو لم يحضر إلى موقع
التصوير... كم أريد الاستقالة.
اليوم
الثالث والاربعون: cosplay،
جريح، موت.
أقيم
مؤخرًا مؤتمر للانمي والمانقا في مدينتي، بأسلوب مبتكر جديد لم يسبقهم أحد إليه، وهو
جعل الراغبين من الحضور يخوضون تجربة مماثلة لأي مشهد عاشته شخصيتهم المفضلة. شاهدت
أحد العروض وبدا الامر رائعًا للغاية! أول ما خطر في بالي أني أستطيع معرفة مقدار الألم
الذي مرت به شخصيتي المفضلة قبل موتها. عدت إلى المنزل مباشرة، وارتديت ملابسه والشعر
المستعار لأول مرة منذ اشتريتهم، حاولت استخدام مساحيق التجميل الخاصة بوالدتي سرًا،
لجعل وجهي مماثلًا له لكني لم أنجح، لا بأس بهذا، لا أحد سيضاهي جماله اصلًا. عدت إلى
حيث يقام المؤتمر، دفعت الرسوم المطلوبة وبعدها قيل لي أني سأخضع لتدريب قصير على
تعابير وحركات الشخصية كي يكون المشهد مثاليًا، لم أجد داعيًا لهذا خاصة وأني أحفظه
بتفاصيله عن ظهر قلب وأشاهده مرتين قبل النوم، لكن لا مانع من اثبات هذا لهم.
اجتزت التدريب بسهولة وبدأ العرض الفعلي... وقفت مناديًا العدو، اثنان منهما في الأعلى
وسينقض الذي على اليمين اولًا، عليّ تفاديه كي يصيبني الاخر. انسابت الموسيقى إلى
أذني ومعها الصوت الذي سجلته سابقًا على إنه صوتي الداخلي، حانت اللحظة. هاجمني الأعداء
بأسلحة حقيقية، هذا ممتع! أشعر بها تخترقني وتمزق جسدي، لا يفترض أن ابتسم، يجب أن
اتقن الدور... بينما الفظ انفاسي الأخيرة كجريح مضرجٌ بالدماء، ضحكت بسعادة لأني سألتقيه
عندما اموت.
اليوم
الرابع والاربعون: قبلة خد، لمعان وضفدع، ساحرة.
تبعًا
للتقاليد، على الساحرات الخروج للغابة لوحدهن من أجل التدريب ما إن يبلغن الخامسة
عشر من العمر، احتفلت بوصولي إلى هذا السن بالأمس وحان الان موعد رحيلي. طرت على
مكنستي حتى وصلت إلى اعتاب الغابة، عليّ اولًا إيجاد رفيق مميز، وكما تعرفون بعض
الساحرات يفضلن امتلاك قطٍ اسود، أو فئرانٍ رمادية، أو ربما سحلية، لكني أبحث عن
شيء مختلف وأكثر تفردًا. أعرف ما أريده بالضبط، لذا اتجهت مباشرة نحو المستنقع حيث
توجد اغلب مكونات الجرعات والعقاقير المختلفة التي نصنعها، وهم الحيوانات والزواحف
غير مكتملي التكوين، الذين يُعَدون هدف رحلتي الثاني. بالمناسبة هدفي الثالث هو تجميع
النباتات ومراقبة ظروف نموها وتكاثرها الطبيعية، كي أستطيع زراعتها في منزلي الذي سأبنيه
لاحقًا. أعود للموضوع الرئيسي وهو المرافق فكل ما ذكرته سابقًا يعتمد على قوته
السحرية، ومساعدته لي من عدمها. في الحقيقة أنا أبحث عن ضفدع، لطالما أردت امتلاك
واحد صغير لامع، أخضر اللون، طري ورطب دائمًا، يفضل تسلق الأشجار على القفز فوق
زنابق الماء، يشبه هذا الذي اراه امامي الان! كم هو لطيف. جلست على الأرض لأبدأ
الطقوس، يبدو أنه فهم مغزى نظراتي له، فاقترب مني بهدوء معلنًا الاستسلام والطاعة.
أشعر بقوة هائلة تنبعث منه، هذا يبشر بالخير... وينذر بالشر في آن واحد. قفز في
وجهي فجأة وقبل خدي فأصبحت مثله... كان ساحرًا.
اليوم
الخامس والاربعون: شخص فقد قدرة، وآخر اكتسب واحدة.
من
المذهل العمل في مشفى ورؤية العديد من الحالات المختلفة كل يوم، بعضها قد تكون
سعيدة والأخرى تكون على النقيض تمامًا. لا أقصد الرقص على جراح الاخرين لكني
استمتع بمراقبة الاختلافات بين الزوار، سواء كانوا مقيمين أو ضيوفًا لليلة واحدة. اخر
المصادفات التي حدثت أمامي هي استيقاظ مريض أُصيب في حادث بعدة جروح، وكسر واحد، بالإضافة
إلى فقدانه حاسة سمعه. لم يدرك بعد ما حدث له، يحاول وسط افراد عائلته اصدار صوت
يمكنه الوصول إلى أذنيه، لكنه لا ينجح مهما فعل، يراهم يتحدثون حوله ليهدئوا من
روعه فلا يفهمهم... سُلب الأمل من عينيه وتوقف عن المقاومة بعد دقائق مستسلمًا لصمته
الابدي. أما عن الجانب الاخر، ففي الغرفة المجاورة يوجد طفل حصل على سماعته الأولى
وحانت لحظة تجربتها، كان يحرك ساقيه في الهواء لشدة حماسه بينما يساعده الطبيب على
ارتدائها. بقي مصدومًا لثوان وهو يصغي إلى صوت الهواء ثم التفت لوالدته بعينين
لامعتين واومأ برأسه، لا أعرف ما كانت أول كلمة سمعها لكن يبدو أنه اسمه... بدا
سعيدًا للغاية بدخوله إلى عالم جديد يمتلك كل شيء فيه صوتًا حتى نفسه. الفرق بين
الاثنين ليس كبيرًا، فمثل ما تنتقل أغراض الميت إلى ورثته بعد دفنه، تنتقل القدرات
بين الأشخاص حتى لو لم يكونوا ذوي قرابة، فالأشياء تستبدل مواقعها لكنها لا تفنى
ابدًا.
اليوم
السادس والاربعون: وسائد مغطاة بالنبيذ، دار ايتام، دائرة ثقة.
اليوم
السابع والاربعون: ملك، دخان، نجوم.
لم
ترغب أي عائلة من اقاربي البعيدين بتبنيّ، لذا انتقلت للعيش في دار ايتام غير
معروف بعد وفاة والديّ في حادث. بصراحة توقعت تلقي جميع أصناف المعاملة السيئة من
قبل المشرفين العاملين فيه، والعديد من ألوان التنمر من قبل الأطفال الذين
يعتبروني دخيلًا بينهم ومتطفلًا يريد سرقة منزلهم الآمن الوحيد. ويا للمصادفة! هذا
ما حدث بالفعل. لكن ليس لي وحدي، بل جميع الأطفال يتعرضون للتعنيف اليومي بلا سبب
أو داعٍ مقنعين أو غير مقنعين. إضافة إلى العيش في غرفٍ ضيقة بالنسبة لعددنا
الهائل. حتى أنه توجد جثث مدفونة في الساحة الخلفية، حفرت قبرًا بنفسي لذا أعلم. أتت
معاملة الأطفال لي على عكس توقعاتي، كانوا لطفاء للغاية وشاركوني العابهم وملابسهم،
تعلمت معهم كيف أعيش بمفردي دون الاعتماد على البالغين الذين نبذوني ورائهم والذين
يسيئون معاملتي وكأنني أحد الماشية التي لا يمكنها التحدث، حيث كنا نتسلل إلى
الخارج عبر حفرة مخبأة، بذل الزملاء المتوفيين جهودًا كبيرة لأجل صنعها، كي نسرق
بعض الأطعمة واي شيء نظن أننا سننتفع به، بدءًا من الكُتب إلى المجوهرات على أجساد
السيدات. حتى طفح بنا الكيل وحان الوقت لنتخلص من كل هذا الذل الواقع علينا، ونحمي
غيرنا من الوقوع في مثله... أعددتُ خطة متقنة وأحضرنا الأدوات اللازمة لتنفيذها،
أعواد كبريت وسكاكين حادة بالإضافة إلى قوارير كبيرة من الشراب الأحمر الموجود في
غرفة الموظفين والذي يتجرعونه في كل حين. انتظرنا هذه الليلة بفارغ الصبر، بداية
أشعلنا الشموع متمنين السلام والسعادة لأرواح الأطفال الراقدة أجسادهم تحت هذا
المبنى القذر ووعدناهم بالانتقام لهم، ثم جلسنا في دائرة وأقسمنا بالثقة المتبادلة
بيننا على المضي ومشاركة بقايا الحب الذي يسكن قلوبنا مع غيرنا ممن مروا بنفس
المعاناة. تفرقنا بعدها إلى عدة مجموعات كل منها مكونة من ثلاثة أفراد وذهبت كل
مجموعة لتقوم بمهمتها، فواحدة تحرق الخشب والقماش بالكبريت، والأخرى تسكب النبيذ
في كل ارجاء غرف الموظفين حتى تنقعت به الوسائد، والثالثة تحطم كل ما لم تصله
النيران، والرابعة مسؤولة عن إيقاظ الأطفال غير المشاركين وإرشادهم إلى مكان آمن
بعيد، أما الاخيرة وملكهم أنا فمهمتنا هي القتل... تدمر الدار بعد ساعة، الدخان
كان كثيفًا لكنه لا يكفي ليغطي النجوم والقمر الذي أرتفع وسط السماء، جلسنا لنتأملها
بابتسامة عريضة مغطين بالجروح والدماء، ممتلئين بالأمل والاحلام بشأن غد أفضل رغم جهلنا
بكل ما يحمله مستقبلنا، لكن طمأننا كون المجموعة الرابعة وبقية الأطفال في مكان
أفضل للان على الأقل. انتشر خبرنا بسرعة فتجمهر سكان المدينة حول المكان، وحضرت
سيارة الإسعاف لتقلنا إلى المشفى. انتهت تحقيقات الشرطة بتحميلنا المسؤولية عن كل ما
حدث والذي يتضمن الوفيات بسبب سوء الرعاية، فاتفقنا على الالتقاء في الجحيم عبر
إرسال انفسنا إليها.
اليوم
الثامن والاربعون: XR-429_iUe
تم
اطلاقي اخيرًا، في عصر اليوم التاسع والعشرين من الشهر الرابع للسنة الحالية. حفظت
هذه المعلومات بعد أن سمعتها من العديد من الموظفين الذين أشرفوا على صنعي وتجربتي
واطلاقي. لم أُعرف بنفسي... أنا مستكشف الأشعة فوق البنفسجية الدولي المطور
حديثًا. صُنعت كجيل جديد من المستكشف السابق بعد انقطاع الاتصال به، لأكمل مهمته
المتمثلة بالتقاط الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من النجوم المتفجرة والمجرات
النشطة والأقراص المزودة السابحة في الفلك الواسع، وأخذ الصور لها من أجل تسهيل
دراستها على البشر الذين صنعوني. انتهى الأمر بسرعة، لم يكن مؤلمًا... وها قد وصلت
إلى الفضاء الأسود الفسيح، إنه مظلم لكنه مشع بطريقة ما، هذا المكان مذهل للغاية! نسيت
مهمتي لوهلة وأردت الانطلاق بكل قوتي لاستطلعه لكن شيئًا ما كان يسحبني ويبقيني قريبًا
من كرة زرقاء قالت قاعدة بياناتي إنها الكوكب الذي اُطلقت منه والذي يدعى بالأرض. بعد
عدة محاولات أدركت أني لا أستطيع الفرار من هذا المجال وأن لا خيار لي عدا القيام
بما أرسلت لفعله. لكن وبينما كنت اتلفت حولي بحثًا عن أجرام جديدة غير المسجلة في
بياناتي تلقيت رسائل مشفرة هي عبارة عن صور لأجرام غير معروفة... درت قليلًا متسائلًا
عن مصدرها حتى وجدت المستكشف السابق! لقد كان هو، ما زال يعمل! هكذا تخليت عن
وظيفتي وأصبحت أعمل كوسيط بينه وبين الأرض.
اليوم
التاسع والاربعون: جمل، أزمة عسكرية، خيوط حذاء.
لعبة
طفولتي المفضة كانت الشرطي واللص، أحب كثيرًا لعبها مع اخي الأكبر بخاصة عندما احصل
على دور الشرطي. كنت اتبعه حيثما ذهب وأنجح في امساكه دائمًا مهما كانت سرعة ركضه،
أو ربما كان يبطئ كي يجعلني أفوز... لست متأكدًا من هذا لكن ما اعرفه ويمكنني قوله
بثقة هو أني كنت استمتع بها للغاية. ما جعلني اتوقف عن لعبها ليس النضج وحسب، بل
الاحداث الغريبة التي تحدث في كل مرة، وأغربها هو ما حدث لما كنت الاحق اخي الذي
غاب عن ناظريّ وذهب لمكان بعيد فلم أستطع امساكه وحدي، توقفت مكاني وقررت طلب
الدعم من الضباط الاخرين –الخيالين-، لكني تعرضت إلى ازمة عسكرية متمثلة في فك
عقدة خيوط حذائي! لطالما حذرتني أمي من المشي دون عقدها جيدًا كي لا اتعثر وأسقط.
من المخجل الاعتراف بأني لم اتقن ربط حذائي إلا في الصف السادس الابتدائي، أي بعد
هذا الموقف ببضع سنين، لهذا بقيت أحاول واحاول وقد شارفت على البكاء بما أني كنت
وحدي. حتى سمعت صوتًا غريبًا لا يمكن أن يصدر عن بشري، التفت نحوه لأرى حيوانًا
كبيرًا عرفت لاحقًا أنه يسمى بالجمل يمشي للأمام بينما ينظر إليّ، ثم اخترق السور
واختفى كأن شيئًا لم يكن... لم يصدقني أحد وظنوا أنها خيالات صبي صغير، وظل الشارع
مفتوحًا حتى الان، يعبره الناس يوميا.
اليوم
الخمسين: الرابع من يوليو، علبة، أسلوب حياة.
نحن
الان في عام 2050، أصبح بإمكاننا تخزين الذكريات والمشاعر في علب معدنية تشبه
المستخدمة في حفظ الاطعمة عن طريقة آلة خاصة، لأجل استعادتها لاحقًا بنفس الجودة.
وكأي شخص قمت بتخزين أغلب ذكرياتي بهذه الطريقة. كنت أشعر بالوحدة مؤخرًا لذا فتحت
العلبة التي تخزن ذكريات يوم ميلادي الخامس عشر الواقع بتاريخ الرابع من يوليو. كان
يومًا ممتعًا، حيث أُحطت بكل أصدقائي وافراد عائلتي المقربين في حفلة مفاجئة
أقاموها لأجلي. سُعدت كثيرًا إلى درجة أني لم اتوقف عن الابتسام حتى اثناء نومي،
على عكس حالي الان... الزينة كانت رائعة، وكلها بلوني المفضل وهو الوردي، حصلت على
الكثير من الهدايا اللطيفة يومها واحببتها كثيرًا، فكنت استخدمها بشكل يومي حتى
استهلكتها بالكامل ولم تعد نافعة، قد أكون تخلصت من معظمها بالفعل. انتهى مفعول
العلبة سريعًا، بما أنها ذكريات فهي لا تدوم لأكثر من ساعة، ما زال لدي العديد من علب
الذكريات غيرها لكن القليل منها يصنف ضمن اللحظات السعيدة. لم تفدني كثيرًا، وحدتي
ما زالت تخنقني، يبدو أني لا املك خيارًا غير شراء ذكريات شخص اخر وعيشها كما لو
أنها حدثت لي، بما أني لا أستطيع الخروج لصنعها بنفسي فلم يعد لي أهل أو أصدقاء. وهكذا
صار الغرق في الذكريات كل يوم بحثًا عن سعادتي المفقودة عليّ أجدها فيها، اسلوبًا
لحياتي البائسة المزرية.
اليوم
الحادي والخمسون: 12-ثمانية واربعون، صعب المراس، تايتانيك.
لطالما
أحببت سماع قصص أجدادي التي يحكيها والدايّ نقلًا عن أجدادي الاخرين، لكثرتها لم
أعد أعلم أيها صحيحة وأيها مخترعة من أجل إبهاري، لكنها ممتعة على أية حال. أحداها
من زمن سفينة التايتانيك المشهورة، قيل إن جدي التاسع كان أحد ركابها، وقيل ايضًا
انه كان صعب المراس عنيد لا يهنأ له بال حتى يحصل على ما يريده، حتى لو عنى الأمر
موته، ولطالما دخل في مشاكل مع أهله وجيرانه وحتى مع الغرباء بسبب هذا الطبع. تقول
الحكاية أن جدي افترق عن جدتي، وذهب ليقامر على سطح السفينة، واستغرق في ذلك وقتًا
طويلًا يُقدر بطول الرحلة، خسر خلاله من المال ما خسر وكسب منه ما كسب، لكن لم
يصلنا فلس منه للأسف. قبيل حادثة الاصطدام كانت جدتي تبحث عنه وكأنها أحست بما
سيحدث لاحقًا، كي يذهبا معًا إلى أحد قوارب النجاة التي ما تزال جديدة وغير
ممتلئة، لكنه كان مشغول العقل بحساب كمية المال الذي خسره في اخر لعبة له، 12 ناقص
ثمانية واربعون، ظل يردد هذه الجملة بلسانه لعل الحل ينكشف له، وكلما نادته جدتي
يغضب ويعيد الحساب من البداية، حتى زجرها وصرخ في وجهها لكونه تشتته، فذهبت مغتاظة
وصعدت القارب تاركةً إياه يواجه مصيره لوحده. قيل إنها ماتت بعده بأعوام والندم
يأكل قلبها... ما زلنا نزور قبريهما حتى اليوم.
اليوم
الثاني والخمسون: "علق الدخان بشكل سميك على رافدة المكتبة، لدرجة أن
بمقدورها قراءة كلمات فيه".
ذهبت
إلى المكتبة العامة ضخمة المبنى، التي تتوسط ساحة المدينة كي أتعلم القليل عن
السحر. بالطبع أعرف أنه لا يوجد سحر في هذا العالم الحديث وكل التقنيات المعروفة
قد ختمت، لكني ما زلت أريد البحث، لا أحد يدري ما الذي يمكن أن أجده. الجميل في
المكتبة هدوئها وعدم تطفل موظفيها عليكِ حتى لو بدوتِ محتارة أو كنتِ تبحثين عن
شيء في المكان الخطأ. لذا توجهت مباشرة إلى قسم الكتب القديمة والتي تبدو وكأنها
تحوي أسرارًا واشياء مخيفة، تخبئها وسط غطاء من الأوراق الكثيرة لأنها تعلم أن لا
أحد سيقرأ هذا الكم من المعلومات إلا ولديه نية سيئة يحملها في قلبه. أخذت أكثر
كتاب مثير للشبهة، وجلست وسط الممر لأقرأه، فلا أريد أن يراني أحد ويطلب مني
إعادته لأنه ملكية خاصة. بدأ المؤلف بالتحدث عن السحر وقيمته مستخدمًا الكثير من
الكلمات صعبة الفهم المأخوذة من اللغة القديمة، ثم وضع تعاويذ وصفها بالبسيطة
ويمكن لأي شخص يملك أي كمية من السحر استخدامها لوقت قصير، أخذني الحماس وقرأت
منها جملة... قرأتها بنطق ركيك وصوت متقطع، فلم أكن واثقة من نجاحها خاصة وأني لا
املك من السحر قيد انملة. ثوان وخرج من الكتاب دخان تكاثف تدريجيًا وهو يصعد ناحية
رافدة المكتبة ليعلق فيها مشكلًا كلمات واضحة للعيان... قال لي "شكرًا على
تحريري، يا صغيرة".
اليوم
الثالث والخمسون: "رجاء أغلق..."
اليوم الرابع والخمسون: صباح، خوف، أفلام.
لا
أحب مشاهدة الأفلام المرعبة مع اختي، كل مرة نشاهد فيها فيلمًا تظل خائفة متمسكة
بي حتى الصباح، وتحرمني النوم بينما تطلب مني فعل أشياء غريبة بحجة أنها تطمئن
قلبها وتهدئ روعها. نمط افعالها يكون على عكس ما يحدث في الأفلام، فمثلًا عندما
تتخيل سماع صوت غريب صادرٌ من غرفة المعيشة، فهي تركض هاربة لأبعد زاوية من غرفة
النوم بدل الذهاب للتأكد من مصدره، وتتجنب التفاخر بقوتها وشجاعتها كي لا تكون أول
من يُقتل، كما إنها لا تفترق عني ولو لثانية لئلا تبقى وحيدة تنتظر موتها في
الظلام دون أن تعلم بمصيري. لكن أغرب طلباتها ليس اغلاق النافذة أو الأبواب...
"رجاء أغلقي الثلاجة" هذا ما تقوله لي دوما. والسبب في هذا أن القتلة
يعلمون بالفعل أننا نغلق الأبواب خوفًا من مجيئهم، لذا يتسللون للمنزل من الثلاجة
لأن لا أحد سيتوقع دخولهم بهذه الطريقة. أنا عاجزة عن الكلام مثلك... أي منطق هذا؟
بالرغم من كل ما أقوله فأني اسايرها في كل ما تفعل وتقول، فلا أريد أن تبكي أو
تموت خوفًا بسبب ظنها أني تخليت عنها في هذه الأوقات الصعبة كما وصفتها. تختبئ تحت
غطائي بعد ان تطمئن لننام بعمق محتضنتين بعضنا البعض، حتى يحل الصباح متناسين
خوفنا وما شاهدناه ليلة الامس. لكننا لم ندرك بعد أننا تركنا باب الثلاجة مفتوحًا...
اليوم
الخامس والخمسون: علامات، مجمد، الشيطان.
يوجد
شيطان يراقبني بينما أتجمد حتى الموت ليستولي على روحي... كنت أسير بأمان، ثم
استيقظت ووجدت نفسي مقيد الاطراف في مكان بارد. بعد بحث صعب طويل، علمت أني محتجز
في شاحنة تجميد بغية قتلي. أعرف الفاعل، أو بالأحرى من أمره بهذا لكني لا أملك أي
دليل ضده، ولن أفعل طالما بقيت هنا. لا أجد سبيلًا للخروج، الباب موصد وليس بإمكاني
الحراك، البرد يعض اصابعي وأرنبة انفي، اسنانه حادة للغاية وتؤلم كثيرًا... رغم
هذا لا زلت أفكر في طريقة للهرب، وصدقوني عندما أقول إن أكثر الأفكار غرابة ستخطر
على بالك عندما تكون في ورطة، فكل ما فكرت فيه وقتها هو استدعاء شيطان لينتقم لي
من ذلك الوغد، منافسي وعدوي الذي تسبب بكوني على هذا الحال. حضر الشيطان عندما
ناديته، لم أطلب منه أي امنية منذ تعاقدنا، ويبدو أنه حان الوقت لهذا... امنيتي كانت
أن تظهر خبائه للعلن، ويُفضح ذاك الوغد امام الملأ، ثم يُزج به في السجن سنين
طوال، حتى لا يطيق رؤية النور. اختفى من امامي بينما أغرق في نشوة نصري التي
سلبتني الإحساس بأطرافي الممتلئة بالعلامات البيضاء، وحجبت عقلي عن إدراك الحقيقة
الواضحة وهي أني لن القى هذا النصر. عاد قائلًا إن المهمة تمت على أكمل وجه،
انتظرته ليخرجني لكني تذكرت البند الوحيد المذكور في العقد: روحك مقابل أمنية.
اليوم
السادس والخمسون: قبلة باكية، حذاء تنس أحمر، حروب.
ذهبت
وزوجتي إلى بطولة ويمبلدون السنوية للتنس، كانت أحد المشاركات فيها وسبق لها الفوز
عدة مرات. كلانا متحمسان وقد تدربنا بصرامة وشدة لأجل هذا اليوم، بالإضافة إلى
كونها ارتدت حذائها الأحمر الذي نعتبره جالبًا للحظ، لذا نحن واثقان من فوزها في
حروب أعني مباريات اليوم. بعد وصولنا وكل المقدمات، اُعلنت أسماء المتنافسين في كل
البرامج وبدأت المباريات، وُضعنا في المباراة الثالثة من برنامج السيدات لذا عدنا
إلى غرفة التبديل بانتظار دورنا، لأن مشاهدة لعب الاخرين تصيبها بالتوتر. بقيت
معها بصفتي زوجها اولًا ومدربها ثانيًا، تحدثنا كثيرًا وتساءلنا عن نوع الخصوم الذين
قد نقابلهم اليوم وفي البطولات المستقبلية، ليمضي الوقت وتُستهل حروبنا. كانت
مذهلة! قوية مهما كان منافسها، بقيت اراقبها من الدكة ومعي كل ما تحتاجه من علب
ماء ومناشف وفرش لتنظيف الحذاء من الطين الذي تراكم على الملعب بسبب الامطار
المفاجئة المعتادة، والتي هطلت قُبيل اخر ثلاث مباريات في جدول اليوم. حانت
التصفيات النهائية، وهذا اخر قتال، إما الفوز أو الموت. استطعت الشعور بقوة
عزيمتها في ضرباتها كما لو أني كنت الكرة، قاتلت ببسالة رغم سوء الطقس ولم تستسلم
ابدًا، لكن... عادت إليّ وقد اختلط الغيث بدموعها، ما استطعت مواساتها إلا
باحتضانها، وطبع قبلة باكية على جبينها. وصلني خبر بعد أشهر عن حصول الصورة
الملتقطة من ذلك الوقت على جائزة.
اليوم
السابع والخمسون: محظور، ورقة نوتات، منحرف.
اليوم
الثامن والخمسون: "أردت الشجار لكنه أراد إنهاء شايه".
استيقظت غاضبًا حانقًا وقد وصل الدم إلى
رأسي ولست أدرك السبب، اتجهت نحوه مباشرةً متجاهلًا محاولات الخادمات لإيقافي،
راغبًا بشيء واحد فقط هو تفسير مقنع لحالتي هذه، لكنه كان يشرب الشاي... في باحة
المنزل الامامية، تحت أشعة الشمس الدافئة وسط نسائم الربيع، اثناء استرخائه على
كرسيه المفضل، كان يشرب شاي الساعة الثالثة بكل برود، مستعملًا طقمه الأبيض
الفاخر، المزينة قطعه بحزام من الرسومات لورد الجوري فاتح اللون. علم أني أحدق به
لكنه لم يلتفت إليّ حتى، أثار هذا اعصابي أكثر فزعزعت أرضه وسماه، واقتحمت عالمه
الهادئ كما يظهر الشرير من العدم ويعلن سيطرته على المدينة وسط صرخات أهلها. لكن هو
لم يكن بطلًا ولا مدنيًا شجاعًا، وليس بالجاهل الذي يجعل من المجرم قدوة له، بل
أشبه بمخرج الفيلم، أو أحد سكان المدينة المجاورة التي لم يصلها من الدمار شيء،
كان شخصًا بعيدًا لا يقحم نفسه في مصائب الاخرين. صببت غيظي صبًا على وجهه، أردت
الشجار لكنه أراد إنهاء شايه، فهو متزمِّت عنيد عندما يتعلق الأمر بالالتزام
بمواقيته الخاصة، لا سيما وقت الشاي. جيد اذًا، بما أنه لن يتحرك من هذا الكرسي
فبإمكاني فعل ما اشاء، ولن يحول شيء بيني وبين انتقامي هذا. ذهبت لاداهم غرفة
البيانو المحظور عليّ دخولها وهناك رأيت... دائمًا ما يبدأ وقت الشاي في هذا
المنزل عند الساعة الثالثة بعد الظهر، ولهذا الوقت قدسية خاصة تميزه عن بقية
اليوم، وتجبرني على الاستعداد له من الليل قبل أن أخلد للنوم. حيث أقوم باختيار
الطقم المناسب، ونوع الشاي الذي أريده بالإضافة إلى تحديد الحلوى التي ستُقدم معه،
ثم أعلم الخادمة بها كي تتمكن من اعدادها في الوقت المناسب. عادة أفضل شرب الشاي
في الباحة الامامية، تحت أشعة الشمس الدافئة وسط نسائم الربيع، بينما استرخي على
كرسيّ المفضل، وجو اليوم كان مناسبًا لهذا. اخترت الشاي الأحمر ليُقدم في طقمٍ
ابيض فاخر، مزينٌ بحزام من رسومات ورد الجوري فاتح اللون الذي أحبه جدًا، وتارت
الفواكه للحلوى. استمتعت بالهدوء للحظة ونسيت كوني أُؤْوِي شخصًا منحرف العقل في
منزلي بغية علاجه، وها هو ينظر إليّ بغضبٍ غير مبرر... اعتقد بصراحة أني علمته
الالتزام بالمواعيد واحترام وقت الشاي، لكن يبدو أن حنقه قد أنساه هذا، تجاهلته
بالطبع فلا أريد أن يعتاد على اقتحام منطقتي الخاصة كلما حدث ما لا يعجبه، ويعتقد
أني سأهبّ لمساعدته والاهتمام به. اخر ما رأيته منه كان ابتسامة خبيثة رحل بعدها
ناحية الغرفة التي اخبئ بها بيانو ورثته من والدي، والمحظور دخولها على كل شيء
يتنفس غيري. علمته هذا ايضًا وقد التزم به لمدة طويلة، لذا اظن انه خالفني هذه
المرة كانتقام. عاد إليّ خائفًا قابضًا بيمينه ورقة نوتات بالية.
اليوم التاسع والخمسون: ملطخ، منطقة
الصداقة، إجهاض.
حلمت بعائلة سعيدة، زوج وابن وأنا في منزل
يسوده الحب والاهتمام، فوجئت بتحقق حلمي أسرع مما توقعت. كان لدي صديق مفضل في
طفولتي، يكون ايضًا ابن جيراننا، كنا نلعب معًا كثيرًا ولوقت طويل بداخل الغرف
وأمام عتبات البيوت، لكننا كبرنا وتفرقنا. لم أعد أستطيع رؤيته كالسابق لانشغالي
بدراستي، لكنه كان بارًا بوالديّ ويزورهما دائمًا لذا استطعت لمحه عدة مرات كل
شهر. تقدم لطلب يدي بعد تخرجي وايجادي لوظيفة جيدة. كان شخصًا جيدًا اهتم بي
كثيرًا في صغري فلم أجد سببًا لرفضه. تزوجنا بعد خطبة دامت لشهرين، أخبرني في اول
ايامها أنه يحبني منذ وقت طويل، منذ كنا صغارًا، لم أتوقع هذا لكني كنت سعيدة به.
بعد نصف سنة من زواجنا السعيد الدافئ، علمت أني حامل بولد، انتظرناه ليولد بفارغ
الصبر لكن... أصبح زوجي لا يعود إلى المنزل إلا متأخرًا، ويحدث أن يغيب لعدة أيام
دون اخباري بالسبب، اكتشفت لاحقًا من الشرطة أنه قد تورط في اعمال مشبوهة وصار
مجرمًا مطلوبًا ملطخ اليدين، لديه العديد من الديون المتراكمة غير المدفوعة، والتي
انتقلت إلى عاتقي بعد اختفاءه. غرقت في اليأس، القلق يحاصرني من كل زاوية، بت أفكر
في الإجهاض بشكل يومي، واؤذي نفسي أحيانا كثيرة، أتساءل اين أخطأت؟ لم تغير فجأة؟
أكان من الافضل إبقاءه في منطقة الصداقة ورفض الزواج به؟ ساعدوني...
اليوم الستين: غولف، كريسماس، مكان.
ليلة الكريسماس، خرج الجميع مبكرًا للاحتفال
مع عائلاتهم واصدقائهم، إلا أنا... بقيت وحدي في المكتب الفارغ المظلم انهي عملًا
مؤجلًا يخصني، وعملان جديدان يخصان اثنان من زملائي. ملئت أصوات البهجة الصادرة من
الاحتفالات المقامة في الساحة الخارجية الغرفة، ثم أضاءها نور الألعاب النارية
التي ارتفعت في السماء لتثير حماس المتفرجين فيطلبوا المزيد. النافذة المفتوحة
كانت خلفي لذا شعرت بكل شيء وكأنه يضرب قفاي ضاحكًا على وحدتي في هذا اليوم
السعيد. استسلمت لضعفي وتركت ما بيدي دون اكماله لأغادر المبنى باحثًا عن مكان يحميني
لئلا تسحقني سعادة العالم وتهشم ما تبقى من قلبي الازرق. قادتني قدماي إلى قاعة
للغولف نستخدمها كثيرًا لأجل مصالحنا المالية مع مدراء الشركات الأخرى، إنها فاخرة
وغالية لدرجة أن حجزها لثلاث ساعات يساوي راتب خمسة شهور مع الأوقات الإضافية. لكن
حراستها ليست بذات المستوى، تسللت إليها بسهولة. افترشت العشب الذي لعبت عليه مرات
عدة لكن لم أفز لمرة، كي أنام لعل الوقت يمضي بسرعة، وأعود إلى الشركة بعد شروق
الشمس كي أوبخ من مديري لعدم انجازي العمل المطلوب. مهما انتظرت لا شيء يحدث،
الدقائق تمر بطيئة كتنفسي، لم يجدني أحد بعد وبالتأكيد لن ينتبه أحد لو تغيبت في
الغد. لم لا أبقى هنا فحسب؟ كُسر عنق الحارس، وسُد الباب بالأثاث فلم يدخل أو يخرج
أحد حتى الصباح.
اليوم الحادي والستون: الفضول، الأوغاد،
دَين الشيطان.
قُتل أربعة من أعضاء العصابة في ظروف غامضة
بالأمس، ثلاثة من الأوغاد المستجدين والزعيم... لم يهتم أحد بكشف غموض موتهم، بل عمد
الجميع إلى ترك الجثث كما هي، وتجاهل الأمر ثم مغادرة المقر وكأن شيئًا لم يكن من أجل
أن يكملوا حيواتهم المسلوبة بطريقة أخرى، سواء كانت أفضل من هذه او اسوء. السبب
الاخر هو لأن الزعيم يكون سليل الشيطان، أو بالأحرى يتصرف وكأنه كذلك. مما جعل الجميع
يخشاه فلم يقدروا على الانسحاب سابقًا، أو حتى الوشاية للشرطة. لكن رغم هذا أرغب
في معرفة الحقيقة، لا يمكنني الاعتماد على الشرطة لئلا تلقي بي في السجن، ثم تستخدمني
لإيجاد البقية فيلاقوا نفس مصيري، عليّ فعل هذا بنفسي... دعونا من هذا البشري، سأحكي
أنا بداية القصة. لأُعرف بنفسي اولًا، أنا هو الشيطان الذي قام بقتل هؤلاء الأربعة.
ليلة أمس، اقتحم أولئك الاوغاد الثلاثة الغرفة الفارغة التي تعود لمن يدعونه
بالزعيم، بدافعي الفضول والسرقة حالة إيجادهم لأشياء ثمينة يمكن بيعها، لكنهم ما
وجدوا سوى جرة كُنت قد خُتمت فيها بعد أن حققت لذلك البشري امنيته. دخل هو في ذات
اللحظة فكسروها لفزعهم... عندها تحررت واستعدت ديني. قتلت الزعيم وخدمه الثلاثة،
يا لها من أرواح لذيذة. لكني لم أشعر بالشبع بعد، يوجد واحد إضافي هنا. "أيها
السيد، هل تريد معرفة الحقيقة؟" همست في أذنه.
اليوم الثاني والستون: "كانت تحب إدخال
الناس للعالم وكأنهم قطع أحجية".
اتخذت اليوم قرارًا يقضي بتعطيل أول لعبة
صنعتها رغم شهرتها الكبيرة، وأرسلت رسالة عبر الانترنت إلى مَن تبقى مِن لاعبيها اطلب
منهم فيها أن يقوموا بحذفها قبل حدوث الاسوأ. أشعر بالأسى لفعلي هذا، فهي أعز عليّ
من نفسي، صنعتها عندما كنت في اول سنوات الثانوية، لكن لو قارنتها باللعبة التي أنتجتها
في اخر سنوات الجامعة فهي لا تساوي شيئًا، بل وتبدو –في نظري-كلعبة أعدّها طفل في
الابتدائية، رغم أن شعبيتها في الوقت الذي نشرتها فيه قد فاقت توقعاتي، فقد وصل
صيتها إلى ما وراء البحار، وقام الكثير من الأشخاص بتحميلها ولعبها في غضون أسبوع من
رفعي لها! لكن... المشكلة هي في الشخصية الرئيسية، ماري. اختلفت بالكامل عمّا
برمجتها لتكون عليه، لكثرة مرات التحميل ومحاولات الفوز التي تنتهي بموتها أو
زيادة معاناتها، زاد غضبها وحولها حقدها من فتاة طيبة مخدوعة عالقة في عالمٍ تعيس،
إلى شيطانة مسيطرة تسعى للانتقام... الانتقام ممن كان سببًا في عذابها اللانهائي، فقامت
بقتل بعض الشخصيات وحذفهم من ملفات اللعبة بشهادة اللاعبين. في ذلك الوقت لم تكن
تشكل أي خطر، لم أفكر بجدية في تعطيلها حتى انتشرت اشاعات عن كونها تحب إدخال
الناس إلى عالمها، لتقوم بتركيبهم كقطع أحجية تتسلى ببعثرتها في وقت فراغها، عندما
لا يلعب بها أحد، لم أصدق هذا إلا عندما أصبحت في يدها.
اليوم الثالث والستون: ثمن فاحش، موسيقى،
بصريات.
تعاونت مع صديقي المتخصص في علم البصريات
لأجل صنع نظارة بعدسات خاصة، تسمح لمرتديها برؤية النوتات الموسيقية كأشياء مادية،
تتمثل أمام عينيه بدل الاكتفاء بسماعها. انقضى جزء كبير من عمري في التخطيط لهذه
الفكرة، بالإضافة إلى العزف والتأليف بصفتي موسيقيًا عاشقًا لمهنته منذ الصغر.
لطالما حلمت باليوم الي يقدر فيه الناس الموسيقى، ويتمكنوا من رؤيتها بعينيّ
وعزفها رغم اختلاف السنتهم واعمارهم، فهي اللغة التي يفهمها الجميع، وتصل كلماتها
إلى قلوبهم مباشرة متخطيةً اذانهم. قضينا وقتًا طويلًا في العمل، مرت أيام بل أشهر
كادت تتحول إلى سنين، واصلنا حتى احترقت أطراف اصابعنا، وأنهكنا عقلينا بالتفكير
طيلة الليل لكن كل هذا يهون مقابل استطاعتي لمس حلمي بيدي المجعدتين... لم يدم فرحي
بالنصر بعد انتهائنا إلا ساعات معدودة نمتها لشدة التعب، خُتمت برؤيا استغرقت سبع
دقائق صورت لي لحظة اعلاننا عن الاختراع وانتشاره في الأسواق، ثم حصولنا على
الكثير من المبالغ المالية مقابل السماح لشركة معروفة بتطويره وتصديره للخارج. لست
أهدف للمال حقيقةً لكنه نتيجة إيجابية يجدر بي تقبلها بصدر رحب. استيقظت على كابوس
لم اتوقعه ولو للحظة، اكتشفت متأخرًا أن صديقي لم يعد هنا... التسويق كان ضخمًا
وامتد حتى للبلاد الاجنبية، والثمن فاحش يتعدى ما صُرف على النماذج الأولية،
اختراع القرن وصفقة عظيمة مع شركة كما تقول الاخبار... فكرتي تُباع باسم صديقي.
اليوم الرابع والستون: "علينا إيجاد
صانع اقفال".
لبيتنا باب حديدي، قديم قِدم الوقت، قيل إنه
من يثبت الجدار الامامي كي لا يسقط لشدة متانته وصلابته. لا يتزحزح ابدا ولا يتغير
مهما تغير من حوله، سواء أكانت ألوان الحيطان، أو إطار النافذة، وحتى سكان البيت.
عاصر الباب جدي وورث منه صلادته، جدي الذي اُستُشهد مع زملائه فداءً للوطن، قام
الباب بوظيفته من بعده على أكمل وجه. لكن الحرب بلا شرف، فلا تكفيها الحدود ولا الجنود،
بل تمد يداها الملطختين لتطال المدنيين والضواحي. فكم شهدت دمار العديد من البيوت حولنا،
ومرت عبر شارعنا الكثير من الجنازات التي تحمل أشلاءً لأشخاص سحقوا تحت الحطام، يشيعها
مشردين جدد لا يملكون سوى كومة من قرميد تحتاج ما تستند عليه، وبضعةُ اغراضٍ يغطيها
الغبار. نعيش ايامنا محتمين بالباب، لا نعرف متى قد يحين دورنا، نتساءل فيما بيننا
عن صاحب الجنازة التي سنحملها أو عمّا إذا كان أحد سيهرع لإخراجنا من بين الأنقاض قبل
أن نصبح احافير تدرسها اجيال تعتبر المأساة الواقعة علينا قصة خيالية تصلح لتُروى
على اسماع طفل عنيد يرفض النوم. تعاقبت الهجمات ذاك اليوم، كانت عشوائية للغاية
لكنها لم تخطئ هدفها الوحيد، تدميرنا. لم نكن باستثناء من هذا، اصابنا ما أصاب الجميع،
وما عاد هناك شيء لنقلق عليه. تهدّم منزلنا بأكمله عدا الباب القديم... قلت
ساخرًا: "ربما علينا إيجاد صانع اقفال".
اليوم الخامس والستون: قسيسة خجولة، حائك،
مطر.
لقلة الرجال المتدينين الصالحين لمنصب القس من
سكان هذه المدينة، اضطرت الكنيسة إلى قبول ترسيمي كأول قسيسة انثى فيها، بعد فشلها
في العثور على بديل للقس السابق الذي توفى مؤخرًا ولم يوصي بشخص محدد ليخلفه. بالطبع
لست الوحيدة في العالم لكني أحد القلة، ولي بهذا شرف عظيم. على الرغم من احمرار
خديّ وتلعثمي الدائم عند التحدث للأخرين بخاصة الرجال، إلا أني أقوم بمهامي
وواجباتي تجاه الإله وتجاه المؤمنين به بكل اتقان... لم أقصد التفاخر بقولي هذا. في
الحقيقة لدي هواية أخرى إلى جانب عملي اليومي في الكنسية، وهي حياكة قطعٍ من
الملابس الصغيرة واغطية الرأس السوداء مستعملة قماشًا يُهديه إليّ زوارها الدائمون.
افعل هذا عادةً في الأيام الممطرة التي أحبها جدًا فهي هادئة ولا يحضر فيها الكثير
من الناس فتلغى المناسك إن صادفتها، لذا يصبح لدي متسع كبير من الوقت بعد أن انهي
عباداتي وواجباتي، لأحيك في سكون تام بينما استمع لصوت قطرات السماء تنهمر على
السقف. عندما انتهي من حياكة كمية مقبولة بعد يوم أو اسبوعين، أرتب المتقن مما
صنعت في أكياس ورقية، وأخذها لدار الايتام لعلها تعجب أحد الاطفال، ثم اهدي اغطية
الرأس للفتيات هناك واللاتي قد يصبحن راهبات في المستقبل. اُسعد كثيرًا برؤية
ابتساماتهم البريئة، وأحب طريقة اظهارهم الامتنان لهداياي عن طريق ارتدائها امامي خلال
زياراتي التالية.
اليوم السادس والستون: يمكنك كسر ذراعي أو
قلبي، ليس كلاهما، اختر بحكمة.
أردت أن أعيش حلمي الذي تحقق بسرعة حتى لو
كان ناقصًا، كافحت لا لأجلي وإنما من أجل طفلي الذي لم يولد بعد، فلا ذنب له في
ضعف أمه. تجاهلت الوساوس التي حثتني على الإجهاض، وعملت في كل وظيفة ممكنة كي أسدد
بعضًا من ديون زوجي بعد اختفاءه المفاجئ، ولأؤمن لابننا حياة كريمة. حدث وإن عاد
زوجي بينما يحتمي بكنف الظلام عن نظرات الازدراء، واصابع الاتهام الموجهة إليه من
قِبل سكان المدينة. لم يتحدث معي إلا قليلًا، ظننت أنه قد عاد لأنه يحبني، أو كي
يبرأ نفسه من التهم، أملت من كل قلبي أن تكون ادلة الشرطة مزيفة، صنعها أحدهم
ليبعد الشبهات عن نفسه، أحببته كثيرًا لكني كنت مخطئة... أخطأت في كل شيء منذ
البداية، الزواج به وتصديقه، والثقة به إلى حد سماحه لنفسه بالاعتداء علي...
تغطيني الكدمات فور اقترافي لخطأ صغير، لا أستطيع عد المرات التي تحدث فيها عن
التقاءه بالعديد من النسوة اللاتي هن أفضل مني. لم أتمكن من الإبلاغ عنه، كنت
خائفة، كلما فتحت فمي هددني بأبني، حتى طفح كيلي... بدأت خطتي كي انفصل عنه، تحدثت
إلى محامي وعينته مستخدمة النقود التي جمعتها خفية، عبرت الظلام أخذة ابني إلى
مكان أمن، استجمعت قوايّ صبيحة اليوم التالي وواجهته للمرة الأولى "يمكنك كسر
ذراعي أو قلبي ليس كلاهما، اختر بحكمة".
اليوم السابع والستون: طرح، سلام، تاريخ.
قبل بداية التاريخ وخلق الكائن الذي يلبس
التدمير ثوب التعمير والمسمى بالإنسان، عاش الكون ومخلوقاته غير المتحدثة في سلام
واتفاق. لم تكن هناك حاجة لحساب الأيام، أو التفريق ما بين السبت والاثنين. الشمس
تحضر النهار والقمر يحضر الليل، لا شهور ولا أسابيع، إنما أربعة فصول مختلفة تتغير
بشكل طبيعي وتندمج فيما بينها، حيث أن مطر الشتاء ينبت أشجار الربيع التي تحمل
ثمار الصيف وتسقط أوراقها مع هبوب رياح الخريف. يتغذى الكون ويُشفى ببعضه دون أي تدخل
خارجي، الأحجار الكريمة نائمة في طبقات الأرض لا تخشى أن ينغص أحد عليها سباتها. يتراكم
الطمي على طرحُ النهر بسبب حركة المياه، ويسبح السمك في عالمه الأزرق بينما يستنشق
الهواء النقي الخالي من اخبار سكان سطح الأرض. تنمو الأشجار لأٌقصى ما تستطيع فلن
يقطعها أحد ويحولها إلى كتب تتوسط كل صفحة منها جملة سطحية المعنى، وتعيش على
قممها الطيور، وتتسلق اغصانها القرود. لا يقلق الدب القطبي من ذوبان منزله وانجرافه
بعيدًا، ولا تجبر القطة على الزواج من قطٍ تكرهه. يموت الفيل بنابين اثنين في فمه،
ويبقى قرن وحيد القرن شاهدًا على معاركه لحماية عائلته. تبدل الافعى الشابة جلدها
كل أسبوعين ويرتديه السنجاب لتعلق رائحتها به فلا تفترسه. تتوالى الأمثلة وتتعدد،
لكنها تشير إلى شيء واحد فقط، هو السلام الذي عم الكون قبل وجود الانسان.
اليوم الثامن والستون: فخم، مهم، مكتبة.
اليوم التاسع والستون: زاوية قراءة، لعنة
الملك، أول مشهد.
اُشتهر كائن دخاني عاش منذ القِدم بكونه
طيبًا دمث الاخلاق، فأحبه من حوله ورفعوا مكانته بينهم حتى أصبح مهمًا ومعروفًا
عند بني جنسه، وغيرهم من الاجناس الكثيرة التي لم تعد موجودة الان. كما هو متوقع استخدمت
هذه المخلوقات المندثرة السحر لتسيير أمور حياتها، وبنت ثقافات ومدن تشبه بل
وتتعدى في التطور ما بذل البشر حيوات لا معدودة لإنشائه. وبالطبع ساهم ذاك البطل في
هذا بسحره وامواله، لكنه لم يكتفي بتعمير مدن فخمة ليسكنها الأثرياء، بل وقام ببناء
مدن ومنازل لا تقل عنها فخامة من أجل الضعفاء والمحتاجين ليعيش الجميع بشكل متساوي.
جذب هدفه هذا انظار العديد من الأشخاص من مختلف طبقات المجتمع، والذين يعتبرون هذا
البطل قدوة لهم، مما جعلهم يشاركون بكل ما يمكنهم من أجل جعله واقعًا يعيشونه. فأقاموا
حملات للتبرع بالمال، وعمروا المزيد من مدن الفقراء، وقام البعض باختراع أدوات تساعد
على تقوية السحر واهدوها لمن لا يملكون سوى القليل من القوى، لكن أهم ما فعلوه هو
اتحادهم على إسقاط ملكهم المستبد وتنصيب الدخاني كبديل له. رفض ذلك كثيرًا فلم يكن
يهدف للشهرة أو للمال أو حتى لكرسي الحكم، لكن إصرار المواطنين جعله يوافق بشرط أن
يكون هذا لمدة قصيرة ينتخبوا بعدها حاكمًا اخر أكثر جدارة منه بهذا المنصب العظيم.
بدأ اليوم الأول له في القصر ومعه عائلته واحباؤه، جلس على العرش متوترًا لكنه
سرعان ما اعتاد على وضعه الجديد بمساندة وزيره الذي يكون صديقه المقرب. في الوقت
نفسه كان الملك السابق يستشيط غيضًا لخيانة شعبه له وما آل إليه حال مملكته بدونه،
لذا قرر الانتقام. تنكر بزي مدني فقير قد اتى إلى هذه الدولة لأنه سمع عنها
الكثير، وصنع قصة مزيفة عن حاجة عياله للطعام وشدة فقرهم، فأكرمه المواطنين أحسن
إكرام، وأعطوه من المال ما يقدر بضعف ثروته، واستطاع أن يؤمن لنفسه وظيفة في متجرٍ
لأدوات السحر، وسمعة طيبة بعكس سمعته السابقة. لم ينطفئ حقده رغم كل هذا، بل جعله يعمل
بجد ليخدع الجميع من بينهم الملك الدخاني الذي قربه منه جاهلًا بخبثه وسوء نيته. بفضل
وظيفته تعلم السابق الكثير عن السحر وبخاصة سحر الختم، فخطط لأن يقوم بختم الدخاني
عندما يغفل عنه، كي تعود المملكة تحت حكمه مجددًا، وهذا ما حدث بالفعل... تعرض الدخاني
للعنة الملك وخُتم في كتاب سحري صُنع لهذا الغرض، عاش فيه لملايين السنين دون أن
يدرك الدمار الذي حل بشعبه، اندثر خلالها السحر واُستبدل بالتقنية الحديثة، وبني
مكان القصر مكتبة عملاقة احتضنت سجنه بين رفوفها. حتى اقتاد الفضول بشرية إلى مكان
بعيد عن زوايا القراءة في المكتبة، وجعلها تقتحم السجن لتحرر البطل، فكان أول مشهد
يراه منذ سنين عدة هو وجهها المتعجب.
اليوم السبعين: يسعدني أن...، X2، شريعة.
شريعة الغاب حيث البقاء للأقوى لا تقتصر على
المخلوقات غير الناطقة التي لا تسكن البنيان، بل إنها تمتد إلى الانسان وتتجلى
بوضوح في تعامله مع بني جنسه، مهما حاول البعض إخفاء هذا. كما هو معلوم أنه قد ولد
للملك توأمان، تربيا لخمسة عشر عامًا في كنف والديهما –والخدم-وسط بيئة صحية،
بعيدًا عن أمور الحكم والرئاسة الخاصة بوالدهما، لكن بما أنهما وصلا إلى سن البلوغ
مؤخرًا فقد حان الوقت لاختيار ولي العهد المناسب من بينهما، وذلك عبر منافسة قوى امتدت
لسنة يكسب الفائز فيها كل المجد، وينتظر الاخر دوره الذي لن يأتي غالبًا. حسب ما
أعلنه الملك في خطابه المُلقى علينا لما جمعنا في يوم حُدد تاريخه قبل أسبوع منه.
لم ينبس بأي تفاصيل أخرى بشأن هذه المسابقة لذا لست متأكدًا من ماهيتها. قد تكون
مجرد لعبة حجرة ورقة مقص بين الفتيين، أو قد تكون قصة مختلقة لتزكية وتلميع صورة
ولي العهد المختار مسبقًا، كي نتبعه ونعهد له بالطاعة الكاملة حين تنصيبه ملكًا
علينا. ظهر التوأمين المتشابهين لأول مرة منذ بلوغهما بجانب والدهما عندما وصل
للجزء المهم من خطابه المبدوء بتمجيد الإله ثم المملكة وخيرات أرضها، الذي هو
تحديد ولي العهد... "يسعدني أن أعلن في هذا اليوم المجيد عن الابن الذي
سيخلفني أرضي وشعبي، الا وهو..." اُغتيل الملك قبل انتهاء كلامه.
اليوم الحادي والسبعون: كتب ممزقة، فساتين
ممزقة، شعر بني مغطى بندف الثلج.
رياح باردة حديثة الولادة تتبع اختها
الكبيرة المسماة بالعاصفة الثلجية، لتمر فوق اثار الدمار التي خلفتها أملًا بأن
تتعلم القليل عن خطورة غضب الرياح. وصلت إلى منطقة نائية تغطت ارضها بطبقة سميكة
من الثلج، تبرز منها أشلاء كوخ خشبي انفجر بكاءً في وجه العاصفة الحانق، وتهاوت
بجانبه جثة حية لفتاة ذات شعر بني مغطى بالندف، محظوظة هي لأنها لم تُقذف إلى مكان
بعيد عن بيتها. نهضت بصعوبة وهي متكئةٌ على حزنها، لتلملم اغراضها المتناثرة
المدفون معظمها تحت الطلاء الأبيض الذي صبغ المكان. وجدت كتبها المفضلة ممزقة وقد عُلق
أحدها على غصن يابس تحمله شجرة بعيدة، والفستان الذي كان اخر ذكرى ملموسة من أمها
الحنونة، قد تمزق مع باقي ملابسها القليلة. تكتم نشيجها بينما تجمع أجزاءً من أوراق
رطبة، وقطع قماش لا يُعرف لونها لشدة الظلام لتضعها فيما تبقى من أساسات منزلها.
ثم اخذت تحفر بيديها العاريتين علّها تجد غرضًا سليمًا حتى أبيضّت اناملها. ما
عادت بأصابعها تشعر، كفكفت ماء العينين وضمت اليدين متمنيةً منزلًا أكثر دفئًا وألبسة
جديدة تعوض القليل مما فقدته هذه الليلة. أبيضّ جسد الفتاة أكثر فأكثر حتى بدأ
بالتلاشي، لم تستطع الرياح الصغيرة فعل أي شيء سوى العبور خلاله مبتعدة كي تلحق
بخطى اختها التي هدأت واضمحلت متحولة إلى ندفة ثلج تسقط فوق نهر متجمد لتذوب عليه.
اليوم الثاني والسبعون: "التعليم يبدو
خيارًا وظيفيًا غريبًا لشخص لم يرتد المدرسة قط".
لو كنت خريجًا جديدًا وقررت البحث عن وظيفة
فالخيارات كثيرة وجميع الأبواب مفتوحة لك، لكن ماذا لو كنت شخصًا أميًا لم يرتد
المدرسة قط؟ العمل في قطاع التعليم سيكون خيارًا مجنونًا صحيح؟ هذا ما فعله جدي
القروي ذا السبعين عامًا. لم يكن يعلم الناس اشياء معقدة كالقراءة أو الفيزياء، بل
كان يعلم طريقة صنع الملح البحري التي توارثها من اجداده، لصفوة من شباب القرية اختارهم
بنفسه. ابنته التي تكون أمي وحفيده الوحيد الذي يكون أنا، لدينا وظائف أخرى في
المدينة البعيدة وبسببها لا نستطيع أن نرث صنعته، تفهم جدي هذا وأحترم رغباتنا لذا
أصبح يبحث عن وريث اخر فلم يرد أن تندثر مهنة عائلته العريقة بموته. وبالفعل
استطاع إيجاد شاب مناسب، إنه شخص شغوف وفي مثل عمري، التقيته في المرات القليلة
التي عدت فيها لزيارة الجزيرة حيث عشت أجمل أيام طفولتي. أصبح هذا الشاب محترفًا
في فترة قصيرة، قد يكون هذا لأنه يبذل جهده في كل مهمة توكل إليه، لكني متيقن من
أن السبب الرئيسي هو طريقة جدي في التدريس، فقد علمني الكثير من الأمور المهمة في
الحياة، منذ طفولتي وحتى عندما كبرت، مما جعلني أصبح الرجل الذي أنا عليه اليوم. شكرًا
جدي وشكرًا أمي، فعلتما الكثير من أجلي، أرجو أن تنعم روحيكما بالراحة في النعيم
الأبدي، سألحق بكما قريبًا.
اليوم الثالث والسبعون: غير مقدس، شفقة،
العودة.
سمعت مواءً ضعيفًا يتردد أمام منزلنا، خرجت
لأتفقده وإذا هو يصدر من قطة صغيرة لا تقوى حتى على المشي. اشفقت عليها، أردت
حمايتها والاهتمام بها لكن... هذا المنزل الذي تجتهد أمي كل يوم في تنظيف كافة زواياه
هو مكان مقدس بالنسبة لها، ولا يمكنها تحمل اقتحامه بواسطة قطة ضالة لا يُعرف أي
مرض تحمل، وكم طنًا من الوبر ستنثر في غرفه المؤثثة بباهظ الاثمان. لن أترك هذه
الصغيرة في الشارع لهذا السبب بالطبع! سأبحث عن جهة غير مقدسة لتبيت فيها واحرص
على أن تكون مناسبة لها. كانت زاويةً صغيرة بجانب الباب الخلفي في المطبخ، مكان
ضيق وصعب الوصول إليه لكن لا مشكلة بهذا. استمر الوضع لتسعة أشهر، أحضرت فيها كل
ما استطاع جيبي توفيره من أدوات وأطعمة والعاب لقطة صغيرة في طور النمو، اعتدت عليها
وألفتني للغاية فأصبحنا أفضل صديقين. يومها كانت صغيرتي ستبلغ سنة من العمر حسب
تقديري، لذا بقيت في الخارج لوقت أطول من المتوقع، كي أبحث عن هدية ملائمة
للاحتفال بهذه المناسبة. يبدو أنها لم تدرك هذا، بل وظنت ايضًا أني تخليت عنها
فرحلت... بحثت في كل مكان أملًا بأن تكون مزحة ثقيلة، أو مفاجأة أخرى أعدتها لي لاكتشف
أني قد رجعت لكوني وحيدًا... مهما انتظرت، أو ملأت الباحة بطعام القطط، لم تتمكن
قطتي من العودة مجددًا.
اليوم الرابع والسبعون: خطأ يتحول إلى ذكرى
جميلة.
كنت في طريقي إلى مقابلة مهمة مثيرة للتوتر،
ادائي فيها يحدد ما إذا كنت سأحصل على وظيفة احلامي، أم سأعود خائبًا إلى شقتي ذات
الغرفة الواحدة لأملئها بالفوضى كما تكون في العادة. وصلت... تفصلني عن مبنى
الشركة حديقة عامة مكتظة بالأطفال، جلست فيها عليّ استمد من ضحكاتهم ما يبهجني
ويساعدني على المضي إلى هدفي، لكن كل ما فعلته هو بث السلبية في الهواء عبر تنهدات
طويلة زفرتها بينما أنظر إلى موضع قدميّ حتى انحنى عنقي. كنت اماطل فحسب، أعلم أني
سأفشل لو ذهبت وما أكد لي هذا هو شعوري ببرودة مفاجئة على فخذي... نظرت فإذا هي
كرة مثلجات بيضاء اوقعتها فتاة... أعني ملاك عليّ بالخطأ. اعتذرتْ مرارًا وحاولت
تنظيفها بمنديلها الوردي المعطّر، رغم أني لم أعي أي شيء من هذا، لأني كنت مسحورًا
بجمالها. طلبت منها الجلوس للتحدث قليلًا، ظنت أني سأقاضيها واجعلها تدفع ثمن البذلة
الغالية، التي يبدو أنها حولتني إلى أحد رجال الطبقة المخملية، حيث يُحل كل شيء
بمال أفراد الطبقات الأدنى. بصراحة تامة هدفي كان هي لا مالها. لم احصل على
الوظيفة في النهاية-لأني لم اذهب-لكني حصلت على ما هو أفضل، رقمها. لم أرد أن أغسل
رائحتها، فبقيت البقعة كشاهدٍ على لقائنا الأول. ذكرتها بالقصة في ذكرى زواجنا الأولى،
التي ارتدت فيها فستانًا سخيف النسج أصفر اللون.
اليوم الخامس والسبعون: "إنه يلوي
مصيره بين أصابعه..."
أخي مدخن شره، لا أعلم ما الذي جعله يصل إلى
هذه المرحلة. لطالما حُذرنا من التدخين لما كنا صغارًا، وعُلّمنا أنه تصرف خاطئ ينافي
كل التعاليم والقوانين الوضعية والسماوية. كم تحزنني رؤيته يلوي مصيره بين أصابعه،
ويحرق رئتيه وماله بغير سبب وجيه. في البداية قال إنها تجربة صغيرة عليّ ابقائها
سرًا عن والدي، ثم تحولت التجربة إلى نشاط اسبوعي، يُفعل مرة امامي ومرة خلف ظهري،
أشم اثاره إذا لم ارَه عندما يعود إلى المنزل في وقت متأخر ويدخل غرفتنا المشتركة لينام.
لاحقًا أصبح أخي يدخن كل يوم، لم تمر مدة طويلة حتى صار يفعلها بجراءة في العلن
أمام أنظار الجميع ومنهم والدي... حاولنا نصحه وجره إلى ندوات تعالج من هم في مثل
حالته، لكن هذا لم يفده. انتكس حاله وتفاقم إدمانه إلى درجة تدخينه عدة علب في
اليوم، دون ذكر ما طرأ عليه من تغيرات. لم يعد أحد يتحمله فناء بنفسه ليسكن غرفة
خارجية قريبة من المنزل، حتى قامت امي بطرده متوعدة بأنها لن تسمح له بالعودة حتى
يقلع، وانهارت بعد رحيله... لم نسمع عنه أي شيء منذ ذلك الوقت، لا خبر وفاة ولا
خبر تعافي، حتى ظننت أن جميع افراد العائلة قد نسوه... عداي. اُعطيت رسالة منه عندما
ذهبت لأتأكد من جثته، كَتب فيها أنه قد بقي القليل لشفائه.
اليوم السادس والسبعون: مرج، هروب، فستان
منقوع في الندى.
كل فجر أخرج من جحرنا الصغير هاربة إلى
المرج، كي أتجول فيه وأمرح حتى يصبح الكون، وتأتي جدتي لتسحبني إلى غرفتي بينما
توبخني وهي غاضبة. يحدث هذا كل يوم على مرأى ومسمع الجنيات الاخريات اللاتي في مثل
عمري، ولا امانعه البتة طالما استمتع بالمكان كله لوحدي حتى لو كان ذلك لساعة
واحدة فقط. ورثت حبي للشغب من والدتي التي توفيت عندما كنت طفلة، أحببت رؤيتها
تطير بين ازهار الصباح المتفتحة حديثًا بينما يتناثر غبارها السحري القليل في
المكان، تعود إليّ بعد انتهائها بفستان رطب تنقع في الندى، وتزين شعري ببتلة صغيرة
قطفتها خلسة، ثم نذهب معًا إلى المنزل حيث جدتي التي تقوم بتوبيخنا. صحيح أن أمي كانت
ضعيفة الجسد والسحر لكنها استطاعت انجابي ورعايتي كما تفعل أي أم بل أفضل حتى. لطالما
حاولت تقليدها في كل شيء تفعله، حتى مظهرها وتصفيفة شعرها، أخبرني الجميع بأني
أشبهها حتى مر عليّ زمن ظننت فيه أننا سنتشارك نفس المصير... لكن لا! سأعيش حتى أتمكن
من تحقيق انتقامي من البشري الذي قتل والدتي! لن اسامحه ابدًا إلى أن يلقى نفس
مصيرها حتى لو عنى ذلك موتي معه. درست وتدربت، وصلت إلى اسرار السحر المظلم وتتبعتها،
فتحولت إلى جنية مظلمة يتجنبها ويبغضها الجميع. حان وقت انتقامي، أعرف رائحته وأين
يعيش، وها أنا في طريقي إليه...
اليوم السابع والسبعون: مزيفون، تمرد، نكبة.
يمر عالمنا بكارثة كل سنة يتعاظم تأثيرها على
المتضررين منها مع مرور الوقت بالرغم من وجود ناجين كثر، وهذه السنة ليست استثناءً
من ذلك، حيث حلت علينا نكبة جديدة لا يُعرف لتجاوزها سبيل بعد. عدو جديد آتى ليحقق
انتقامه من البشرية، ماذا سيكون مصيرنا؟ هل نواجه خطر الانقراض؟ أم سيعود عصر
العبيد والجواري؟ لمزيد من التفاصيل تابعوا التقرير التالي. دق ناقوس الخطر،
وشُغلت صفارات الإنذار في العديد من المدن من حول العالم لتنذر مواطنيها بشأن
الخطر المحدق بهم. أنباء كثيرة عن أشخاص فُقدوا لليلة ثم عادوا للظهور بشخصيات
مختلفة تمامًا عن السابق، وأخرى عن عودة أشخاص للحياة بعد إذ كانوا تحت التراب
لسنين طويلة وبشخصيات مختلفة ايضًا. يشهد العالم الان هجومًا من نوع آخر، هجوم
عنيف يتم من قِبل نسخ شمعية مطابقة لأشخاصٍ حقيقين بهدف استبدالهم، بعد أن دبت
فيهم الحياة بطريقة مجهولة وتمردوا على صانعهم، الذي اُعتقل مؤخرًا ويرفض الاستجابة
للتحقيقات، مستغلًا حقه بالتزام الصمت حسب اقوال الشرطة. هذا كل ما استطعت جمعه، رغم
بطء انتشار هذا الخطر إلا انه مخيف، لذا أرجو من السادة المشاهدين اخذ الحيطة
والحذر فقد يكون كل من حولك مزيفون، حتى أنت... احترس من نفسك من فضلك. قالت
الصحفية هذا وهي تنظر إلى عيني مباشرة كأنها تعلم أني أجلس بجانب نسختي البشرية المضرجة
بدمائها.
اليوم الثامن والسبعون: شراء اندفاعي يؤدي
إلى حرب بين المجرات.
أعلن طفل فضائي غني من مجرة بعيدة فجأة عن
رغبته بشراء كوكب المشتري وبضع من أقماره التي لم يستطع عدها على انامله الصغيرة.
أمر بتجهيز حاشية ضخمة ومركبة فضائية كبيرة بما يكفي لتسعهم، ثم انطلق بهم إلى المكان
حيث يقام الاجتماع الدوري لسادة وسفراء المجرات من حول ارجاء الفضاء دون علم والده.
لم يمانع الحراس وجوده لظنهم أنه يرافق والده، فسمحوا له بالبقاء بشرط ألا يدخل
قاعة الاجتماع، لذا ظل يلعب ومرافقيه بالخارج حتى انتهى الكبار من حديثهم الممل
والطويل، تقدم الصغير عند ذلك إلى حاكم المشتري وحدثه بلغة فظة لا تتناسب مع مقامه
عن خطته السرية... صُدم المشتري بهذا، وأعتذر الوالد فورًا عن تصرفات طفله المغرور
مقدمًا الحجة المعتادة وهي أنه طفل أفسده الدلال الزائد وسبب له حالة من الشراء
الاندفاعي وقليل من الانانية، مع وعد ببذل المزيد من الجهد في تربيته، لئلا يتكرر هذا
الفعل الوقح مجددًا. لم يقتنع أي أحد بهذه الحجة الواهنة، خاصة وأن الطفل مصر على
كلامه، أعلنت مجرة درب التبانة الحرب وتبعها حلفاؤها، فلا يوجد سبب مقنع في هذا
العالم يدفعهم للتخلص من كوكب واحد. اُعيد الاجتماع من البداية، وانقسم إلى قسمين،
فئة ترفض الحرب، وأخرى تؤيده، وبقي الطفل في الخارج ينتظر حصوله على كوكبه الخاص،
ولم يدرك أنه قد نفث النار على الفتيل.
اليوم التاسع والسبعون: مكمل، سحر، كلام
فارغ.
أتعرف ذلك النوع النادر من الأشخاص الذين
يمتلكون سحرًا غريبًا في كلماتهم يجعلك منجذبًا إليهم وعاشقًا لقضاء الوقت معهم؟
كان لدي قريب بهذه الصفات. كلامه كالذهب أو أثمن، يتحدث بالحكم الكثيرة المغلفة
بطبقة رقيقة من عسل الكلمات المنمقة، وجوده أساس المجالس ويُقدم للضيف قبل القهوة،
نصيحة منه تساوي عشر اطروحات من خبير مهما كان الموضوع المطروح. إن كان في الصحة
فهو الطبيب، وإن كان في الأدب فهو الخطيب، قيل هو المربي والشاعر، وقيل هو الطاهي
الماهر. اختليت به مرة بعد أن فض المجلس وقام القوم لأسأله عن سر حكمته، أخبرني
بعد تردد ووعيد بأنه يتناول مكملًا غذائيًا سحريًا حصل عليه بطريقة ابقاها سرًا لنفسه،
وهو ما يجعله يتحدث بهذه الطريقة المبهرة. أثبتت لي الأيام صحة اعترافه، فلا قراءة
نهمة ولا مدرسة تكسب المرء من العلم والبلاغة ما لديه. فقد زادت حنكته إلى حد وصول
اسمه إلى الدول الأخرى واكتسابه سمعة عند اهلها، حتى إذ بلغ ذروة تأثره بالدواء فصار
يتحدث عن اسرار الكون وبعض الأمور الغيبية بجنون غير معهود، مما جعل البعض ممن
كانوا يتحلقون حوله بلهفة يخرسونه ويتجنبون مجلسه. استمر حاله بالتدهور وما عادت
الفاظه بنفس التأثير، رحلت حكمته واخذت معها بعضًا من عقله، فغدا شخصًا مملًا
يتلفظ بالكلام الفارغ إيمانًا منه بأن هذا قد يعيد له مجده السابق.
اليوم الثمانين: طوب مكسور، اظافر مطلية،
سايبورغ.
أدعى ليلي، أعمل بدوام كامل في صالون لتجميل
الاظافر، حياتي هادئة للغاية ولا اتمنى ما هو أكثر. التقي بالعديد من السيدات
الانيقات اثناء ساعات عملي، أعرف بعضهن جيدًا لانتظامهن على زيارة الصالون، وأتعرف
على الباقي بالتدريج بينما أطلي أو أقلم اظافرهن. كما قلت سابقًا لا شيء مميز في
حياتي، ولا شيء مميز في ادائي لوظيفتي، وايضًا لا شيء مميز في مقر عملي... إنه
صالون صغير بتصميم عادي واثاث بسيط بنمط حديث. الشيء الوحيد الذي قد يكون مختلفًا
هو وجود جدار من الطوب غير المصبوغ كواجهة للمحل، كان صامدًا منذ لحظة الافتتاح ما
تغير فيه شيء. قد يكون شكله الغريب عن بقية المباني من حوله هو من جذب الزبائن لنا،
ما زلت لا أعرف سبب بناءه بهذه الطريقة، ولا سبب عدم سؤالي المديرة عن ذلك سابقًا.
تغير كل شيء بالأمس، أُختُرِق الجدار وتكسر طوبه من قِبل امرأة طويلة، تبدو بنيتها
مختلفة قليلًا عن بقية النساء، وعيناها حمراوتان مشعتان كأنهما مستعدتان لإطلاق
الليزر. عبرت من بين الحطام بتعابير ثابتة، وجلست دون ان تهتم بنظرات الذهول
الموجهة إليها. اقتربت منها فسمعت صوت ازيز منخفض وكأن هناك محركًا بداخلها...
قالت بصوت عميق أنها تريد طلاء اظافرها بالوردي الفاتح لأن لديها موعدًا بعد قليل،
ولما رأت حولي الكثير من الأسئلة انهتها بقولها: "أجل أنا سايبورغ".
اليوم الحادي والثمانون: تحكم بالعقل، فواكه
غضة، رداء المستشفى.
لبست رداء المستشفى استعدادًا لمكوثي الطويل
فيها، بعد أن اُوهمت ووالدتي بأن ما أحمله في احشائي هو مرض غير معروف، وليس نزلة
معوية عادية من الممكن أن يُصاب بها أي فتى في عمري، وهذه كانت الطريقة التي حصلوا
بها على فأر تجارب أخر ليضيفوه إلى مجموعتهم. حُرمت من لقاء والدتي لبضعة أشهر تعرضت
خلالها للعديد من التجارب الفظيعة، التي لا أذكر منها أي شيء سوى الألم الذي أشعر
به بعد انتهائها، إضافة إلى شعور الفزع عند رؤية الأطفال الاخرين يخضعون لها وهم
مسلوبي الإرادة. أخر ما رأيته اليوم كان الوميض البنفسجي لعيني الممرضة الشابة
التي أتت حاملة فاكهة غريبة غضّة... عندما استعدت وعييّ كنت قد اكلت نصفها المسموم
بالفعل. لطالما اخفيت مقدرتي على التحكم بالعقول عن أي شخص ليس من افراد عائلتي،
ولم استخدمها إلا مرة بالخطأ في طفولتي حرمّتها على نفسي بعدها. لم أفكر بصقل هذه القدرة
والاستفادة منها إلا مؤخرًا من أجل إنقاذ حياة والدي المريض، حيث تم تهديدي بقتله
إن لم اتعاون. مهمتي كانت قاسية في البساطة، وهي تمثيل دور ممرضة ذات عينين
بنفسجيتين، تحمل بين يديها الموت الذي يرتدي زيًا مختلفًا كل يوم، وتهديه للأطفال المرضى
بعد أن تسلبهم إرادتهم ليلعبوا به دون أي اعتراض، ثم تسجل ما تلاحظه عليهم وترحل وهي
تجر ذيلها المدبب خلفها.
اليوم الثاني والثمانون: شجاع، مراقبة، إلى
اللا نهاية.
صنعت مستكشفًا للأشعة فوق البنفسجية خاصًا بي بعد عدة أشهر من المحاولات! إنه سهل للغاية، لا أعلم لم لا تنشر المنظمات هذه التجربة البسيطة للعامة، لم أكن لأتأخر في صنعه رغم سهولته لولا قلة المعلومات. لا يهم هذا الان، أستطيع واخيرًا مراقبة النجوم متى وكيفما شئت. هدفي هو الكشف عن غموض الثقوب السوداء وما بداخلها من اسرار لم يسبقني إليها أحد، لأصبح العالم الأكثر شهرة في العالم وأحصل على الكثير من الجوائز. لكن قبل هذا عليّ البحث أكثر كي أعرف طريقة إطلاق هذا الجهاز... أكره تلك المنظمات البخيلة. كان من الصعب إيجاد مكان فارغ لاطلقه فيه كي لا تمسكني الشرطة ويضيع جهدي هباءً، فمرت عدة أشهر إضافية ضاعت في البحث بين الكتب والمصادر الأخرى، وبين البحث في الشوارع والحدائق، لكن النهاية هي أن المستكشف قد وصل إلى الفضاء وأنا أمام الشاشات في منزلي على الأرض. حصلت على الكثير من الصور لنجوم ومجرات لكن لا شيء من ذلك مهم، أحتاج إلى صور أو اشارات تدل على ثقب أسود مهما كان صغيرًا. ايها الثقب اين انت؟ لدي الحماس والشجاعة الكافيين لأقفز بداخلك، لن اؤذيك! سأصورك فحسب، لتظهر! مهما بحثت وانتظرت فلا أجد شيئًا سوى تلك الاجرام المشعة، ورسائل الاعتذار عن القبول من الوكالات المعنية بأبحاث الفضاء، لن استسلم وسأظل أبحث إلى اللانهاية.
اليوم الثالث والثمانون: بيت زجاجي،
رومانسية بين عالم حشرات وطبيب.
أعمل وصديقي المجنون الوحيد في بيت زجاجي
يقع في أعماق الغابة، نجمع فيه النباتات الغريبة الجاذبة للحشرات من أجل دراسة
تصرفاتها في بيئة مشابهة إلى حد كبير لبيئتها الطبيعية، فهو العالِم المجنون وأنا
المساعد. بغض النظر عن طريقة عمله الفوضوية، وسوء اختياره لألفاظه خلال تعامله مع
الجميع، وشجاره الدائم مع منافسه بشتى الطرق المعقولة وغير المعقولة، فهو عالم
مذهل ويظهر نتائج مدهشة في ابحاثه، لا بد لي من الاعتراف بهذا. وكما قلت سابقًا
إنه وحيد بلا أصحاب أو زوجة، لكن الحظ ابتسم بل ضحك في وجهه ونساني. التقى بزوجته
المستقبلية في قسم الطوارئ عندما أُصيب بلدغة من حشرة سامة، لم يكن الأمر خطيرًا
كما يبدو وتعافى في وقت اقل من المتوقع. بالطبع سيفعل وتلك الطبيبة الجميلة تهتم
به كل يوم... لست أحسده! صدقوني. تعرفا على بعضهما في غرفة المشفى ثم أصبحت تزورنا
في مقر عملنا، هنا علمت أنهما يتواعدان بالفعل. لكن ماذا عني؟ ما ذنبي لأشاهدهما
يتغازلان امامي لمدة سنة، واحضر زواجهما غير تعاستي وسوء حظي؟ ليت الزواج غيره على
الأقل، صحيح أنه ترشح لجائزة علمية مشهورة بعد ذلك بعدة سنوات، إلا أنه ما زال
يتنافس مع عدوه ذاك كالطفل... واخر ما حدث بينهما اثبت لي هذا، حيث كانا يهدفان
إلى الحصول على دمية نادرة من أحد الات صالة الألعاب.
اليوم الرابع والثمانون: العاب نارية، تجديل
شعر، كلاب نائمة.
ليلة المهرجان، وبعد أن انتهى الجميع من
الاحتفال وتناول الطعام، حان وقت الألعاب النارية. تفرق الناس بعد إذ كانوا
مجتمعين، وذهب كل نفر منهم إلى المكان الذي اتفقوا عليه مسبقًا، ليرتاحوا فيه
ويشاهدوا العرض السماوي المبهر. بالنسبة لي اخترت مكانًا بعيدًا، بعيدًا للغاية الا
وهو حافة الجرف الذي يقع نهاية الغابة، ويُرى من تحته منظر للمدينة كاملة. هناك
حيث اذهب مؤخرًا لأقابل صديقتي الوحيدة، آثي. إنها فتاة موهوبة للغاية، تعيش
بمفردها في الغابة وتستطيع التحدث مع الحيوانات! رأيتها تحتضن كلبي الحراسة
الخاصين بالسيد سميث اللذان ضاعا منذ يومين، وقد ناما بقربها بكل ألفة وكأنهما
يعرفانها منذ وقت طويل، استطعت وللمرة الأولى التربيت عليهما دون أي خوف من العض.
أحب البقاء مع آثي كثيرًا، بخاصة في الساعات المتأخرة من الليل كي نتحدث في شتى
المواضيع الانثوية حتى تشرق شمس الصباح ثم أتسلل عائدة إلى منزلي. هذه الليلة ليست
استثناءً من هذا، لكنها ليلة مميزة بطريقتها الخاصة لأنها ليلة المهرجان. حولنا
السماء الرحبة إلى مسرح من الضوء نعرض عليه خيالاتنا واحلامنا، حتى أغلقت ستائره
وعمّه الهدوء. قامت آثي بتجديل شعري بينما أحكي لها عن مظاهر المهرجان والاسطورة
التي يقوم عليها، استمتعتْ بها جدًا وبقينا نتحدث حتى اشرقت الشمس لتختفي آثي بين
اشعتها كما العادة. ودعتها بضم الكفين، ورجعت مع الكلبين إلى المنزل.
اليوم الخامس والثمانون: وباء، قطعة طبشور،
صبغة خضراء مُزرقة.
ولدت بقطعة طبشور في يدي، أو هذا ما يقال لي
عندما أُظهر موهبتي في الرسم بالطباشير، لأي شخص كان حولي في فترة طفولتي التي عشتها
وسط اسرة محبة، حمتني من كل مظاهر الشر المنتشرة في العالم الخارجي. بسبب هذا لم
أعرف أي شيء عن الوباء المتفشي من القدم وحتى اليوم، والذي أُصيب به بعض من أقربائي
وزملائي في المدرسة إلا عندما وصلت إلى المرحلة الثانوية. إنه مرض غريب، لا يُظهر
المصاب به أية أعراض جسدية، بل يبدو كأي شخص سليم حتى يرى أو يعلم أن شخصًا ما
كائنًا من كان، قد امتلك شيئًا لا يستطيع هو توفيره، أو حقق إنجازًا لم يستطع
الوصول إليه، أو غير ذلك من النجاحات، فيُصبغ بصبغة خضراء مزرقة قبيحة، تُعمي عينيه
وتغلق قلبه وتلوي تفكيره إلى أن تجعله يتمنى فشل ذاك الناجح بأي طريقة كانت، حتى
لو عنى ذلك أن يصبح هو السبب الرئيسي فيها. لأكون صادقة واجهت العديد من ضحايا هذا
المرض، وتأثرت ببعض افعالهم تجاهي لكن هذا لم يمنعني من الاستمرار بتطوير موهبتي. كدت
أقع في فخاخه عدة مرات، وبصعوبة استطعت حماية نفسي وغيري مني. بذلت جهدي وركزت على
ما بين يدي، وما يمكنني فعله والوصول إليه، ركنت الكثير من جوائز مسابقات الفنون في
غرفتي، وها أنا اليوم أعلم الناشئين طريقة التفوق عليّ.
اليوم السادس والثمانون: 5K، كحولي، ذابل.
بعد انقطاع دام لخمس سنين، عزمت على العودة
لأستفرد بالساحة وأطهرها من المدّعين المتكّسبين الذين قد ازدادوا عددًا في الآونة
الأخيرة، ونالوا من الشهرة ما لا يستحقون. تعرفهم بسيماهم كثيري المال فقراء
الأدب، قليلي الحكمة أغنياء الطمع. ملأت كتبهم ممسوخة الأفكار سطحية المفردات
عامية اللغة أرفُف المكتبات، وأرسلت أكوامًا من كتب العظماء إلى المستودعات، حتى
ما عاد الناس يلتفتون لها. لا أقول هذا حسدًا ولا غِلًا، بل أن أي شخص ضليع في
الأدب سيدرك مدى سذاجة مؤلفاتهم بعد قراءته لصفحة واحدة منها. أسررت الحرب عليهم وبدأت
بتحصين وتعزيز دفاعات حدود مملكتي لمنع الأعداء من الولوج إليها، أي أغلقت هاتفي
ونافذة غرفتي. أوصدت الباب وحجزت نفسي في عالمي الخاص، مكونًا بيئة لا تخجل بنات
أفكاري من التجول فيها وهن عاريات. أسلحتي كانت اطنانًا من مشروب كحولي بنسبة سبعة
بالمائة، ومشغل يحوي عدة البومات لمقطوعات موسيقية هادئة تسافر بروحي إلى أبعد مما
تريد. استفقت من حلم طويل، لا أعلم كم يومًا أو سنة حُبست بداخل هذا السجن، وأظن
أني نسيت جزءًا من عقلي في جوفه، لكنها تستحق هذا العناء. انهيت تحفتي وأخذت أتصل
بكل الناشرين والنقاد الذين أعرفهم كي يرافقونها بدلًا عني وهي تمشي عبر الممر
مرتدية زيها الأجمل لتُزف إلى العالم باسم الكاتب الذي أخضّر قلمه الذابل وباع
خمسة الاف نسخة.
اليوم السابع والثمانون: خد ملطخ بالدموع،
نافذة مغلقة، سماء منتصف الليل.
تقول الأسطورة التي تشاع قبيل نهاية كل سنة:
أن الغائب الأحبّ لقلبك سيعود إليك في أحد أيام... اختلف الناقلين في نسبة هذه
الأيام، فبعضهم قد أثبت نسبها لشهر سبتمبر، والبعض الاخر لأكتوبر، وقيل إنه أغسطس.
ولربما سمعت خبرًا يفيد بأنها ستكون في الربيع، فهو الفصل الذي تشرق فيه الأرض
وتذوب عنها الثلوج، ليبدأ كل شيء بالنمو من جديد حتى ترجع الحياة إلى سابق عهدها. رغم
كل هذا فقد أتفق الأصل والناقلين، وكل قوانين الكون على شيء واحد هو أن الغائب
سيعود يومًا. سيعود عندما تنتبه من غفوتك في منتصف الليل، لتكمل عد نجوم سماءه وتقارن
بين مجموعها وعدد خيبات أملك ليتبين لك أن الأخيرة أكثر. سيعود بينما تنتظره خلف
نافذة روحك المغلقة التي تحجب عنك خيوط الضوء والظلام، فتفقد بسبب هذا الإحساس بالوقت
بطيء المُضي وتنسى أنه عمرك. سيعود عندما يحفر الزمن الغاضب اثاره على خدك الملطخ
بدموعك الليلية، كانتقام تجاهك لأنك ما لاحظت مروره ببابك على الرغم من كثرة دقاته.
فلتطمئن، سيعود غائبك بالتأكيد كما يعود القط لسرقة لحم الجزار في اليوم التالي رغم
نهره له، وكما تعود الرياح لتعصف بخيمة رجل مشرد بعد أن عانى الكثير في إعادة
تثبيتها رغم شتمه لها. فإن لم يعد إليك بعد كل هذا، فأعلم إنك أنت من سيذهب
للقائه... في العالم الاخر.
اليوم الثامن والثمانون: اكتب قصة تبدأ
وتنتهي بدراجة.
أُهديتُ في يوم ميلادي العاشر دراجة صغيرة تعكس إمكانيات سكان القرية البسطاء، لم أحبها ابدًا، انزعج من النظر إليها فحسب، وأكره حقيقة أني مجبر على إبقائها أمام بيتنا حفاظًا على مشاعرهم من أن تُجرح. استخدمتها بضعة مرات لأريح نفسي من مشقة السير ذهابًا وايابًا على طريق الغابة للترفيه عن نفسي احيانًا، واحيانًا اخرى لتجميع الأغصان اليابسة التي ستصبح طعامًا للنار الموقدة من أجل إعداد العشاء. حدث وإن استقلتها يومًا ومضيت قُبيل الغروب كي التقط الثمار المتناثرة فوق غطاء التراب المصنوع من أوراق الأشجار المتساقطة، جذبني الفضول لتتبع اثار السناجب وقوارض أخرى لم اعرفها، حتى تعمقت في الغابة ونسيت طريق العودة... تمكنت من الرجوع بعد ضياع دام ليوم وقليل من الساعات استهلكها السكان في حملات بحث مكثفة طالت حتى القرى المجاورة، ولحسن الحظ عدت لوحدي بدون الدراجة القبيحة، كنت سعيدًا بفقدانها حتى أخبرني العم بأنهم سيعوضونني ما خسرته في وقت لاحق، أمل أن يكون شيئًا رائعًا هذه المرة. مرت السنين، كبرت فيها وحصلت على هدايا أكثر روعة، واصلت الدراسة حتى تخرجت واخيرًا سافرت لأعيش في المدينة حيث سأحصل على مستقبلٍ أفضل وفرص وظيفية جيدة. لم الاحظ ولو لثانية أن صورة الدراجة العالقة في شجرة، والمنتشرة اليوم عبر الانترنت مع الكثير من الأكاذيب حولها هي لدراجتي القديمة، إلا عندما ذهبت لتفقدها بنفسي.
اليوم التاسع والثمانون: لانسلوت، فلانيل، ملاحة جوية.
لدي إيقان كامل بأني سليل أو نسخة
غير متقنة من فارس المائدة المستديرة السير لانسلوت، العظيم في اخلاصه لملكه. لم
اتفقد شجرة عائلتي ولا حمضي النووي بعد لكن ما جعلني اتأكد من ذلك هو ملاحظتي
لكوننا نتشابه في شيء واحد أخشى ذكره كي لا اقوم بتشويه صورتي لديكم. عدا عن ذلك
فنحن نختلف في الكثير من الاشياء، اولها كوني لا املك من القوة الجسدية والعزيمة
ما يعينني على حمل سيف والقتال به، وأني ادرس الملاحة الجوية البعيدة كل البعد عن
الحروب والدماء، والمتعلقة بتصميم وصيانة الطائرات وهو أكثر ما أبرع فيه. استمتع
كثيرًا برؤية المركبات الجوية تحلق في السماء وسط تيارات الهواء، مما يجعلني
النقيض التام من السير الذي تيتم وتربى قرب بحيرة وسط حركة الأمواج على يدي جنية
كما يُقال. لما قرأت عنه تمنيت وبصدق أن نتشارك الدم والنسب، فقد أرث منه أكثر ما
أعجبني فيه وهو إخلاصه منقطع النظير لملكه، رغم أنه لا يوجد شخص ضمن دائرة معارفي
يحمل من الصفات النبيلة ما يجعلني أرغب بإتباع أثره لما تبقى من حياتي. لربما عليّ
نسيان حبي والإخلاص للسماء التي اتوق للعيش فيها. صمت الفتى لبرهة بينما ينظر إلى
سقفه الأعلى، وابتعد قليلًا عن الألة التي كان يجتهد في إصلاحها ليلتقط منشفته
الخاصة المصنوعة من الفلانيل والمنقوش عليها اسمه، آرثر.
اليوم التسعين: "توقفت الحافلة بصورة مفاجئة لدرجة..."
حل صباح يوم الاجازة الذي انتظره منذ وقت
طويل، انهيت جميع اعمالي اخيرًا وها أنا ذا أعد طفلي ذا الستة أشهر لزيارة والديّ
اللذان يعيشان في منطقة بعيدة قليلًا. رغم كونه رضيعًا إلا أنه يفهم ما أقول فقد
تحمل كل اعذاري طيلة الأيام الماضية وتقبلها بابتسامة، كم كان سعيدًا عندما علم
بأننا سنخرج اليوم، يبدو أنه متحمس للقاء جديه لأول مرة. جمعت كل اغراضي واغراضه
في حقيبة كبيرة حملتها على كتفي، واتجهنا نحو محطة الحافلات، تفاعل صغيري مع أصوات
العالم الخارجي بشكل أفضل مما توقعت، حتى إنه قام بالتلويح لأحد المارة. بدأت
رحلتنا بعد انتظار قصير، جلست في أحد مقاعد الصفوف الأمامية أنظر لما خلف النافذة
تارة ولطفلي تارة أخرى والاعبه قليلًا كي أشغله عن البكاء، لكن تبدل كل شيء في
لحظات... تزايدت سرعة الحافلة بشكل تدريجي دون أي إنذار أو سبب واضح، وأخذت تسير
في مسار متعرج حتى كادت تنحرف عن الطريق. لم يكن السائق يصغي إلينا، ثارت الفوضى
وزاحم الصراخ الركاب على مقاعدهم، وفي اللحظة التي ظننت فيها أن لا مهرب من الخطر
المحيط بنا، توقفت الحافلة بصورة مفاجئة لدرجة تساقط ركاب المقاعد الخلفية عليّ
كالمطر. أغمضت عيني فزعًا واخذت انتظر انتهاء الحلم المزعج الذي تحول إلى كابوس
أرى فيه طفلي مدهوسًا تحت جثث لبالغين تراكمت أسفل قدميّ.
اليوم الحادي والتسعون: أُكسجين، شظايا خشب،
أجراس الرياح.
تسللت إلى أذنيّ أصوات تهاليل وتباشير بينما
أفتح عينيّ بعد غفوة طويلة لا أذكر كيف بدأت، أرى حولي أُناس بيض الملابس مبهمي
الوجوه، جلست وأزلت قناع الأُكسجين الذي غطى فمي كي أسأل عمّا نسيته بدل انتظار استيقاظ
ذاكرتي، لكني لم أستطع التحدث لألم في عنقي كأن شيئًا ما قد قطعه وقسمه إلى نصفين.
أخبرني الطبيب المسؤول عن علاجي بأني خضعت لعملية صعبة من أجل إزالة شظية خشب
كبيرة اخترقت عنقي، وكادت تؤدي بحياتي لولا أن أُحضرت إلى هنا في وقت مبكر. وأمرني
بالامتناع عن التحدث وأكل الأطعمة الصلبة لحين شفاء الجرح بالكامل. سمعت واطعت ولم
أخالف يومًا، لهذا تمكنت من الخروج والعودة إلى حياتي الطبيعية بعد ستة أسابيع من
العلاج المهلك، وعدة ساعات سعيدة مع المرضى الاخرين ضحكت فيها بصوت مبحوح يشبه
الهمس بل هو أدنى. لكن مهما فعلت لم استطع تذكر سبب إصابتي أو معرفة هوية الشخص
الذي أنقذني لكوني أعيش وحيدًا في منطقة بعيدة عن منزل اسرتي، ولم يزرني أحد منهم
في الآونة الاخيرة. أدركت أني لا أحمل شيئًا من أغراضي لما وصلت إلى منزلي ورأيت
بابه مفتوحًا، دخلت لاكتشف أنه قد سُلب مني كل شيء ثمين أملكه... سرت أُحصي خسائري
وأُفكر فيما سأفعله وكيف سأعيش ايامي الباقية، حتى وصلت إلى الحديقة الخلفية ورأيت
أجراس الرياح الخشبية محطمة.
اليوم الثاني والتسعون: رسمة للشقة، ذكريات
الطفولة، رداء بالأخضر الزمردي.
صدفة اقتادني عملي في مساعدة المنكوبين إلى زيارة
الحي القديم، حيث كنت أعيش وعائلتي في شقة صغيرة، هربنا منها بسبب العدوان القائم
وقتها، تاركين خلفنا كل أغراضنا وشبح جدي لننجو بحيواتنا. مررتها لنزوة وبصراحة لم
أتوقع أن أجد المكان على حاله، هنا أقلام التلوين خاصتي مبعثرة حول الورقة التي
كنت قد استلقيت ببراءة أمامها كي أرسم شقتنا، وفوقي تمامًا عُلقت صورة لجدي الوح
لها كلما أنهيت جزءًا من رسمتي. استعدت المزيد من ذكريات طفولتي، أو بالأحرى ذكريات
اليوم الذي طُردنا فيه من منزلنا لحجج واهية قيلت لأجل أن تُقال، بينما أتجول وسط حجراته.
فعلى طاولة المطبخ طعام الرحلة الذي تُرك خلال عملية تغليفه وقد سكنه العفن، وفي
غرفتي التي اشاركها مع اختي، وجدت ردائي الأخضر الزمردي الذي أحببته كثيرًا، ملقى
على سريري بجانب حقيبة اليد المفضلة لدي، استعدادًا مني للرحلة التي طال انتظاري
لها ووجهتها المنتزه. ورثت هذا الرداء من جدتي التي لم التقيها في حياتي، لهذا
احبه ولا ارتديه إلا في المناسبات المهمة والاحتفالات السنوية، تذكرت هذا ايضًا
لما أطلت الجلوس بجانبه اتأمله، وغاب عن بالي أن تفضيلي لهذا اللون قد كبر معي، بالإضافة
إلى حقيقة ارتدائي اليوم فستانًا مصبوغٌ قماشه به. "يا وفاء" نودي اسمي،
استفقت من وهم الذكريات وخرجت من المكان تاركة إياه على حاله للمرة الثانية.
اليوم الثالث والتسعون: أوراق متساقطة، ندبة
معمرة، خليج.
الخريف، حيث تعد الأرض نفسها لاستقبال
الشتاء المثلج. إذ تهب رياح باردة تحمل أنواعًا من الطيور المهاجرة، وسط السماء الملبدة
بالغيوم. وحيث يبدأ موسم الحصاد ليملأ المزارعون اسواقهم بالثمار الجديدة، ثم يبدأ
الفلاحون بحراثة اراضيهم التي تتغطى بالأوراق اليابسة المتساقطة، استعدادًا للموسم
القادم. يُصادف هذا الفصل ايضًا بعض الأعياد والمناسبات المهمة كبدء العام الدراسي
الجديد، وحصولي على هذه الندبة المعمرة المعلقة بوجهي. حدث هذا منذ سنوات طويلة،
لما كنت أعمل كأحد أفراد القوات البحرية لهذا البلد. صودف وأن تسبب عطل لم ينتبه
إليه أحد بحريق على سفينتا اثناء قيامنا بالواجب، وكشخص ذا رتبة عليا أوجبت على
نفسي الاهتمام بتابعيّ واعطائهم الأولوية دائمًا حتى لو كان هذا على حساب حياتي. فبينما
كنت أنتشل أحدهم من النار التي كادت تبتلعه، غضبت ووجهت إليّ الانتقام لسرقتي
فريستها، بأكلها لجزء من وجهي. أُطفئت النيران بعد ذلك بقليل، وتلقيت الإسعافات الأولية
على ظهر السفينة، قبل أن أُنقل إلى مشفى لأبيت فيه عدة أسابيع، عدت بعدها عملي مع
رسالة استقالة غير مطلوبة بنية تحمل مسؤولية ما حدث وفشلي في الحفاظ على سلامة من
كانوا معي. وكأي شيء جديد واجهت رغبتي الرفض القاطع مطلع ظهورها، لكن تم قبولها في
النهاية. لست نادمًا على شيء، لكني ما زلت أتوق لأيام المجد تلك، لذا أذهب لزيارة
الخليج كل خريف.
اليوم الرابع والتسعون: اسقف زجاجية مكسورة،
حكومة أطفال، مدينة ديستوبيا.
انشأ الحاكم منذ فترة قريبة مجلسًا قوميًا اخر
لدولتنا، سُمي بحكومة الأطفال وعُني باحتياجاتهم وحقوقهم. كان رائعًا بالبداية،
حتى أفضل من المجالس الباقية! أصدر الكثير من القرارات المدروسة بشكل مثالي،
واستطاع إيصال المساعدة المناسبة لمعظم الأطفال، بدءًا من عمر الشهر إلى عمر اثنتا
عشر سنة. لكن... توقفت انشطته بعد فترة من هذا، ظننا أنهم يعملون بكل جهد لأجل حل
بقية المشاكل المعقدة المتعلقة بالقوانين الاخرى، فلم يبحث أحد في الأمر. لا صحف
ولا قنوات، ولا حتى نُشطاء مواقع التواصل الاجتماعي ممن يهدفون إلى إثارة الجدل،
والشهرة عن طريق نشر اخبار مضللة أو مزيفة، لم يذكر أحد أسم المجلس الجديد لا في خير
ولا في شر... انتهت أشهر الصمت فجأة كما بدأت، عاد الأعضاء للظهور لكن بهالة
مختلفة عن السابق، هالة مخيفة تهدف لشيء مختلف. طلبوا منا المساعدة في تمويل
المشروع الجديد الذي ستحسدنا عليه حكومات الدول وكبار مسؤوليها، والذي كان عبارة
عن مركز للعناية بالأطفال بفكرة لا سابقة لها، حيث تستطيع العائلات إيداع أبنائها فيه
لعدة سنين ليتعلموا ويتدربوا على أيدي متخصصين، بشرط الالتزام بدفع المصاريف
اللازمة. لم يدرك أحد من المساهمين وقتها أن المركز سيصبح مدينة ديستوبيا بالنسبة للأطفال
المنبوذين فيه، حتى أُصيب احدهم في حادث، جراء تكسر سقف المبنى الزجاجي الفريد من نوعه
في المدينة بأكملها، وسقوطه عليه.
اليوم الخامس والتسعون: مُتحير، مريض
بالجذام، فدان.
لم أرث من والدتي التي دفنتها للتو خلف كوخنا،
سوى فدان من الأرض، ومرض غريب يُدعى الجذام، التقطت عدواه خلال سنوات اعتنائي بها.
لم نكن نملك مالًا من أجل العلاج، لذا اكتفينا بسماع التشخيص الطبي، والحصول على بعض
النصائح العامة التي لم تساعد في تحسن حالتها. وبسبب انشغالي بتمريضها طيلة اليوم
لم أجد وقتًا اصرفه في العمل على هذه الأرض التي قد تدر علينا من الأرباح ما لا
نتخيل. والان لدي نفس اعراض والدتي لكنها أقل حدة لذا اعتقد أن عليّ نسيان فكرة
تحولي إلى رجل غني في هذه المنطقة شبه المعزولة، وانتظر موتي المحتوم تاركًا الأرض
ليرثها العباد. بدأ الامر بتقرحات جلدية تنتشر بوتيرة شديدة البطء من يداي حتى
باقي جسدي، صاحبها ألم وضعف في عضلات يداي صعبا عليّ عيش حياتي اليومية كثيرًا،
وانتهى بفقداني الشعور بأصابعي إلى درجة لم أعد أتمكن فيها من تحريكها كما أريد.
لحسن الحظ ما زال لدي قدمان، أخرج بهما كل صباح لأسير في الأرض متحيرًا بلا حيلة، ثم
انظر للشمس علها تكون لعيني علاجًا من العمى الذي أخذ يحتلها بالتدريج. ما احتجت
وقتًا طويلًا كي أفقد قدرتي على المشي وابقى في ذات السرير التي كانت عليه، وسرعان
ما اختفى السقف الذي كنت احدق فيه لعدة ساعات من اليوم، تاركًا إياي وحيدًا مع الظلام.
اليوم السادس والتسعون: تارت، بركان، 23
يناير 2069.
حسب التقويم البشري اليوم هو الثالث
والعشرون من شهر يناير عام 2069، وهو يوم النزهة الذي ننتظره منذ وقت طويل. فتحت
السلة لأتأكد للمرة الاخيرة من وجود كل ما سنحتاج إليه، فقد اعددناها بالأمس لشدة
حماسنا. الاطباق موجودة، الاكواب موجودة، أدوات المائدة موجودة. بالإضافة إلى ثلاثة
علب من حلوى الأعاصير المتفرقعة، وعجينة التارت المخبوزة والمشكلة كقالب كعك ذهبي،
واخيرًا حافظة المطر الحمضي التي تبقيه باردًا معبأة إلى اخرها، أجل هذا كل شيء،
نحن مستعدون بشكل كامل. بقي فقط أن نصل في الموعد قبل بدء أكثر حدث مهم في هذه
السنة، الا وهو ثوران البركان العظيم الذي ظل خامدًا لعدة سنين. ذهبنا إليه عن
طريق الانتقال الآني، واخذنا نبحث عن مكان لنجلس فيه، والنتيجة كانت بقعة رائعة
تحت الجبل، ما إن جلسنا فيها حتى بدأت الأرض من حولنا بالاهتزاز في توقيت مثالي
جدًا، تلى ذلك تضخم الجبل بشكل تدريجي كأنه يعلن عن اقتراب وقت انفجاره، الذي بدأ
بإطلاقه لسحابة كبيرة من الغازات المكبوتة والتي تتمتع برائحة ذكية، تبعها سيل عظيم
من الحمم اللذيذة التي غطت الأرض. كما هو معروف لدى الجميع، تقل ملوحة الحمم عند اكلها
وهي طازجة وساخنة، لذا صرت اجمع الحجارة الصغيرة منها وأتناولها مع عجينة التارت
حلوة الطعم، حيث تشكل الاثنتان مزيجًا رائعًا استطيع تصنيفه وبسهولة كوجبتي
المفضلة.
اليوم السابع والتسعون: دقيق، غير قابل
للاسترداد، وقت المغادرة.
"نداء أخير إلى السادة المسافرين عبر
الرحلة 846، الرجاء التوجه إلى البوابة رقم 12 لأجل الإقلاع، وشكرًا لكم". دخل
وقت المغادرة المحدد مسبقًا لرحلتي دون أن انتبه، ووصل إلى مسمعي هذا النداء
فايقظني من غفلتي. توجهت إلى صالة المغادرة حاملًا حقيبتي التي أُخذت مني، كي
تُفحص وتُشحن بعد ذلك إلى الطائرة. وقفت اراقبها تذهب بعيدًا، وعلى العكس منها
فأنا لا املك شخصًا مهمًا ليودعني كما تفعل تلك العائلة لابنها، كم أشعر
بالغيرة... أو لا أفعل، من يحتاج إلى عائلة ولديه هذا الكم من الدقيق؟ مهلًا! هذا
الدقيق خاصتي! ذاك الموظف قد أوقع حقيبتي خطأ على الأرض ففُتحت وتناثر محتواها في
المكان! نحوه ركضت وعلى ركبتاي جثيت أحاول عبثًا جمعه بيداي لأعيده إلى حيث كان،
لم يساعدني أحد بل اكتفوا بالتصوير والضحك علي من وراء ظهري، حتى أن الموظف الوقح
قد هرب إلى رؤساءه خائفًا. يا لهذه البلوى، استحق تعويضًا كبيرًا وسأطالب هذه
الشركة به، فمتاعي الثمين الضائع غير قابل للاسترداد كما يبدو. ناديت الناس
المتجمهرين وبقية الموظفين لكن لا احد منهم استجاب سوى اشخاص مخيفون يرتدون الأزرق،
والذين قاموا بسحبي إلى خارج المطار بدل مساعدتي. "اخبار عاجلة، قبضت الشرطة
المحلية على رجل مشتبهٌ بسلامته العقلية، حاول تهريب كمية من الهيروين عبر المطار
اليوم، وتم حجزه لأجل التحقيق معه بهذا الشأن".
اليوم الثامن والتسعون: أوراق ملونة، بقرة،
أيًا كان.
قبل أيام بدأت تعلم فن الأوريغامي الياباني كمحاولة
أخيرة لكسب اعجاب والدي كثير الانتقاد، الباحث عن المستحيل، والذي تجاهل كل
محاولاتي السابقة لأنها لم ترقى إلى معاييره على حد قوله. اشتريت حزمًا عديدة من الأوراق
الملونة بدرجات نادرة، واقلام تحديد من انتاج شركة معروفة بتخصصها في مستلزمات الفنون،
لأجل انتاج أعمال رائعة اتلقى التقدير عليها لكن... كل هذا لم ينفع! أيًا كان ما
اصنعه، كلب أو قطة أو بقرة. عُلب أو فساتين أو نباتات، أو حتى وجهه البشع ذا التعابير
المتجهمة على الدوام، فهو لم يبتسم لي أو يشجعني مطلقًا، لم أعد استطع تحمل نظرات الازدراء
خاصته أكثر، عليّ أن أقتله. طلبته للتحدث تلك الليلة موهمًا إياه بأن لدي شيء أخير
أريد أن يراه، أشغلته ببعض الاحاديث السخيفة حتى دفعه فضوله للسؤال عمّا أخبئ له،
كي يسخر مني في اعماقه كما يفعل كل مرة، لكني أنا من سيضحك هذه المرة يا أبي!
اندفعت نحوه لأوقعه على الأرض، ثم ملئت فمه بكل ما صنعته طيلة الشهرين الماضيين،
ما رأيك يا والدي، كيف هو طعم انجازي؟ ماذا قلت؟ أعتذر لا يمكنني سماع رأيك عنه لأنه
يخنقك! انتشيت فرحًا بموته وارتفع صوتي بضحك هستيري تطلب قليلًا من الوقت لينتهي،
وإن ندمت على شيء فسيكون تضيعي لفرصة سماع توسلاته، هذا ما سأقوله في المحكمة.
اليوم التاسع والتسعون: العالم السفلي، حفلة
شاي، جوهرة مفقودة.
إنها الثالثة عصرًا حسب ساعتي البيولوجية،
كوني خلدًا وحيدًا يعيش تحت الأرض حيث لا تصل الشمس لا يعني جهلي بالوقت، تثقفوا
أيها البشر! والان هو موعد حفلة الشاي السنوية لمخلوقات العالم السفلي، حيث نجتمع
في منزل احدنا كل سنة من أجل المرح والحصول على وقت هادئ بعيدًا عن الضغوطات
اليومية. ستُقام هذه المرة في جحر الدسمان الذي خصصه لمثل هذه المناسبات، علي الذهاب
قبل أن اتأخر ويبدؤوا بدوني. هناك سألقى محبوبتي الخِلدة الفاتنة، إنها لا تشبه الباقيات
على الاطلاق، يمكنني رؤية جمالها بوضوح بالرغم من عيني الاثاريتين. عبرت نفقًا
طويلًا حفرته ووصلت إلى مكان الحفلة دون تأخير، لكنها لم تكن هناك بعد... الدسمان
موجود بالطبع، وخلد الزبابة والبغيض ذا الانف النجمية، لم حضر هذا؟ أمل أن يضيع في
طريق عودته. حاولت تتبع رائحتها في هذا الحجر الواسع، فتنبهت إلى تغيب الأرنب
ايضًا، لكنه يتأخر دائمًا لذا لا عجب. التفتّ ناحية الصوت المفاجئ وإذا به قد
اقتحم المكان وهو يصرخ فزعًا طالبًا النجدة، قال أن جوهرته اللامعة مفقودة بل
مسروقة، أُخذت من حقيبته بينما كان يشق طريقه عبر البر إلى هنا، لم ينهي الأرنب كلامه
حتى سمعنا صوتًا حادًا ينادينا للخروج... كان مصدره طائر القيق الأزرق المحب لاستفزازنا،
والذي أخذ ينظر إلينا من أعلى الغصن بتعالٍ بينما يحمل الجوهرة في منقاره.
اليوم المئة: مدينة، زجاج، حريق.
أمضيت أشهرًا أعمل في ورشتي الخاصة المتمثلة
في مستودع خارجي ضيق يقع في حديقة المنزل، لأجل صنع نموذج زجاجي مصغر للمدينة
كاملة. بداية بذلت من الجهد ما بذلت في الحصول على صور لجميع تفاصيلها من الداخل
والخارج، والاعلى والاسفل، إلى أن تمكنت من صنع مخطط مثالي لها، لا يملكه حتى عمدتها.
ثم طورت مهاراتي عن طريق التدرب حتى استطعت اخيرًا أن أصنع قطع زجاج دقيقة استخدمها
في تشكيل معالم المدينة من مبانٍ وحدائق، وبالطبع لم انسى ورشتي. هدفي من كل هذا
هو الفوز بمسابقة أُعلن عنها مؤخرًا، وبما أن لي باع طويل في هذه الحرفة، أطول حتى
من حكامها الذين لم اُختر لأكون من ضمنهم رغم شهرتي، فسأسحرهم بمهارتي وأنال
الجائزة الكبرى بكل سهولة. كانت فكرتي صعبة التطبيق بعض الشيء وتحتاج لإنهائها من
الوقت والجهد الكثير، لكنني صممت فنجحت بعد عدة أشهر من العمل المتواصل، وكل ما
بقي لي الان هو اللمسات الاخيرة. خرجت يومًا لاستلم أكياس رمل، وعندما عدت وجدت
حريقًا قد نشب والتهم المستودع... لعلي نسيت الفرن مفتوحًا فخرجت النار لتتجول في
المكان وترى اعمالي السابقة التي اعجبتها إلى حد رغبتها بأكلها، لا الومها على
هذا. اقتحمت المكان لأنقذ تحفتي الأخيرة، فلن أضيع شهور التعب دون الفوز بتلك الجائزة،
حتى لو عنى ذلك أن يستلمها عملي بدلًا عني.
اليوم الأول بعد المائة: منزل، كابوس، ورد.
اليوم الثاني بعد المائة: عصابات، وداعًا (بالإسبانية)،
منشفة.
رغبة مني بالتمرد على العالم، انضممت إلى
عصابة حديثة الانشاء، ليس لها من الشهرة ما تملكه غيرها، لكني اؤمن أننا سنصل إلى
مستوى تلك العصابات في يومٍ ما. لم نبدأ نشاطاتنا الإجرامية بعد، لأننا ما زلنا في
مرحلة جذب الأعضاء... هل نحن فرقة مغنيات! كما أننا نعيش في منزل عادي مُستأجر! لنتخيل
معًا، مجموعة رجال أشداء يهدفون لنشر الخراب في الدولة، يعيشون معًا في منزل صغير
يعمه الوئام، كعائلة ما أو كطلاب جامعة مغتربين في سنتهم الأولى! أمعقول هذا؟ أهو طبيعي
وواقعي؟ الأسوأ من كل ما ذكرته هو وجود دورة مياه واحدة يستخدمها الجميع، وهي
مكتظة بالأغراض المتشابهة لدرجة أشك في كل مرة استخدمها فيها، بأن احدهم قد استخدم
ادواتي بعدي أو قبلي ظنًا منه أنها خاصته، وسبب هذا يعزو إلى كوني كنت ولعديد من
المرات على وشك استخدام ادواتهم بدلًا من خاصتي، لكني انقذ نفسي دائمًا في اللحظة الأخيرة.
من ضمن تلك الأغراض توجد منشفة وردية، منقوش على طرفها رسومات لورد أحمر قاتم، معروف
أنها ملك لشخص عنيف اسباني الأصل يُلقب بالكابوس. كان هذا الشخص عضوًا في منظمة إجرامية
مشهورة، يتردد اسمها دائمًا على السنة المواطنين والشرطة كأيقونة للفساد والانحلال،
حتى تم الإيقاع بها عن طريق معجزة كما نشرت وسائل الاعلام، والزج بكل أعضائها في
السجن لعدة سنين، ومن ضمنهم هذا الكابوس طبعًا، هذا إن لم يكن اولهم. لكن يبدو أن بيئة
الحبس القاسية لم تكفي لتأديبه، وما زال يرغب بإكمال مسيرته في عالم الشر، لهذا
أنضم إلينا نحن غير المعروفين، كي تكون احتمالية كشف تورطه في نشاطاتنا قليلة... لكن
بالرغم من كل هذه السمعة المخيفة والتصرفات الخشنة، لديه جانب خفي لطيف يدفعه لاستخدام
منشفة وردية. لا يخبرنّه أحد أني قلت هذا! حدث وأن استخدم أحد ما تلك المنشفة
المقدسة حسب ما يدعي، واُلقي اللوم علي ظلمًا من بين الجميع لأني شوهدت المسها،
والحقيقة أني كنت أحاول اخذ خاصتي. "لا أحد يريد منشفتك الانثوية يا أحمق"
لم أقل هذا بصوت عالٍ لهذا ما زالت حقيقة أن علي التعامل مع غضبه المروع لوحدي
قائمة، مهلًا كنت سأموت مباشرة لو قلتها في وجهه... حسنًا كما يُظهر لقبه تمامًا،
فهو سيصبح كابوسك إن ازعجته، وأنا اكره الأشياء المخيفة لذا هربت، هربت إلى أبعد مكان
يمكنني الوصول إليه كي لا يُمسك بي، ظننتُني حصانًا لكنه كان فهدًا وقعت في براثنه
وأصبحت وجبة عشاءه الدسمة. اخر ما سمعته منه هو كلمة اسبانية تعني وداعًا، رغم
كوني لا أجيد هذه اللغة إلا أني متأكد من المعنى، ليس لأنه يستخدمها يوميًا، بل لأنه
قالها لي قبل أن يرميني من اعلى المنحدر، بكل قوته، ناحية الأرض الصخرية.
اليوم الثالث بعد المائة: لافندر، شهوة،
وثبة.
انتابتني شهوة شديدة مفاجئة للتدرب على
الوثب العالي بعد انتهاء الأولمبياد الذي شاركت وخسرت فيه بأيام قليلة، رغم وعدي
لنفسي بالتوقف عن مزاولة هذه الرياضة إلى الأبد، لكن بعد التفكير التدرب لمرة
واحدة لن يضر صحيح؟ عادة اذهب إلى مركز متخصص لفعل ذلك مع مدربي الخاص، لكن اليوم مختلف
لذا سأفعلها في المنزل. في غرفة خالية قمت بتركيب العارضة وتحتها مرتبة مصنوعة من
الاسفنج للحماية، سأفعلها لمرة واحدة، ستكون هذه وثبة ناجحة على عكس ما حدث وقت
المسابقة... من المخجل تذكر الأمر، فقدت توازني وأوقعت الحاجز معي لشدة توتري من
نظرات الجمهور، لكن هذه المرة لن يحدث هذا! ملئت المكان بعطر زهرة اللافندر الذي
يساعد على تخفيف التوتر وتهدئة الاعصاب، ولا أحد هنا يحدق بي، سأكون بخير! كدت انسى
تدريبات الاحماء، لا اريد أن أصاب بشد عضلي. حسنًا لنركز هنا، الأمر سهل، جري
لمسافة بسيطة تتبعه وثبة عالية، تتحول إلى دوران ينتهي بسقوط، لا داعي للقلق، يمكنكِ
فعلها... يمكنكِ. خذي نفسًا عميقًا، ومجددًا جري وثبة دوران سقوط وانتهينا، افعليها.
ظللت أردد هذه الجملة في عقلي، ويا ليت الفعل بسهولة الكلام. يكفي ترددًا، سأفعلها
وانتهي! ها أنا أجري، وثبت الان وهي عالية، يمكنني النجاح! تقلبت في الهواء بشكل
رائع، ها أنا على وشك السقوط... لكن هنا يصطدم رأسي بالحاجز ونقع معًا.
اليوم الرابع بعد المائة: بوابة نصف مفتوحة،
متجر كتب، سبيكة ذهب.
متجر الكتب الصغير الذي اداوم على ارتياده
مؤخرًا يحوي سرًا خطيرًا أكبر من مساحته. لم اكتشفه إلا بعد مرور أشهر من اول
زيارة لي، والتي كانت عن طريق الصدفة، حيث كنت أمر بجانبه يوميًا دون أن التفت،
إلا لقراءة اسمه المكتوب على اللوحة الخارجية، بخط عريض لم يعد مستخدمًا بكثرة كما
في الماضي. لست محبًا للكتب لكن شيء ما في نفسي الماضية قال لي أن أدخل علي أجد ما
يثير اهتمامي، لفتني بالفعل أحد العناوين المنسوب لكاتب مغمور، فقرأت جزءًا من
مؤلفه مما دفعني إلى اقتناء الكتاب فورًا. دقة الالفاظ وغرابة الأفكار وملمس الأغلفة
فريدة الألوان، كانت اسبابًا لجعلي أزور المتجر بشكل يومي، بحثًا عن مؤلفات أخرى لنفس
الكاتب، بهدف تجميعها من أجل قراءتها في وقت لاحق دون أي شك في روعتها. أحب خاصة
الكتاب الذي يطابق غلافه لون بشرتي وهو بالمناسبة الأول في مجموعتي. أنساني الحديث
بشأن ولعي الجديد عن ذكر السر، اكتشفته لما كنت ابحث عن مؤلف جديد، بعد أن أدركت أني
قد اشتريتها جميعها، لم أعثر على ضالتي في الرفوف الأمامية، فرحت أبحث في الخلف
ورأيت بوابة كبيرة نصف مفتوحة، تلمع بداخلها اكوام من سبائك الذهب، هل بيع الكتب يجعل
الشخص بهذا الثراء؟ أخذت أنظر إليها مبهورًا حتى باغتتني دفعة من الخلف تبعها صوت
اغلاق الباب عليّ.
اليوم الخامس بعد المائة: "استلقى على
الثلج".
صبي يدعى... ليلة الكريسماس كان جالسًا تحت
الشجرة المزينة، ينتظر وقت فتح الهدايا المكدسة المنسي مُهديها، بينما ينظر إلى
البيانو المُهمل منذ عدة سنين، وفي قلبه أمنية باجتماع العائلة حوله مجددًا لعزف بعض
الالحان. أشاح بناظريه إلى النافذة حيث يستمتع بكتابة اسمه المميز على البخار
المتكثف، وأخذ يراقب ندف الثلج التي ترقص مع الرياح بينما تسقط لتتراكم على الأرض،
مكونة طبقة سميكة من الجليد. تمنى لو يستطيع اللعب به، ويبني رجل ثلج يهديه ملابسه
كي لا يشعر بالبرد، وهنا لمعت الفرصة أمام عينيه! فُتح الباب عن طريق الخطأ، ومنه
عبر إلى المحيط الأبيض دون أن يشعر أحد به... تجول حول منزله تاركًا أثار أقدام حافية
ستختفي معه بحلول الغد، ثم استلقى على الثلج وهم بتحريك أطرافه التي لسعها الصقيع،
ليصنع ملاكًا يشابه روحه البريئة. لم يكن يرتدي ما يقيه التجمد لكنه وعلى نحو
غريب، لا يشعر بالبرد أو الألم بالرغم من ابيضاض جسده. تبدل الفصول ومرور خمس
سنوات على اتحاد جثة الصبي مع البساط النقي، لم يغير أي شيء. ظل كوب الشوكولا
الساخنة الذي انشغلت والدته بتحضيره له وقتها، والباب المفتوح على حالهم منذ تلك الحادثة،
ومع ذلك بالرغم من قربها الشديد، لم تتمكن الفرصة المفقودة من العودة إلى بيتها،
الذي لم يعد يقترب منه أحد، حتى اللصوص والحيوانات الشاردة.
اليوم السادس بعد المائة: كركرة، ربى، اشتباك.
منذ طفولتي وأنا أعيش مع والدي الذي قد
رباني بمفرده، أدركت خلال الأيام التي بلغت سن الرشد فيها، أن والدتي لن تعود إلينا،
وأنها في مكان أفضل يقع في الأعلى. بصراحة مررنا بالكثير بدونك، لكننا بخير الان
يا أمي، أعلم أنك تراقبيننا كل ليلة. أعتذر لكوني ابنًا سيئًا احيانًا، ولا تقلقي
عندما ابدأ بالشجار مع أبي فجأة، ويزداد الاشتباك بيننا حتى يغادر كلًا منا الغرفة
وهو غاضب، هذه طريقة جديدة جربناها مؤخرًا من أجل تضييع الوقت، تأكدي أننا سنضحك
بعدها حتى الكركرة حتى لو انقلب الأمر إلى شجار جدّي، تعلمين هذا جيدًا فقد رأيتِه
يحدث عدة مرات حتى اليوم. بصراحة أكبر، اشتقت إليكِ كثيرًا... يبدو أن عليّ الذهاب
الان، والدي يناديني. اعتذر لأن زيارتي الأولى
كانت قصيرة للغاية، إن سمعتني فأرسلي لي إشارة من فضلك، أثق بهذا لذا سأنتظركِ،
أحبك. عدنا إلى المنزل بنفس السيارة التي اوصلتنا إلى المقبرة، وفي الطريق بينما
كنت أفكر بافتعال شجار أخر لتلطيف الجو، حطت فراشة شفافة على الزجاج الأمامي
واستعرضت جناحيها الباهرين أمامي. ابتسم والدي فور رؤيتها والتقط صورة لها، تحدث
قبل أن اسأله عن السبب قائلًا أنها فراشة نادرة تعيش في المناطق ذات المناخ
الاستوائي، والذي لا يشابه مناخ مدينتنا في شيء. أضاف بعد صمت قصير أن أمي كانت تحب هذه الفصيلة بشدة.
اليوم السابع بعد المائة: مات الملك تلك
الليلة، حسب ما قالوا.
يوم الإعلان عن ولي العهد المختار من بين توأمي
الملك، تم اغتياله من قِبل شخص مجهول في اللحظة التي أوشك فيها على نطق اسم الفتى،
والان مصيره وهوية ولي عهده مجهولان بالنسبة للمواطنين. مات الملك تلك الليلة، حسب
ما قالوا في صحف اليوم التالي التي انتشرت فيها إلى جانب ذلك، اشاعات عن كون منافسة
القوى ما هي إلا كذبة، هدفها خداع الناس وتزكية صورة ولي العهد كي يعهدوا له
بالطاعة الكاملة يوم تنصيبه. لكن الحقيقة هي أن كل ما حدث يومها كان مدبرًا، من قبل
الضحية نفسها. بصفتي أقرب الخدم منه، أعلم كم كان صعبًا عليه اختيار واحد من ابنيه
لخلافته رغم الفرق الواضح بين نتائج منافستهما، كان يحتاج إلى وقتٍ أطول لكن يوم الإعلان
الذي حدده الأقدمين، ولم يتخلف عنه أحد ممن حكم هذه الأرض قبله، قد اقترب ولا مجال
لتأخيره، لذا اقترحت عليه تزييف اغتيالٍ غير ناجح، يُضطر بعده لأخذ إجازة لأجل التعافي
من اصابته، يتأجل بسببها يوم الإعلان إلى تاريخٍ غير معلوم. تمت الموافقة على هذه
الفكرة ونُفذت بالفعل أمام جمع المواطنين، وعلى شاشات هواتف القراء. سيُعلن في
الغد عن سلامة الملك، وتأجيل الإعلان حتى شفائه الكامل، بهذا كل ما سيبقى مخفيًا هو
هوية ولي العهد، لأن لا أحد غيره يمكنه الاختيار، حتى كاتب هذه القصة الخيالية...
اليوم الثامن بعد المائة: وردي، شلل، نعيم.
دُفنت اليوم ابنة اختي إيميلي البالغة سنتين
من العمر، جراء اصابتها بشلل الأطفال، لعدم حصولها على التطعيمات المناسبة. كنت
اخر من حمل جسدها الصغير الضعيف الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة دون علمه، ومن وضع جثتها
في قبرها وغطاها بالتراب... في اخر ايامها المرهقة كانت ترتدي فستانًا ورديًا تحبه
كثيرًا، ولطالما استعرضته امامي كي اخبرها بأنها لطيفة، وتهرع بعد ذلك لاحتضان
ساقي بسعادة بالغة. بدأ الامر بخمولها المفاجئ بعد أن كانت تملأ المنزل ضحكًا
ولعبًا، أحمرت عيناها الواسعتين وكانت تسعل مراتٍ عديدة، لم نقلق عليها كثيرًا لظننا
أنها مصابة بالأنفلونزا الموسمية، وعليها الراحة فحسب حتى تُشفى، لكن الأمر كان
أكبر من ذلك بكثير، وهذا ما غاب عن أذهاننا، ولم نحسب حسابه. تطورت اعراضها لتقيؤ
شديد وصعوبة في التنفس استمرا لأكثر من أسبوعين، حتى توقفت إيمي عن الحركة... ما
زالت حية لكن لم يعد بمقدورها تحريك أطرافها أو عنقها، لذا لم تكن تستطيع الالتفات
نحوي، والتبسم في وجهي كلما دخلت الغرفة، كما كانت تفعل سابقًا. سرعان ما فارقت
الحياة بسبب وصول المرض الخبيث إلى قلبها وخنقه إياه. لترتاحي في النعيم يا صغيرتي
إيمي، على خالكِ الذهاب الان ليبدأ بمراسم جنازتكِ. أسبوع مر منذ وفاتها أظهرتُ
فيه نفس اعراضها، وها أنا قد وصلت إلى المرحلة الأخيرة، الشلل الكامل. لن تبقى
إيمي وحيدة بعد الان.
اليوم التاسع بعد المائة: "الأرض
الثالثة تنطق لتصبح الأولى".
اليوم العاشر بعد المائة: مادة تولد
الأفكار، جاسوس، دقيقة واحدة.
في حديث الزمان، وحاضر العصر والأوان، توجد مملكتين
متجاورتين تتبادلان العداء بينهما، وكانت احدهما تحضّر لحرب مفاجئة من أجل
الاستيلاء على الأخرى، فأرسلت إليها اثناء ذلك جاسوسة ساحرة وهي أنا. مهمتي الأولى
كانت العيش في هذه المملكة كمواطنة عادية، ومهمتي الثانية هي الانتقال بعد فترة كافية
اقضيها في جمع المعلومات، من الطبقة الكادحة إلى الطبقة المخملية، عن طريق الدخول
إلى قصر الملك والعمل كخادمة لابنه، فاستطيع التقرب إليه اثناء خدمته واسحره ليصبح
تحت امرتي، صانعة بذلك بطاقة رابحة لمملكتي حال خسارتها الحرب. المثير في الأمر هو
اخفاقي في مهماتي رغم التعليمات الواضحة، وبدئي بالمهمة الثانية مباشرة دون
الالتفات للمهمة الاولى هل أنا غبية؟ أجل. تجولت باحثة عن ذاك الأمير والذي لا
أعرف عنه شيئًا سوى كونه ذكرًا، لكني لم أجده بل هو من وجدني والقى عليّ التحية
بكل ود، كان طفلًا في السابعة من عمره ومعه خادمته الخاصة التي اشتبهت بي ونادت
الحراس، هربت مباشرة ابحث عن مكان للاختباء فيه، وانتهى بي الأمر محبوسة في غرفة
اشبه بغرفة نوم لطفل أو غرفة للدراسة... لست متيقنة وهذا ليس ما يهمني الان! عليّ
الخروج من هنا فورًا. بحثت بين الأغراض عن شيء استطيع استخدامه، هناك مكتبة بها
كتاب كبير، أكبر من أن يحمله طفل لوحده، وطاولة من رخام عليها لوح شطرنج، أرى
حقيبة كمان مسندة على الجدار، بجانبها مجسم للكرة الأرضية، ووسط الغرفة نُثرت أقلام
تلوين حول ورقة محاطة بدمى محشوة بأشكال حيوانات، يبدو ان هذه الرسمة حديثة... هل تلك
كرة تنس؟ وذلك حذاء للركض؟ كل هذه الاشياء بلا فائدة! فكري، فكري، كيف ستخرجين؟ عقلي
لا يعمل كما يجب والحراس على وشك الدخول، حان وقت سلاحي السري ذا الحدين... اخترعت
سابقًا مادة بإمكانها توليد الأفكار عن طريق اكلها، ويدوم تأثيرها لدقيقة واحدة، بالرغم
من فعاليتها قد لا تعمل كما يرغب متعاطيها، لا أملك خيارًا غيرها لذا سأستخدمها علّها
تقف في صفي لمرة واحدة. بدأت الأفكار تغزو عقلي: ماذا لو خرج كائن سحري دخاني من
الكتاب الكبير؟ الطاولة بها كسر صغير، هل تأكل الخادمة الرخام عندما لا يراقبها
أحد؟ هل هرب حصان الشطرنج لشدة تعبه؟ ماذا لو استطعنا رؤية النوتات التي يعزفها
الكمان؟ الأرض الثالثة في الترتيب انطلقت لتصبح الأولى! هل يُعقل أن الملك انتزع
صغيرته من الوانها من اجل تزويجها؟ أيمكن للحيوانات العمل في وكالة متخصصة
بالقمار؟ أيُعقل أن تخسر الزوجة في بطولة التنس بعد تدربها كل تلك السنين؟ هل انهى
أمجد الركض في الوقت المناسب؟ وتوقفت... مرت دقيقة كاملة وعاد عقلي إلى حالته
الأولى، كل الأفكار كالأغراض بلا فائدة! تمكن الحراس من الدخول ولا مهرب لي بعد أن
القوا القبض عليّ...
اليوم الحادي عشر بعد المائة: حوار بين قائد
أوركسترا وصديقه المفضل.
أتعلم انك أفضل صديق حظيت به في حياتي كلها؟
قلت هذا قبل بداية عرضي الأخير كقائد أوركسترا لصديقي المفضل، والذي رافقني طيلة
مشواري بصفته يدي اليمنى، وعازف الكمان في فرقتي. كنا كالسمن على العسل، واللبن
الصافي وقشطة الحليب، مذ كنا صغارًا حتى اليوم، بقينا معًا في أصعب الأوقات
وأسهلها، واهمها يوم تشخيصي بالسرطان ومعرفتي بأنه لم يتبقى لي الكثير من الوقت
لأعيشه... لذا قررت احياء حفل أخير استقيل بعده من عملي ومن حياتي، تاركًا رفيقي يمضي
حال سبيله عله يجد خليلًا اخر مساوٍ له في الصحة. قضينا الدقائق الأخيرة قُبيل فتح
الستار نتحدث كالأيام الخوالي، خضنا محادثة دافئة، ناقشنا فيها خططًا لما سنفعله بعد
انتهاء العرض متناسين كونه الاخير. أعتاد بقية العازفين على حواراتنا الجانبية فلم
ينبسوا بأي كلمة، ولا أظن ان صوتنا سيصل لأسماع الحضور ايضًا... هل سيفعل؟ هو يعلم
جيدًا بشأن توتري المزمن عند مواجهة الناس، لذا ختم حديثه بكلمات مطمئنة انسابت إليّ
واحتضنتني كالأم العطوفة على ابنها الجريح بسبب وقوعه. احتفظت بها ووضعتها نصب
عيني بدلًا من ورقة النوتات، لأعزفها لحنًا يثير المستمعين ويحرك أفئدتهم. أيها
الطبيب، هذه ليست المرة الأولى التي يفعل بها هذا! من وقت لآخر يقوم طفلي بترتيب دماه
بشكل مدرجات، ثم يتحدث مع احدها بلسان رجل بالغ، يبدو كأنه يتحدث إلى صديقه المقرب.
اليوم الثاني عشر بعد المائة: قطع غيار،
شاب، سرعة.
تُحديت من قِبل مجموعة مراهقين رُعن، لأدخل
سباقًا مميتًا يمتد من مقدمة الجرف حتى حافته، قبلت بالطبع كي لا ابدو جبانًا،
الموت ولا العار كما يقولون. القوانين كالتالي: يسير المتسابقين بسيارتيهما حتى
نهاية الجرف بأقصى سرعة، ومن يتوقف يخسر، بسيطة للغاية صحيح؟ ولو كنت سأتحدى احدًا
بخاصة طفلًا لا يعرف حدوده، فسأفضل الفوز عليه بالتأكيد. الشاب الاخر أي منافسي
المزعوم، ظل يسخر مني ومن سيارتي طيلة الوقت، لذا أردت اثبات نفسي أمامه، وتلقينه
درسًا لن ينساه. بدأنا السباق محاطين بصياح أصدقائه وهتافاتهم له طبعًا، وقف احدهم
بيننا ولوح بذراعيه مشيرًا إلى أن بإمكاننا الانطلاق. اقترب عداد السرعة من الوصول
إلى اخر رقم مكتوب عليه، حاولت كبح نفسي قليلًا كي لا أطير في الفضاء، لكني وصلت
إلى النهاية دون أن ادرك. مدفوعًا من قِبل الحماس وحب المخاطرة اللذان ظهرا من
العدم، أكملت الطريق نحو الهاوية متجاهلًا صرخاتهم واعلانهم لفوزي من مكان بعيد
آمن، سمعت صوت مكابح سيارته خلفي، هل ادرك منزلته الان؟ ربحت السباق، وحافظت على
كرامتي دون أن تُزهق قطعة واحدة منها، وطرت لبضعة ثوانٍ ايضًا، كان ذلك ممتعًا. لحسن
الحظ خفف البحر من سقطتي وخرجت سليمًا معافًا، لكن يبدو أني سأقضي وقتًا طويلًا في
البحث عن شخص يخرج لي سيارتي من قبرها، أو على الأقل يبيعني قطع غيار لها.
اليوم الثالث عشر بعد المائة: كلام، هدية
مثالية، بين الأعداء.
اليوم الرابع عشر بعد المائة: قصة عن شخص
مهووس بمربى البرتقال.
المرملاد، أو مربى البرتقال كما يعرفه
الأغلب، بمثابة عشيق لي وهذه حقيقة يعرفها كل من حولي. منذ تذوقته في صغري وشاهدت
طريقة اعداده المذهلة، وأنا على هذه الحالة. بالعادة يبقى المرطبان لأسبوع في
الثلاجة لكن هذه الظاهرة لا تحدث في شقتي، حيث أقوم باستهلاكه يوميًا في ست وجبات
لذا ينفد من اليوم الأول، فاضطر سعيدةً لصنعه في اليوم التالي. أولًا اشتري
البرتقال طازجًا، ثم اقطعه لدوائر مثالية محاطة بالقشر، واضعها في قدر مليء بالماء،
مع كمية وافرة من السكر ثم اتركه يُطهى على نار هادئة منخفضة الحرارة، حتى يتماسك
الخليط ويتحول إلى توباز لامع قابل للأكل. عادة ما اخذه معي إلى مقر عملي كي استمتع
بلقمة منه بعد كل عميل مزعج كي يعيد لي حيويتي، أو بعد كل عميل لطيف كي يشجعني على
بذل المزيد من الجهد، أو بعد كل عميل مهما كانت طبائعه وجنسيته. لكن هناك شيء واحد
لم يستطع المرملاد هزيمة تأثيره عليّ وهو الكلام السيء الذي تشيعه أحدى زميلاتي
بشأن المربى خاصتي... إنها مذهلة وتحصل على تقييم عالٍ من العملاء، كما أن باستطاعتها
حل أي مشكلة بسلاسة تامة، عدا مشكلة كرهها للمربى وهذا ما انشأ العداوة بيني
وبينها. بدأ الامر لما جلست بجانبي في صدفة غريبة وقت الغداء، ورأتني أخرج مرطباني
من حقيبتي لأزيد كمية الحشوة في فطيرتي. سألتني بوجه مشمئز عمّا أكله، وكانت تلك هي
المرة الأولى التي نتحدث فيها عن أشياء غير متعلقة بالعمل... اجبتها بأنه مربى
منزلي الصنع، واعطيتها القليل بحسن نية لتجربه، لكنها استهجنت فعلي ورفضته رفضًا
شديدًا وكأني اقترفت منكرًا ما فعله أحد من السابقين. كان هذا الموقف هو الزناد
الذي جعلها تضمر لي العِداء والكره غير المبررين، كان اكتشافي الكبير وقتها هو أنها
تكره المربى لتجربة سابقة أو لحادثة ما، أو ببساطة لأن لسانها معوَّق، ولا يمكنه تقبل
طعم هذه التحفة بشرية الصنع، المشكور مبتكرها جزيل الشكر. بعد الكثير من الإشاعات
حول طعامي، واعتبار زميلاتي أي نظرة أو كلمة بيني وبينها هي افتتاحية لحرب بين الأعداء،
تُشعل وتُخمد في ذات الوقت لعدم وجود استجابة لها، قررت أن أكون اول من تخطو نحو
النصر، عن طريق تجهيز هدية مثالية لها تخلصها من مرضها وخوفها. أمضيت الأيام
والليالي كي أعد أفضل مربى يمكن لخبرتي وحاسة تذوقي ابتكاره، جربت العديد من
الوصفات الشعبية والحديثة، حتى وصفات العلامات التجارية المعروفة في مدينتنا، لكن كل
هذه التجارب لم تنفع ومصيرها معدتي. أي احمق سيرمي تلك الكنوز؟ جميع المصاعب
ستنتهي يومًا، ويحل الفرح مكانها، تمامًا كما انهيت تجاربي وسأذهب حاملة هديتي
التي ستعيد الألفة التي آمل أنها كانت بيننا يومًا، إلى سابق عهدها أو قد تحيلها للأفضل.
اليوم الخامس عشر بعد المائة: "لقد
كانت زهورًا".
لقد كانت زهورًا، الشيء الذي ارعبني لثلاثة
دقائق متواصلة، وملئ جو غرفة الاستراحة خاصتي بالتوتر، كان باقة زهور وضعها غالبًا
أحد الموظفين أمام الباب دون أن ينبهني وذهب ليكمل عمله. دخلت الغرفة بعد انتهاء حفلي
الغنائي المباشر بدقائق قليلة غيرت فيها زيي استعدادًا للعودة إلى منزلي، ثم سمعت
صوت حفيف متقطع يصدر من خلف الباب... ظننتها افعى تسللت إلى المبنى واكلت جميع
الموظفين كوجبة رئيسية وحان وقت طبق الحلوى، لكن عندما أرهفت السمع ساورني شعور بأنه
قاتل مأجور وظفه كاره لي، كي يتخلص مني بشكل نظيف، دون ترك أثر يدل على تواجدي في
هذا العالم غير أغانيّ المسجلة. سددت الباب بالكرسي ثقيل الوزن من أجل تحصين نفسي،
استغربت كونه لم يقتحم المكان بينما كنت احرك الكرسي، هل علم أني لاحظت وجوده وفكر
في خطة أخرى؟ في هذه الحالة عليّ اغلاق النوافذ، فهي المدخل الاخر لهذه الغرفة،
لكن كيف؟ يمكنه كسرها بسهولة، فلديه عضلات قوية بالتأكيد... لا امانع أن يقتلني
طالما هو وسيم! ويجب أن يكون غنيًا ايضًا، أعني بنفس مستواي المادي، فلا أريد أن
اقتل من قِبل فقير. مر من الوقت ما مر ولم يدخل أحد الغرفة، هذا غريب... هل اخرج لأتأكد؟
ماذا لو كان هناك فعلًا! يجب أن أكون شجاعة. فتحت الباب ورأيت ما أرعبني ووترني...
لقد كانت زهورًا.
اليوم السادس عشر بعد المائة: جنون العظمة،
بنفسجي، حاضن.
لطالما كنت اكره والدي الحاضن، أعني الذي تبناني
لما كنت طفلًا، لأنه اخذني بعيدًا عن والديّ الحقيقين اللذين اختفيا بشكل مفاجئ وتركاني
اواجه العالم بمفردي. لكن كل شيء بخير الان، بالرغم من أنه استغرقني الأمر عشر
سنوات لأفهم الموضوع بشكل واضح، واتقبل العيش مع هذا الشخص غريب الاطوار، لنقل
أنها كانت فترة تمرد مبكرة، ولندع قصة الحادثة التي جعلت علاقتنا اقوى، لوقت اخر. بالتحدث
عن والدي فهو مصاب بجنون العظمة، وهذا يتعلق بشكل كبير بالسبب الذي جعله يقوم
بتبنيّ. يرتدي والدي البنفسجي دائمًا، لأنه يقول أنه لون خاص بالملوك والطبقات العُليا،
أجل هو يتخيل نفسه ملكًا وأنا وريثه الوحيد، وعليّ الاستعداد جيدًا كي أكون اهلًا
للحكم بعده، واستعيد حقه المسلوب عن طريق نشر اسم عائلتنا للعالم، وجعلهم يعترفون
بنا كحُكام له. لم أفعل أنا ذلك وليس هو؟ بالضبط، لأن مرضه -المتخيل طبعًا- ينتشر
في جسده وسيقتله قبل أن يُتم أيام شبابه، لذا ستنتقل السلطة كاملة لي أنا الذي
أكون ابنه. لكنه في احيانٍ كثيرة يجعلني أشك بكونه يتوهم الأشياء التي يقولها، فهو
في الحقيقة يقوم بخياطة ملابسه الملكية التي يصفها بكونها صناعة خاصة بنفسه. وهو
بارع في الطبخ ايضًا. اتوقع مقدرته على فعل كل الأشياء التي يتخيلها كركوب الخيل
والتخطيط العسكري، وكل ما يمارسه أي ملك لو اُتيحت له الفرصة.
اليوم السابع عشر بعد المائة: "وضِعَت
الرسالة على مكتبه دون أن تُمس، حتى غطى الغبار طياتها".
اليوم الثامن عشر بعد المائة: "حذرتك
من إيذاء أخته".
اليوم يكون قد مضى أسبوعين بالضبط منذ حادثة
قتل الطفلة المحبوبة أليسون، أو أليس كما كان يدعوها جميع سكان الحي. لا زالت
الشرطة تحقق في الأمر ويأتي بضعة من افرادها لاستجوابي وعائلتي كل يوم، بحكم أن
أخي الأصغر ماكس صديق لجاكسون، أخ الضحية الذي انتحر بعد موتها بأسبوع. استمر افراد
الشرطة المستهترين بالتحقيق دون نتائج، فقط لأن عائلة جاكسون الثرية تقوم بالضغط
عليهم كي يجدوا قاتل ابنتهم، والدليل الواضح على هذا هو عدم اهتمامهم بمعرفة مكان أخي،
لما اخبرتهم بأنه قد انتقل للعيش بمفرده في منطقة أخرى، من أجل الاستعداد للجامعة
رغم عدم تأكيد قبوله فيها. انقطع التواصل مع أخي هذا لانشغال والديّ إلا من طرفي، بقيت
احدثه كل يوم عن طريق الرسائل النصية، لأعرف اخباره وابلغه بالمستجدات. استعدنا
الماضي بالتحدث عن بعض الذكريات المشتملة على جاكسون وأليسون، واخبرني بموقف ابقاه
سرًا عني فهمت منه أنه قد قام بفعل شيء ما لأليس وقتها...
"أتذكر؟ حذرتك من إيذاء أخته
يومها"
"لم تتأذى من ذلك! أنتِ تبالغين في
القلق عليها!"
من معرفتي له، كان ماكس طفلًا مشاغبًا مؤذيًا
ولم يتخلص من هذه الصفات حتى بعد ما كبر، فكنت أُذكره كلما خرج للعب مع صديقه بأن
يكون حذرًا، وألا يؤذي اخته كي لا نتورط في مشاكل مع عائلتها، لكنه لم يكن يصغي
ابدًا. اشتد قلقي عليه بعد معرفتي لهذا، فماذا لو اكتشفت الشرطة ما فعله وقاموا بإلصاق
التهمة به؟ وفي صدفة غريبة، اثناء تفكيري بهذا حضر أحدهم ليسأل عن مكانه! ادعيت
الجهل وكذبت قائلة أني لا أعرف عنوانه ولم اتواصل معه مذ غادر، مما جعل الشرطي
يعود خائبًا. رجعت إلى هاتفي وأخبرت ماكس بأن يحذر لأن الشرطة في طريقهم إليه، وقد
يلبسوه التهمة بعد تظاهرهم بالتحقيق معه. قرأ الرسالة فور وصولها إليه، لكنه لم
يجب عليها ولو بحرف... ما بين أرق وقلق انتظرت ليومين بلا أي خبر سواء منه أو من
الشرطة، حتى تفاجأت بعرض صورة ماكس على التلفاز، ضمن خبر عاجل يُفيد بانتحار فتى
مراهق في شقة يعيش بها لوحده. لم اصدق هذا حتى ذهبت للتأكد من جثته واستلام اغراضه،
كان هو بالفعل! أخي الصغير ماكس ممددٌ على الطاولة وقد أحيط عنقه بكدمة زرقاء على
شكل حبل، اخبرني الشرطي أنه قد انتحر شنقًا، كما فعل جاكسون تمامًا. سلمني جميع اغراضه
ومن ضمنهم هاتفه وظرف مفتوح قائلًا: "وضِعَت هذه الرسالة على مكتبه دون أن تُمس،
حتى غطى الغبار طياتها." كانت رسالة من الجامعة تفيد رفض قبوله فيها، موقعة بنفس
تاريخ رسالتي الأخيرة له... لاحقًا انتهى الأمر بإغلاق القضية لعدم توفر الأدلة، وانتقلت
العائلة المنكوبة إلى منطقة أخرى، ولم نسمع أي خبر عنهم بعدها.
اليوم التاسع عشر بعد المائة: مرحبًا، مقدس،
غرض.
أخرج من تلك القرية البدائية وأمشِ لبضعة
أمتار حتى تلقى نهرًا مقدسًا يرده الرهبان، وبعض المؤمنين. ثم أنظر خلف الأشجار
وستجدني هناك اتخفى عن الأنظار، كي أرسم ما أراه أمامي تارة، وما يصنعه خيالي تارة
اخرى، بعيدًا عن أي إزعاج أو تكفير يلقيه القرويون عليّ. كما قلت تمامًا، لتحجر عقولهم
يصنفون الرسم كخطيئة يُعاقب مرتكبها من قِبل الإله، لذا تُصب عليّ النصائح وأُذكر
بالعذاب كلما أمسكت بفرشاة، فقررت الفرار إلى الغابة حيث لا شيء يسكن هناك عدا
السلام والهدوء. لكن يوجد شخص واحد من بينهم يبتسم في وجهي متى ما رأني، دون أن
يلقي لكفري بالًا، أو يهتم بنصحي رغم تدينه الشديد، ليس لإعجابه بفني المهضوم حقه،
بل لحلمه ورزانة نفسه. هو راهب بشوش يعمل في معبد، يُحي زواره والعابرين أمامه بكلمة
مرحبًا وكأنهم يزورونه في بيته. وأنا أحد أولئك العابرين بصفتي شخصًا لا دينيًا،
أمر بجانب البوابة ذاهبًا أو عائدًا إلى حيث أريد، وهو عالمٌ بكفري ورغم ذلك يساويني
بالأخرين ويرحب بي كأن شيئًا لم يكن. وفي الاحيان القليلة التي توقظني فيها السناجب
بعد أن أغفو وسط النباتات، اثناء عملي على لوحة ما، أراه وقد غَرَضَ الماء باكرًا،
فيغسل جسده طلبًا لبركات النهر، حتى إذا أشرقت الشمس يهم بالعودة إلى القرية ليبدأ
مهامه الصباحية. أظنني سأدفن لوحاتي وأتّبع خطاه...
اليوم العشرين بعد المائة: أداء واحد
لمسرحية أو عرض في مكان معين.
اجتمعنا الليلة في مختبر منعزل بعد انتهاء
ساعات عمل موظفيه، من أجل إجراء عملية تبادل سرية، محورها هو حقيبة مليئة بأكياس
صغيرة شفافة تحمل مخدرًا، ستُستبدل بأخرى مليئة بالأوراق النقدية. طرفا التبادل هما
مجموعة مجهولة حديثة الإنشاء تُدعم من قِبل شركتي بالخفاء، والتي بدأت تكتسب سمعة جيدة
في العالم الخلفي، عن طريق بيعها لمخدر جديد ذا مفعول سريع، ورجل ثري مخدوع لا
يعرف الطريقة الصحيحة لإنفاق ماله، أحضر معه اثنين من حراسه. ما اوصلنا إلى هنا هو
تظاهري المثالي على مدى أشهر مضت، بكوني رئيسًا لشركة ما بذلتُ جهدًا كبيرًا في
تخيل تفاصيل عملها وموظفيها، كي أتقرب من ذلك الثري، ولما مال نحوي بُحت له بسري
الصغير فوافق بسعادة على تقديم ماله، أنا لم أجبره إنما خدعته فقط، هذا ليس خطئي. نعود
إلى الحاضر، عملية التبادل مستمرة بلا أية مشاكل مع أعواني الذين بدأوا العمل الليلة
فقط وفي هذا المكان. أحدهم هو الكيميائي المشرف على إعداد المخدر وليد الصدفة، وقد
أخذ يتحدث عن روعه اختراعه وفوائده المحتملة، مما أقنع المشتري أكثر، وبهذا تمت
العملية. هربنا فور حصولنا على المال منهيين أداءنا الأول والوحيد، الذي بعنا فيه
حلوى منتهية الصلاحية لكتلة الكبرياء المتكلمة تلك. والان عليّ التفكير بقصة مسرحيتنا
القادمة، فما جمعناه الليلة سينفد سريعًا، ولا راحة في عالم النشّالين ابدًا.
اليوم الحادي والعشرون بعد المائة: الكريسماس
الماضي، غير محدود، سؤال.
في الكريسماس الماضي كنت قد كسرت عنق رجل ما،
وحبست نفسي بعد ذلك في قاعة فاخرة للغولف هربًا من وحدتي، وبحثًا عن الحماية كي لا
تسحقني السعادة المنتشرة في العالم آنذاك، وتهشم ما تبقى من قلبي. بقيت هناك حتى
حل صباح اليوم التالي، الذي سلمت فيه نفسي للشرطة طواعية واعترفت بكل جرائمي. حُكم
عليّ بالسجن لمدة غير محدودة، أو هكذا تمنيتها أن تكون فحولت أذني الكلام لأتلقاه
بهذا الشكل. أعيش الان خلف القضبان حيث طعامي وشرابي مكفولان، ويمكنني النوم متى
اشاء، لا مزيد من الأعمال المكتبية المؤجلة، أو الأعمال الجديدة المرمية على عاتقي
من قِبل موظفين آخرين يهتمون بمتعتهم فحسب، ولا مزيد من التوبيخ على شيء فعلته
وشيء لم أفعله، والأهم من هذا كله... لا مزيد من الوحدة، ومشاهدة الفرح يحف جميع
من حولك متجاهلًا إياك، وكأنك شيء جانبي سهل التخلص منه. لا سعادة هنا ولا
احتفالات إلا في مناسبات قليلة، والمشاركة فيها غير إلزامية، الكل هنا يبدون تعساء
حتى لو مُنحوا الإذن من أجل المغادرة لدقائق قصيرة، كي يتمكنوا من مقابلة اهاليهم
واحبائهم وهم خلف حائط زجاجي غير موصّل للعناق أو اللمسات الدافئة، هذا بالضبط هو
المكان المناسب لي... لكن يوجد سؤال واحدٌ يتردد في عقلي، لماذا لم أفكر بفعل ذلك من
قبل، وآتي إلى هنا في وقت أبكر؟
اليوم الثاني والعشرون بعد المائة: حركة،
كعك مكوّب، ذا صلة.
اليوم الثالث والعشرون بعد المائة: تائه، المؤرشف،
سارق القلم.
خطأ واحد قام الكثيرون بما هو أكبر منه، انهى
مسيرة عشر سنين سخرتها لخدمة هذه الشركة وعملائها، وجعلني أُنقل بلا مبالاة للعمل في
زاوية منعزلة من هذا المبنى، بدلًا عن الأرشيفي الوحيد الذي استقال مؤخرًا. ويا
لها من وظيفة، آتي كل صباح وأعبر ممرًا ضيقًا دون التمكن من مصافحة أو تحية أي بشري
آخر، حتى أصل إلى غرفة كئيبة مغلقة، أحجز نفسي فيها لساعات طوال مع الكثير والكثير
من الملفات المؤرشفة التي عليّ ترتيبها، أو إتلافها، أو نقلها إلى مختلف الأقسام،
ليتمكن المسؤولين من الاطلاع عليها لثوانٍ معدودة، لا تساوي في طولها المسافة التي
اقطعها مشيًا من وإلى غرفة الأرشيف. منذ قدومي إلى هنا وأنا الاحظ حركة غريبة في
المكان، كأن شخصًا أو شيئًا ما غيري يسكن الغرفة، أغيب فيُنهي جزءًا من عملي، أغفل
فيأكل قطعة من الكعك المكوّب الذي احضره من أجل غدائي، ظننتها أوهام يعرضها لي
عقلي جراء الوحدة الشديدة التي اعيشها، حتى امتدت يد أمام عينيّ واخذت قلمي... أملت
رأسي لأنظر إلى ما خلف المكتب فلم أجد احدًا كالعادة، لكني حزمت امري وأصررت على
معرفة هوية زميلي في الغرفة! درت حول المكتب وهو يدور خلفي حتى امسكته في غفلة منه.
سارق القلم كان صبيًا مراهقًا اشعث الشعر بسيط الثياب، حدق فيّ بنظرة لم أفهم منها
سوى تزاحمها بمشاعر لم استطع تحديدها، ثم سلمني القلم وعاد محني الرأس إلى حيث كان
يختبئ. تبعته فإذا به قد دخل إلى فتحة من الجدار مجهزة لتصبح كغرفة له، تحدثت معه
وسألته عن سبب تواجده هنا فأجابني بكلمة واحدة هي: تائه. لكن هذه كذبة جليّة فالباب
واضح وضوح الشمس، والغرفة ليست واسعة ليضيع فيها، بإمكانه الخروج متى ما رغب لكنه
لا يفعل... ولا يجيب إلا بهذه الكلمة عندما اسأله عن اسمه، أو من اين اتى، أو عن
والديه وماضيه وما شابه ذلك، هذا غريب، غريب للغاية... هل تم التخلص منه عن طريق
وضعه هنا مثلي؟ لكنه ليس مقيدًا ولا موظفًا يجب عليه إنهاء عمله، بإمكانه الخروج
والهرب على عكسي... هذا جنوني قليلًا لكن أمن الممكن أنه قد بقي هنا لفترة طويلة
حتى أعتاد المكان وأحبه، ثم كون صداقة مع الموظف السابق الذي تستر عليه وساعده، بل
وعلمه اسرار هذه الوظيفة ايضًا؟ هذا ليس عدلًا! لم يعلمني أحد! أعني... ما خطب هذه
الشركة؟ أو بالأحرى ما خطبي أنا!! هدأت من روعي، إنها مجرد تخيلات بلا أساس، لا
أحد سيحتجز طفلًا في غرفة كهذه، لكن لا مشكلة في احتجاز بالغ ها؟ لا اهدأ! إنه
ينظر إليك. فعلت المثل ولعلي بالغت قليلًا فقد صدّ عني. لاحظت شبهه الكبير
بالرئيس، أيمكن أن يكون ذا صلة به؟
اليوم الرابع والعشرون بعد المائة: زهور،
قبلة صيفية، قاعة رقص.
انتهى تدريب الرقص لليوم بسلاسة ككل الأيام السابقة،
ولأنه كان أحد أيام الصيف الأخيرة، ويسبق موعد المنافسة بإشراقتي شمس، قرر الرئيس أن
نعتبر يوم الغد كعطلة، ونذهب جميعنا إلى الشاطئ، لنسترخي ونستمتع بوقتنا بعيدًا عن
جو التوتر والتدريب. بالطبع لم يعترض أي أحد، الكل سعيد ومتحمس، وواثق من قدرتنا
على الفوز بالمدالية الفضية إن لم تكن الذهبية. حزمنا أغراضنا وغادرنا عائدين إلى
بيوتنا مودعين قاعة الرقص التي استأجرناها لست ساعات في اليوم منذ شهر مضى، ضمن
استعداداتنا للمعركة الطاحنة القادمة. حل اليوم التالي وتوجهت إلى الشاطئ مرتديًا
قميصًا اخضر اللون خفيف القماش ومغطى بطبعات زهور... أجل أعلم لست الأفضل في اختيار
الازياء لكن من يهتم؟ اجتمعنا لنستمتع. التقيت ببقية الأعضاء ولعبنا في البحر وفوق
الرمال لعدة ساعات حتى كدنا نصاب بضربة شمس، ولم نلاحظ غياب احدنا إلا عندما سمعنا
صوته من بعيد يعاتبنا لأننا لم نقلق عليه ونتصل به لنتأكد من سلامته، ثم قدم لنا
ثمرة بطيخ كبيرة احضرها من مزرعة عائلته، وقال أنها سبب تأخره. شكرناه بسعادة
غامرة وقطعناها إلى عشرة قطع، أخذ كل شخص واحدة، وأكبرهم كانت من نصيب الشخص الذي
احضر هذه المفاجأة الرائعة. جلست تحت المظلة وأكلت قضمة كبيرة باردة، أشبه بقبلة
صيفية منعشة، شجعتني على بذل كامل جهدي من أجل إيصال فريقنا للفوز في الغد.
اليوم الخامس والعشرون بعد المائة: الرقص في
الملابس، صفارات الإسعاف، رائحة البرتقال.
اخر شيء أذكر سماعه هو صوت صفارات سيارة
الإسعاف، ما زلت لا أذكر ماذا حدث بالضبط ولا اعرف لم أنا في المشفى الان، لكنني
هنا على أية حال ورأسي مضمّد، لم أخض شجارًا مؤخرًا لذا أعتقد أني قد وقعت، أو
أغمي علي ربما، أو هاجمني لص في غفلة مني، لا سأتوقف! أشعر أني سأنسى هويتي لو
استمررت بمحاولة تذكر ما حدث... ليلة أمس؟ كما أظن. أنه الصباح حسب ما تظهره النافذة
الموجودة في هذه الغرفة، والتي أشاركها مع ثلاث أسرَّة أخرى واحد منها ذا ستائر
مغلقة، يبدو أنه مشغول، هل ستقبل المريضة التي تستخدمه بأن تكون صديقة لي؟ مهلًا
قد يكون رجلًا، لست متيقنة لذا سأفترض كونها امرأة، آمل أن تكون كذلك فعلًا. منذ
استيقظت وأنا أشم رائحة برتقال تنبعث من الخارج، رائحة حلوة مألوفة هل أنا بداخل
مصنع حلوى بتصميم مشابه للمشفى؟ لا هذا مستحيل، فبجانبي مريضة أخرى، لكني لست
مريضة، هل أنا حقل تجارب؟ لا لست حقلًا أنا بشرية، أنا بشرية تجارب لكن لا يوجد شيء...
كانت هذه هي المرة الاولى التي أصرخ فيها بكلمة شيء! دخلت صديقتي المفضلة التي
تعيش في منطقة بعيدة من الباب للتو وقطعت حبل أفكاري، لم ارها منذ وقت طويل، كما أنها
أحضرت لي المربى الذي تحبه، أكاد أرقص في الزي الطبي لفرحتي.
اليوم السادس والعشرون بعد المائة: القطب الشمالي،
شرائح، غريب.
في القطب الشمالي أعيش، أنا دب قطبي أبيض
الفرو حاد المخالب، لدي بقعة صلعاء في بطني نتجت عن قتال خضته منذ زمن طويل، ورغم
أني أنشر مؤلفاتي التي دائمًا ما أذكر فيها هاتان الحقيقتان لكم أيها البشر، لكن
لا أحد يصدقني عندما أقول هذا. على أية حال، بما أنه لم يسألني أحد عن هذا فسأتحدث
بشأن نظامي الغذائي اليومي، أو لنقل شبه اليومي، الدب ايضًا يمر بأيام تكون فيها
حالته النفسية سيئة! واحيانًا لا أتمكن من صيد أي شيء ابدًا فأبقى بمعدة خاوية،
محال أن أكل الجيف كالبعض! طعامي يجب أن يكون طازجًا دائمًا. أتغذى عادة عن نوع
محدد من زعنفيات الأقدام، أو الفقمات كما تعرفونها، حيث اتسلل إليها بينما تستريح
على الجليد، فإن لم تلاحظني فأني اندفع نحوها بسرعة، وأهشم جمجمتها عن طريق عض
رأسها، يبدو هذا عنيفًا قليلًا لكن لا يمكنني الأكل ما لم أفعله. الجزء المهم هو
ما سأذكره الان، فور موتها أبدأ بتقطيعها إلى شرائح مناسبة للأكل باليد، هل هذا غريب؟
لن الصق فمي بالأرض كي أكل مثل أولئك الهمجيين، لأجل أن أطابق الصورة التي
صنعتموها بخيالكم! ألم تدركوا بعد أن كل ما تعرفونه عن بني جنسنا هو مزيف، وتمثيلية
متفق عليها صُنعت من أجل خداعكم؟ افتحوا اعينكم جيدًا، لا شيء في الواقع يبدو كما
ترونه.
اليوم السابع والعشرون بعد المائة: باب يقود
إلى روحك.
لقد طفح كيلي منك، إلى متى ستبقى منعزلًا
منطويًا على نفسك؟ تتكور في ظلام غرفتك مغلقة المداخل، وتصد محاولات كل شخص يبتغي
الدخول إلى قوقعتك، حتى لو كان ذلك بغرض الجلوس بجانبك وتنفس الهواء ذاته معك. دائمًا
ما تغمض عينيك كي لا ترى أي شيء، وتسد أذنيك بسماعات الرأس التي كادت أن تصبح جزءًا
من رأسك، فمك مغلق مهما كانت الكلمات والاسئلة التي تُلقى عليك. تتعمد اخفاء ملامحك تحت القبعات، وجسدك بداخل
الاقمشة الواسعة، وتقف خلف جدار غير مرئي تأمل منه أن يقيك الناس. إلى متى ستحبس
افكارك بداخل عقلك، وتزحم قلبك بمشاعرك كشارع رئيسي في مدينة صناعية؟ هل تنتظر أن
تنفجر؟ أو تتحول إلى كائن مختلف؟ انت بالفعل لست الشخص الذي عهدته، هل تريد التغير
أكثر؟ إلى متى ستغلق كل باب يقود إلى روحك بأقفال من فولاذ؟ فلا هي تتمكن من
الخروج لتلتقي بالعالم، ولا أحد يتمكن من الدخول ليؤنسها في وحدتها. أليس، أعلم
أنك بالداخل تمازحني لأقلق عليك أكثر، هيا أخرج رأسك من ذاك الحبل، وأنزل لنتناول
العشاء معًا في الطابق السفلي... لا تجبرني على فتح الباب ثانية، فلا أريد التأكد
من أن ما رأيته ليس متخيلًا! أليس أنزل الان، لم استسلمت الان؟ إلى متى ستبقى
معلقًا بالسقف كجثة مشنوقة لشخص اختار الانتحار بعد صراع طويل مع آلمه؟
اليوم الثامن والعشرون بعد المائة: منظف، في
الثلاجة، ملاحظة لاصقة.
عدت إلى شقتي بعد غيابي عنها لعدة ساعات، من
أجل التأكد من سلامتي في المشفى، بعد ارتكابي لخطأ لا يمكن لشخصي اقترافه ابدًا.
الا وهو دخول كمية بسيطة من منظف استخدمه لتلميع الأرضية إلى جوفي، لحسن الحظ أكد الأطباء
سلامتي بعد أن طلبت الخضوع للكثير من الفحوصات المتعلقة بالعظام، والاسنان، والنظر
والسمع وغيرها مما لا يسعني ذكرها. لا اهتم حقيقة بكمية المال والوقت اللذان خسرتهما
عليها، المهم عندي هو أن اتأكد من كوني بخير من جميع النواحي، وهذا ما فعلته ولن
أندم عليه. ارتحت لفترة وبدلت ملابسي، والان حان وقت إكمال التنظيف، عليّ ارتداء
كمامة كي لا أقع في نفس الخطأ السخيف مرة ثانية. وها أنا ذا مستعد بالكمام
والقفازات والأدوات اللازمة، لكن لا أجد المنظف، اين وضعته يا ترى؟ أذكر أنه كان
على الطاولة، هل أعدته إلى الخزانة قبل خروجي؟ لا اظن هذا. بحثت عنه قرابة الساعة
في كل الأماكن المحتمل كوني وضعته فيها ولا أثر له، فبدأت بالبحث في أماكن غريبة أولها
في الثلاجة... كان لدي شعور غريب تجاهلته، يلح علي بأن افتحها منذ دخلت الشقة، ويا
للمصادفة، كان المنظف يتوسط رفها الثاني وعليه ملاحظة لاصقة كُتب عليها بخط عريض غير
متقن، لا يشابه خطي في شيء، جملة "لا تشربه". لكني أعيش وحيدًا، ولم
اعطي مفاتيحي لأيًا كان...
اليوم التاسع والعشرون بعد المائة: حديقة
مهجورة، موجة حر، صرير أرجوحة وسط الرياح.
اليوم الثلاثين بعد المائة: عثّ، الأثير،
نبات يقرأ حظك.
وسط المدينة توجد منطقة لهو خضراء، وقع فيها
حادث منذ سنين مضت، تسبب في اغلاقها من أجل الإصلاحات التي بدأت في نفس اليوم لكنها
لم تتم ابدًا، حتى تحولت تلك المنطقة إلى حديقة مهجورة، مغطاة بالضباب وتعج
بالمخلوقات والاصوات الغريبة، متجاهلٌ وجودها من قبل جميع السكان، وكأنهم لم يقضوا
فيها أي ثانية ممتعة من قبل. لذا قررت في هذا اليوم الحار مخالفة كل القوانين
المفروضة، والتسلل إليها خلسة لأستكشف المخلوقات الجديدة التي اتخذت من حديقتنا
مسكنًا لها، وأصبح بذلك أصغر عالم ومستكشف في العالم بأسره. فور دخولي شعرت بموجة
حر غريبة، درجة الحرارة مختلفة هنا عن سائر المدينة، ومرتفعة إلى درجة غير طبيعية،
وكأن المكان مصمم ليحاكي صحراء أو ما شابه ذلك. عليّ معرفة السر، لن تردعني
الحرارة عن الاستمرار حتى القى هدفي! اثناء سيري عبر هذا الأثير الضبابي، لاحظت
وجود كائنات صغيرة مضيئة تطير في الارجاء، حط احدها على يدي فوجدت أنه عثّ مضيء، أكبر
في حجمه بقليل من العثّ العادي المنتشر في البيوت. ما الذي يحدث هنا؟ هل المخلوقات
هنا معدلة وراثيًا؟ من الصعب التأكد من فرضيتي في هذه المرحلة، لذا استمررت بالسير
رغم كوني لا أرى أي شيء عدا هذا الضباب والأرض من تحتي، سمعت بصوت خافت ما استطيع
تصنيفه كصرير أرجوحة وسط الرياح الحارة، فاطمأننت لإبقائهم الألعاب حتى الان. التقيت
بالكثير من النباتات الغريبة في طريقي، بعضها لا يمكن أن يعيش إلا في هذا المناخ
المصطنع، والبعض الاخر يتقبل مناخ المدينة المعتاد وقد يموت لو وُضع في هذه البيئة
الحارة، اما الباقي فهم نباتات جديدة بالكامل، تأكدت بسببها من فرضيتي التي تنص
على كون كل المخلوقات التي تعيش هنا معدلة وراثيًا، وليست طبيعية بالمرة. احدها
لديه أوراق بشكل أطفال حديثي الولادة، تتفتح عند لمسها لتظهر ما يشابه الاعضاء
الداخلية للبشر، والأخرى لها انياب تمتص بها دماء الحشرات، أو لنقل أي نوع من
الدماء فقد كادت تعضني لولا ابتعادي عنها في الوقت المناسب. بالإضافة إلى نباتات
مخدرة متوزعة في الارجاء، استطعت تمييزها لأنني أدرسها لا اتعاطاها! بدأت اظن أن
ما أراه هو هلوسة نتجت عن استنشاقي للضباب الذي هو في الحقيقة دخان ناجم عن حرق مراهق
عابث لبعض النباتات المهلوسة، جاهلًا بتأثيرها عليه اولًا وعلى غيره من سكان
المدينة ثانيًا. لكن هذه الهلوسات تبدو حقيقة للغاية، أي كما يفترض ان تكون... لدرجة
أنها جعلتني أجد نباتًا يمكنه قراءة الحظ، أوحى لي بأني لن القى الخير الذي تمنيته
هنا، وطلب مني الخروج فورًا. استيقظت بعدها على سرير أبيض، في مركز لعلاج المدمنين
يقع وسط المدينة، بعد فقداني الوعي ليومين كما أُخبرت، ولا أحد غيري يعرف بشأن تلك
الحديقة.
اليوم الحادي والثلاثون بعد المائة: زلة في
الموضة أدت إلى موت غير متوقع.
انهيت الأزياء العشرة الخاصة بعرض الأزياء الأول
في مسيرتي كمصمم ناشئ، في اللحظة الأخيرة قبل بدئه. حسنًا هذا ليس خطئي، بميزانيتي
البسيطة تمكنت من توظيف عارضتين، احداهما لم تستطع الحضور في الموعد لعطل في
سيارتها، فاضطررت لتعديل الأزياء التي كانت ستعرضها كي تناسب عارضة أخرى لا أثق
بها، ظهرت أمامي بالصدفة. لكن هذا لا يهم، المهم هو أن يجري العرض كما خططت له دون
أن تفسده هذه الهزيلة قليلة المهارة. وقد حذرتها عدة مرات بالفعل، آمل أنها فهمت ذلك.
بدأت الموسيقى، دوائر الضوء تدور حول الممر باحثة عن محورها الا وهو العارضة الأولى
التي خرجت للتو، إنها مذهلة بحد ذاتها لامتلاكها هذه الرشاقة والحضور القوي، لكن بارتدائها
تصميمي تصبح الأروع. على الجانب الاخر توجد هذه الهزيلة، ليست الخيار الأفضل لكنها
تبدو جميلة كعلاقة متحركة لأزيائي. على منوال مذهل استمرت العارضتان بتبديل الملابس،
والخروج للسير على الممر أمام الحضور، حتى حان وقت ظهوري الأول للناس، بعد عرض البديلة
لثمرة جهد أسبوع هي الفستان الاخير ذا الذيل الطويل. يجب عليه أن يكون طويلًا لذا هو
لا يلائمها ابدًا. وها هي تسير به نحو منتصف الممر ثم تلتفت عائدة إليّ بأناقة غير
متوقعة، ولعلي استعجلت قليلًا في خروجي فزلت قدمي على القماش، واصطدم رأسي بالأرض
بقوة، مما حولني إلى شبح يسكن قاعة العرض.
اليوم الثاني والثلاثون بعد المائة: أستوديو
فنان، قرص مسروق، حصى.
كل يوم في الخامسة مساءً أدخل إلى الأستوديو
المنزلي الخاص بي، والذي جهزته بعد جهد جهيد وعمر مديد، لأعمل على تأليف وتسجيل أغانٍ
جديدة ومبتكرة معتمدًا في ذلك على نفسي فقط، وسط بيئة معزولة الصوت بعيدًا عن
اسماع الهدهد محب المقالب الذي أعتني به، مذ وجدته صريعًا بينما كنت اتمشى في الريف،
لما زرته قبل سنين ابتغاء قليل من الإلهام. لا أعلم ما الذي جعله بذلك الحال لكن
شيئًا ما في داخلي دفعني للاعتناء به، رغم أن الأمر كان صعبًا للغاية وقتها خاصة وأنه
لا يوجد الكثير من مربي الهداهد هنا. على الرغم من كل تلك الصعوبات، مر الوقت الذي
جعلنا نتعلق ببعضنا إلى درجة أني ما عدت استطيع اطلاقه ليعود للبرية حيث ينتمي، بل
اكتفي بإبقاء باب قفصه المغطاة أرضيته بحبات من الحصى الملون بعضها بالوان تخالف
الموجودة في الطبيعة، مفتوحًا ليحلق في منزلي كما يحلو له. هل ذكرت كونه محب
للمقالب؟ هذا لأنه يهوى التسلل إلى الأستوديو عندما أغيب أو أغفل عنه، ليسرق أهم
قرص عندي، والذي أسجل عليه أغانيّ المفضلة بصوتي أو عزفي، كي استمع إليها عندما
ينقصني الإلهام، أو احتاج لدفعة معنوية لم يتمكن أي شيء آخر من اعطائي إياها. فُكلما
فقدته أذهب للبحث عنه تحت الحصى أو في منقاره، وأجده في احد المكانين كل مرة.
اليوم الثالث والثلاثون بعد المائة: أنت
قررت أن تحتفل.
أنت قررت أن تحتفل؟ أعني أنا قررت أن أحتفل.
المعذرة كان ذلك خطأً مطبعيًا، وهو الأول من نوعه في هذه النصوص البالغ عددها مائة
واثنان وثلاثين، كما أعتقد. للاحتياط فحسب اسمح لي بسؤالك، هل سبق ووجدت خطأً من
هذا النوع في النصوص السابقة؟ إن فعلت فلا تخبرني به من فضلك، لن أعيد كتابة أي
شيء. عدله اثناء القراءة ثم انسى أمره وكأنك ما رأيته، وإياك ثم إياك العودة للتنقيب
عن اخطائي! أذهب وجد هواية أخرى تتسلى بها، انتهى النص هنا بالفعل، الوداع. إلى
الشخص الذي ما زال يقرأ، بما أني ما زلت أملك مجالًا للكتابة، فسأعترف بأني لن احتفل
الان، ليس عندما يتعلق الأمر بهذا التحدي الطويل... جدًا. تبقى في علبتي الكرتونية
القليل من العناوين المجهولة، التي سأكتشفها يومًا بعد يوم حتى أصل أو لا أصل إلى
اليوم الأخير، هل ستستمر بالقراءة إلى ذلك الوقت؟ ستفعل بالطبع بما أنك ما زلت
تقرأ هذا الهراء ووقفت عند هذه النقطة. خذ نفسك، أرفع عينيك واقرأ الساعة، كم
رقمًا فيها دون حساب الصفر؟ ثلاثة؟ لتكمل الان. السؤال الحقيقي هو هل سأستمر
بالكتابة إلى ذلك الوقت؟ سأفعل بالطبع بما أني ما زلت أكتب هذا الهراء ووقفت عند هذه
النقطة. أخذ نفسًا، أرفع عيني لأقرأ الساعة، كم رقمًا فيها دون حساب الصفر؟ اثنان؟
لأكمل الان.
اليوم الرابع والثلاثون بعد المائة: مطعم،
طبخ، ضائع.
أعيش في الطابق العلوي من مبنى عتيق يقع في
منطقة التسوق، حيث يجتمع الكثير من الناس سواء كانوا من سكان هذه المدينة أو من
غيرها. منزلي جزء من منطقة التسوق لأن طابقه السفلي هو مطعم توارثته أجيال عائلتي،
أصبحت اتولى إدارته بنفسي منذ توفي والداي. لا يزورني الكثير من الزبائن في الأيام
العادية، ولا حتى في أيام الأعياد أو المناسبات الوطنية، وهذا ما جعل إدارة المطعم
امرًا سهلًا على شخص جاهل مثلي. قبل أيام قليلة فاجأني نبات غريب بنموه على عتبة بابي،
لم يكن يزعج احدًا وليس قبيح الشكل لذا تركته على حاله، اهتم بسقايته احيانًا، وقد
أدعه تحت رحمة الأم المسماة بالطبيعة احيانًا أخرى... كثيرة في الحقيقة. مرت أسابيع
قليلة نمى وتفتح خلالها، اكتشفت بعد بحث قصير أنه يعطي بعض الاطباق نكهة لذيذة فريدة
لو أضيف إليها، وبما أني كنت أفكر في طرق لزيادة شعبية مطعمي وقتها، قررت استخدامه
لمرة والتأكد من صحة مزاعم كتاب الوصفات الذي ذكر هذه المعلومة. قطفته وجففت بذوره
من أجل زراعتها في وقت لاحق، ثم بدأت بطبخ وصفات سهلة احفظها منذ طفولتي لكن مع
تغيير بسيط هو إضافة الأوراق لها، وأجل كانت أشهى من المعتاد! في اليوم التالي لما
خرجت باحثًا عن المعدات اللازمة للزراعة، وجدت ملصقًا عن نبات ضائع يشبه الذي
اكلته بالأمس.
اليوم الخامس والثلاثون بعد المائة: طفرة،
لا يمانع، دولسي دي ليتشي.
استضفت أخي الأصغر شديد التعلق بوالدتي في منزلي
بعد وفاتها، أعلم أنه سيُهمل نفسه لشدة حزنه عليها لو بقي وحيدًا، ولا أريد إقامة
جنازتين متتاليتين. هو لم يعد يتصرف كالشخص الذي عهدته، ولا كما توقعت أن يفعل حتى.
منذ وصله الخبر أصبح مجرد شخص شارد النظرات، كثير السرحان، يتنهد كل دقيقتين، لا
يلفظ من الكلمات إلا القليل إن اضطره الموقف إلى ذلك، واستمر على هذا الحال إلى
اليوم. أنا قلقة عليه... اصطحبته إلى المطبخ وسألته عما يريد تناوله، أجاب بعد
انتظار وإلحاح بأنه لا يمانع تناول أي شيء، وهو الذي كان ينتقي في وجباته بشكل دائم
ومحير! إلى درجة أنه قد يحب في الغد ما كان يكرهه في الأمس، أو قد يكره في الأسبوع
القادم ما كان يحبه الشهر الماضي! لا مشكلة، سأتجاهل هذا الأمر للان. قررت إعداد
حلواه المفضلة لعلها تبهجه قليلًا، وهي دولسي دي ليتشي، الحلوى البسيطة التقليدية
المكونة من الحليب والسكر. أخذت كل ما احتجته من وقت لأصنعها بطريقة مثالية، فلا
يبدو أنه سيتذمر لو طال انتظاره للطعام كما العادة. ما فاجأني هو أن كل الدموع التي
حبسها اثناء الجنازة، قد طفرت من عينيه لحظة تذوقه لأول لقمة، وقال بصوت مرتجف أن
طعمه يشبه ما تعده أخته. أبنتي التي أخذت مني أمومتي، وجعلتني شابة صغيرة ثم رحلت.
اليوم السادس والثلاثون بعد المائة: شبح جائع، إجازة،
مثلجات.
بعد حدوث الكثير مما لا يسعني ذكره الآن،
قررت علانية أني سأسافر مع زوجتي في إجازتي القادمة. كنا أنا وهي، بالإضافة إلى زملائي
في العمل، وأفراد عائلتينا وصديقاتها متشوقين لذلك، واليوم أخيرًا قد حانت اللحظة
المنتظرة. ودعنا الجميع في المطار بالابتسامات والدموع والهدايا، كأننا قد نبقى
هناك إلى نهاية العمر، وليس لأسبوع قصير نعود بعده إلى دولتنا وأعمالنا اليومية
المتعبة. لم تكن الرحلة بالطويلة ولا بالقصيرة، وتخللتها لحظات ممتعة، بما أننا لم
نحظى بوقت لنا وحدنا منذ فترة طويلة. وربما بسبب هذا لم نكن متعبين لما وصلنا
الفندق، فقررنا ترك أمتعتنا مع حامل الحقائب ليوصلها إلى غرفتنا، ريثما نذهب في
جولة قصيرة حول الشارع. فور خروجنا من البوابة، مرت أمامنا عربة لبيع المثلجات
المشهورة هذه المدينة بها، وتوقفت على الجهة الأخرى من الطريق. بدأ صاحبها بصنع
المثلجات فورًا ليبيعها على الأطفال الذين تحلقوا حوله، فاستسلمنا لرغباتنا
واشترينا منه نحن أيضًا، ثم تجولنا بين المحال والبيوت بينما نأكل، لكننا لم نكن
نعلم بأن استمتاعنا بالجو العليل، وبأن الضحكات التي تبادلناها فيما بيننا لن
يستمرا حتى الغروب... عدنا إلى الفندق واتجهنا مباشرة إلى غرفتنا لنجد ممتلكاتنا
قد دُمرت ونُثرت في كل شبر من الأرضية، ووسطها جلس شبح جائع لامرأة رفعت رأسها لما
سمعت صوت الباب، وأخذت تحدق بنا كأنها تقول "كنت بانتظاركما".
اليوم السابع والثلاثون بعد المائة:
قرارات؟، قدح، تحدي.
بعد أحاديث طويلة وساعات من اللهو، جلس
الصمت كضيف غير مدعو بين أصدقائي، وكاد أن يحضر معه صديقه المسمى بالملل دون استئذان،
ولشدة رغبتي في طردهما قبل أن يسيطرا على المكان فنصبح عبيدًا لهما، اقترحت أن
يفكر الجميع بلعبة ما، مهما كانت مكررة أو سخيفة، بما أن الليل ما زال طويلًا، ولا
أحد منا سيعود إلى منزله الآن. أو بالأحرى لا يوجد أحد يستطيع العودة اليوم، لأننا
محبوسون بالداخل بسبب الإعصار الثلجي غير المتوقع، والذي هيمن على شوارع المدينة. بدأ
الجميع بالتفكير بالفعل... أو ربما تظاهروا بذلك، فالهدوء ما زال يعم المكان.
"ما خطبكم؟ ألا يمكنكم اتخاذ أية قرارات؟" بهذا صرخت لأبدده، فتوالت
الاقتراحات المتردد أصحابها بقولها بوتيرة ثابتة، ثم شرعنا في تنفيذها جميعها بلا
استثناء أو تذمر، بدءًا من الألعاب البسيطة مثل حجرة ورقة مقص، تحدي أو حقيقة،
لعبة الملك. إلى الألعاب المعتمدة على الرسم واستحضار الأرواح. ثم ألعاب البطاقات،
ومنها للألعاب المعقدة مثل قراءة كتب الألغاز، الشطرنج، المونوبولي. وانتهاءً بالألعاب
الرياضية ككرة القدم، والقفز على السرير رغم تحذيرنا من عدم فعل ذلك. بالطبع كنا
متعبين بعد كل ذاك اللعب، ولم نلاحظ تأخر الوقت، حتى دخلت والدة صديقي الذي
يستضيفنا في منزله، لتعرض علينا قدحًا من الشوكولا الساخنة التي أعدتها للتو،
وتذكرنا بألا نسهر حتى لو كان اليوم عطلة.
اليوم الثامن والثلاثون بعد المائة: حركة
العجلة، مقدمة، مختل.
أكثر موقف محرج واجهته في حياتي بأكملها،
حدث في صباح أول أيامي في الثانوية العامة... لم استطع النوم الليلة الماضية له لشدة
حماسي، وخرجت للمدرسة مشيًا وكلي ندم لأني لم اكتفي بالبقاء مستيقظة اراقب مضي
الوقت البطيء، بل قضيت الليل كله في استعادة اساسيات الجمباز الذي كنت اتدرب عليه
منذ صغري، وتمرنت عليها عدة مرات حتى نفدت طاقتي مع شروق الشمس. لحسن سوء الحظ
الذي امتاز به، نجحت في الوصول للمدرسة دون إصابات أو غفوات، لكني نسيت أن عليّ الاصطفاف
في الطابور الصباحي. وقفت بينما رأسي يترنح ويدور في كل جهة بسبب النعاس والتعب
الجسدي البالغ، وعندها، في لحظة صادمة بدأ المدير بإلقاء مقدمة خطابه ليرحب
بالطلاب والمدرسين الجدد، والتي بدت كأنها أطول جزء فيه... قاومت النوم بكل ما
استطعت، لكن غفوة واحدة باغتتني دون أن أشعر، ولما علقت بسببها بين النوم واليقظة،
خيل لي عقلي المختل صوت مدربتي وهي تصفر وتأمرني بالانطلاق، فركضت اتباعًا لأمرها
أمام جميع الطلاب والطالبات من كل المراحل، بالإضافة إلى المعلمين، لا تنسوا
المدير، وقمت بحركة العجلة! تشقلبت دون وعي أمام الطلاب الفتيان، كلهم... يا له من
عار، أخجل من نفسي كلما تذكرت هذا الموقف. لم ينسى أحد ما فعلته ذاك اليوم، وأصبحت
معروفة بلقب الفتاة المتشقلبة عند كل أفراد كادر المدرسة، حتى يوم التخرج.
اليوم التاسع والثلاثون بعد المائة: أين كنت؟
اليوم الأربعين بعد المائة: سر، صبر، رمل.
في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أخذت ابني لنتنزه
معًا في الحديقة العامة. تركت يده فور وصولنا كي يذهب ويختلط ببقية الأطفال الموجودين
في منطقة اللعب، كان نشيطًا ومتحمسًا كعادته، لذا أبعدت عيناي عنه لما تأكدت من
كونه بخير، وجلست في مكان يُمكّنه من رؤيتي بوضوح في حالة حدث شيء ما له، ثم انشغلت
بقراءة كتاب وعدته بأن أبقى بصحبته منذ وقت طويل، لكني لم أفعل لكثرة مشاغلي. ذاك الكتاب
كان رواية مشوقة لكاتب ما لم أحفظ أسمه، سرقت كامل وقتي وانتباهي، ونقلتني بسحرها إلى
عالم آخر لم أفق منه، إلا عندما سمعت صوتًا مألوفًا لامرأة وهي تنادي باسمي. تحلقت
حولي مجموعة نساء هن صديقاتي من الأمهات، نلتقي عادة في صباح ومساء كل يوم أثناء
اصطحاب ابنائنا من وإلى الروضة، صداقة ابنائنا هي ما جعلتنا صديقات بالمناسبة. وأحيانًا
نلتقي في اجتماعات المعلمين والأهالي أو اجتماعات الحي، وأحيانًا أخرى نتفق على تناول
الغداء في مقهى، من أجل الابتعاد عن الروتين اليومي وترك مشاكل المنزل تبقى في
المنزل، لكن ينتهي بنا الأمر في كل مرة بالتحدث عنها، واليوم ليس استثناءً من ذلك.
تحدثنا عن بعض الشائعات، وعن مشاكل تربية الأبناء، وعن أزواجنا والكثير الكثير حتى
أوشكت الشمس على المغيب، ونادت كلًّا منهن طفلها ليعودا إلى منزلهم. أما عني فقد
نسيت أني أم للحظة، لم أجد صغيري بجانبي، نظرت إلى منطقة اللعب شبه الفارغة حيث
رأيته آخر مرة، فسمعت صوته بجانبي يناديني... "أين كنت؟" سألته بقلق.
أجابني بكلمة واحدة اقلقتني أكثر وكانت: "سر". طلبني إغماض عيني، وألا
افتحها مهما حدث، ففعلت. وبينما كنت غارقة في الظلام راودتني مختلف الأفكار عن كيف
سيؤذي ذاك الشخص أو الشيء مجهول الهوية، ابني الذي لا يريدني أن أراه. وبصراحة
كانت تلك أفكارًا مروعة أردت الهرب منها بأسرع ما أستطيع، عن طريق فتح عيني لأعرف
أيها قد أصاب الحقيقة، لكني وعدته بألا أفعل، وآخر شيء أريده هو تعليم ابني الإخلاف
بالوعد. بقيت أناديه عدة مرات في أوقات متفرقة لأتأكد من كونه بخير وموجودًا حولي،
وكان يجيبني في كل مرة بجملتين اولهما "أنا بخير" وثانيهما "لا
تنظري". بدا صوته عاديًا ولا يعاني من أي خطب لذا قررت التحلي بالصبر
وانتظاره حتى يسمح لي بالنظر. لا أعلم يقينًا كم من الساعات مرت، ولا أعرف ما إذا
كنت قد غفوت خلالها أم لا، لكن مر وقت طويل مذ اغمضت عيناي واستطعت قطف ثمرة الصبر
اخيرًا! سُمح لي بفتح عيني، ففعلت. كانت الشمس تسحب آخر شعاع لها، والحديقة فارغة
بالفعل. آتى طفلي نحوي مغطى بالرمل، وأشار بأصبعه الصغير إلى صندوق الرمال حيث بنى
قلعة كبيرة رائعة، وقال بابتسامة عريضة احبها جدًا أنها لي.
اليوم الحادي والأربعون بعد المائة: قطار
السيرك، جيران جدد، كل شيء.
فور علمنا بوصول قطار السيرك إلى بلدتنا، حزمنا
أغراضنا وذهبت برفقة أخي الأكبر لنخيم في منطقة قريبة من مكان إقامتهم، كي يتسنى
لنا مشاهدة تدريباتهم، وعروضهم مجانًا من خلف الكواليس قبل موعد العرض الفعلي.
أصبحنا مثل جيرانهم الجدد، صرنا نستيقظ في كل صباح لحظة سماعنا لأصوات الأبواق
والحيوانات وننطلق مسرعين لنتجسس أعني لنشاهد تدريباتهم، دون أن نفوت أي لحظة منها
متظاهرين بكوننا طفلين عاديين، مبهورين بتلك الحيل الفريدة. عروض المهرجين، البهلوانيين،
السحرة، لاعبي الخفة، نافثي النيران، مصارعة الحيوانات المدربة، لاعبي الأراجيح
والحبال المشدودة، وحتى طريقة إعداد المقدم لخطابه الذي سيرحب فيه بالحضور، ويقدم
لهم مختلف العروض التي يبرع فيها موظفيه. راقبنا كل شيء، وحفظنا جميع التفاصيل
والأسرار الصغيرة التي تجعل من عروضهم الأفضل على مستوى العالم. لكن لم أتوقع
كونهم بهذه الدرجة من الحماقة، لم يأخذوا حذرهم أمامنا وكشفوا لنا الكثير، لظنهم
أننا مجرد طفلان معجبان بهم، حتى أن أحدهم قال لي إنه سينتظر قدومي لأخذ مكانه عندما
أكبر وأصبح محترفًا، بالكاد استطعت منع نفسي من الضحك في وجهه. لم يخطر ببال أي
فردٍ منهم أننا جاسوسان لصالح منافسهم الذي لا يقل عنهم شهرة، سيرك البلدة المُدار
من قِبل والدي. وقد آتينا لسرقة خبرتهم ومعرفة خططهم، من أجل استخدامها في عروضنا
الخاصة، وترقيتها إلى مستوى آخر لكسب المزيد من الجماهير.
اليوم الثاني والأربعون بعد المائة: همسة متبوعة
برائحة الصنوبر، مسافر عبر الزمن، غش.
بالأمس كنت قد قررت في نفسي ألا أتخاذل أكثر،
وأسعى من أجل الحصول على عالي الدرجات، لأنهض بمعدلي الدراسي من القاع حيث سقط. واليوم
ضعفت همتي فجأة وكاد هواي يجرني إلى الملذات الدنيوية، ويشغلني بها عن هدفي، لكن
هيهات هيهات! أعرف فخاخه جيدًا ولن أقع فيها مجددًا. بعد حصولي على القليل من
التحفيز، استطعت الوقوف شامخًا على قدميَّ متجاهلًا رغباتي، وبدأت الدراسة من أجل الاختبار
المحدد موعده صباح الثلاثاء القادم، أي بعد أسبوع من اليوم. وهذه تُعتبر سابقة في مسيرتي
الدراسية، ومعجزة لم ولن تتكرر إلا في حالات استثنائية. لكن همس في أذني صوت
أعرفه، بكلمات تبتغي إغرائي للباطل، متبوعة برائحة الصنوبر الذي أهوى أكله بين
الوجبات. أتدعوني إلى الغش يا هذا؟ ما أنا بطائعٍ لك. حذرني من مستقبل مظلم
سأواجهه لو كلامه تجاهلت، وعلمني كيف لتعقيد الأسئلة أن يُفك. سألته كيف عرفت؟ قال
لأنني جربت، أنت غششت ومستقبلك دمرت. أنا غششت؟ ما هكذا تكون بي الظنون! قال ما هي بظنون، بل مستقبلك أكون. لو كنت لي مطيع
في حلقة ستضيع، ودون أن تستريح أو تتلقى المديح. بعدها الصوت اختفى، كانت نفسي
المستقبلية تحذرني من شيء قد أفعله، والذي سيصب المشاكل عليّ صبًا. بالكاد استطعت استعادة
هدوئي، فقد روعتني كلماتي إلى حد نسياني ما درسته، علي البدء من جديد الآن.
اليوم الثالث والأربعون بعد المائة: "إنه
أفق الحدث، حيث لا عودة."
إنه أنا مجددًا، لم أصل إلى اللانهاية بعد، لذا
ما زلت أجلس كل يوم أمام الشاشات في غرفتي المظلمة، منتظرًا الصور التي سيرسلها مستكشف
الأشعة فوق البنفسجية، الذي صنعته هنا وأطلقته للفضاء، معتمدًا على أبحاثي الفردية
فحسب قبل شهور مضت. كما قلت سابقًا وسأظل أقول هذا حتى يتحقق، هدفي هو الكشف عن غموض
الثقوب السوداء وما بداخلها من أسرار، حتى لو استغرقني هذا السنوات الطوال، أو عنى
قفزي داخل واحد منها، ولربما لهذا السبب لم تقبل أي منظمة معنية بأبحاث الفضاء طلبات
الانضمام خاصتي حتى الآن... لا يهم، هم خسروني. بقيت أقلب الصور التي يعرض بعضها أجرامًا
مظلمة ميزتها على أنها أقمار، أو لعلها كواكب. والباقي منها يصور أجرامًا مشعة
ميزتها على أنها نجوم تنتشر جميعها بشكل متجاور دون خصام أو تعدي في فضاء واحد
أسود فسيح. حتى رأيت واحدة بها خط من الضوء، تلتها صور غريبة لدائرة متذبذبة من
الضوء، وانقطع الاتصال بالمستكشف بعد ذلك... تساءلت عن ماهية الشيء الذي رأيته،
وحينها أدركت إنه أفق الحدث حيث لا عودة! مستكشفي
قد غاص عميقًا في ثقب أسود محتمل أن يكون معروفًا ويحتمل العكس. من أجل النجاح نحتاج
للتضحيات، وقد ضحيت بجهدي مقابل تحقيقي لهذا النجاح العظيم، الذي يستحق التوثيق
والنشر ليراه العالم أجمع، يا ترى أي جائزة وشهرة سأحصل عليهما؟
اليوم الرابع والأربعون بعد المائة: دوامة
خيل، إعلان، إيما.
ذهبت مع ثلاثة من أصدقائي فيما يبدو وكأنه
موعد مزدوج، إلى مدينة الألعاب خلال أول أيام إجازة نهاية الأسبوع. ظننت أننا اتفقنا
على اللعب والتجول معًا، لكن يبدو أنه كان طعمًا لاستدراجي وقد ابتلعته بالكامل. إذ
إن ما حصل بعد انتهائنا من اللعبة الأولى، هو ذهاب أولئك الاثنين متعذرين بحجة
سخيفة اختلقاها للتو، مما جعلني أبقى لوحدي مع إيما، الفتاة التي أكن لها مشاعر حب
لا تعلم عنها شيئًا. طلبت مني أن ننتظر عودتهما لأنها لم تكن تعرف بشأن خطتهما الغبية،
ووافقتها الرأي لعلهما يتراجعان عن قرارهما، ويعودان لنكمل يومنا بسلام. انتظرنا لوقت
طويل دون أي نتيجة، فقررت الاستسلام وأخذها لنتسلى وحدنا بما أني أملك التذاكر. لعبنا
كثيرًا وابتعت لها بعض الطعام من الأكشاك، حتى أوشكت الشمس على المغيب، ووقتها كنت
قد نسيت أمر ذينك الاثنين بالفعل. بدت إيما مستمتعة للغاية ولا أعتقد أنه يوجد شيء
في العالم سيجعلني سعيدًا أكثر من هذا. قررت وقتها أن اللعبة الأخيرة ستكون دوامة
الخيول التي تلمع باللون البرتقالي تحت سماء الغروب الحمراء، وهناك سأعلن عن حبي
السري لها، متمنيًا من كل قلبي أن تقبل مشاعري. ساعدتها على الصعود وجلسنا على مقعدين
متجاورين... بدأت الموسيقى المبهجة، وأخذ القرص يدور عكس عقارب الساعة، بوتيرة أبطئ
من التي اعتدنا عليها في طفولتنا، لحظتها نبست باعترافي المباغت...
اليوم الخامس والأربعون بعد المائة:
"اهتزت الرؤية واختفت كالإصابة بالسَّادَّ".
اليوم السادس والأربعون بعد المائة: بلا
مبرر، لعب بالورقة الرابحة، عائدات.
حزمت مبلغًا عظيمًا من المال يساوي جميع
مدخرات عائلتي التي سحبتها للتو في حقيبة، وانطلقت مسرعًا تحت جناح الليل، إلى المكان
الذي اتفقنا على اللقاء فيه، أنا ومحصلي الديون الذين اختطفوا زوجتي وطفلي قبل
يومين، بلا مبرر عدا امتناعي عن سداد ديني مضاعفًا مع العائدات كما أعتقد، والذي
لا أعتبره سببًا معقولًا، لقيامي بدفع المبلغ المتفق عليه كل شهر بدون تأخير أو نقصان.
لكن لا شيء من هذا يهم، ما حدث قد حدث ولا يمكن تغييره، أنا مضطر الآن لدفع كامل
ديني من أجل استعادة عائلتي دون التسبب بأية أضرار لهم. كنت قد اتفقت مع الخاطفين
على إعطائهم المال مقابل أن استلم أفراد عائلتي في نفس اللحظة، وهذا ما أعتقد
الجميع حدوثه، لكنهم لم يعلموا أني أملك مسدسًا ملغمًا ورخصة لاستخدامه. كان المجرمين
في الموقع بالفعل لما وصلت إليه، وقد تأكدوا من عدم مقدرة عائلتي على التحدث أو
الرؤية. همهمت زوجتي بكلام لم أفهمه عندما سمعت صوتي، فأخبرتها بأني سأنقذهما على
الفور، سلمتهم الحقيبة بوجه خائف كاذب، واستعدت ضالتي بعد تحققهم من عدم تزييفي
للمال، لكني لم اكتفي بذلك. في اللحظة التي التفت المجرمين فيها راحلين، أمرت
عائلتي بالركض ولعبت بورقتي الرابحة، مسدسي المُخبئ الذي وجهت فوهته نحو رأس أحدهم
أو زاوية قريبة منه، للعلم لست مجيدًا للتصويب ولم أفكر بإصابة الرجل حتى، جل ما
أردته هو إخافتهم إلا أن السحر انقلب على الساحر... طارت الرصاصة في الهواء، وأربكت
صفوفهم كما رغبت تمامًا، لكنهم لم يهربوا ولم يواجهوني بنفس سلاحي... بل استخدموا
غازًا مسيَّلًا للدموع جعل رؤيتي تهتز وتختفي كما لو أني أصبت بالسَّادَّ. بقيت
مغمض العينين فاقدًا للبصر، بلا مقدرة على تمييز ما يحدث حولي، وكل ما استطعت
معرفته عن طريق أذناي هو تمكنهم من الهروب. استلقيت على الأرض بلا حول ولا قوة
منتظرًا شفاء عيني، وانقشاع الغاز من حولي لأتيقن مما حدث، وظللت على هذه الحال
لبرهة، لا أعرف هل كانت ساعة أم أكثر لكن نتيجتها هي اختفاء العصابة، مع عائلتي
ومالي وكرامتي. كل ما بقي لي هو جسدي وقلبي المحطم وسيارتي، بالإضافة إلى هاتف مطفئ
لا أملكه، هل نسوه يا ترى؟ قد يكون دليلًا يساعدني على إيجاد المجرمين واستعادة ما
فقدت! شغلته فعرض لي فيديو لرجل مقنع قال إن عائلتي بحوزته، وعليّ دفع مبلغ معين مقابل
إبقائهم أحياء. أراني صورة لهم وهم على حالهم الأول، مقيدين معصوبي الأعين ثم
اختفى قبل أن أنبس بكلمة. عدت منحنيًا مكسورًا إلى منزلي أتذبذب بين الانتحار
والسرقة، عائلتي أو أنا، والكثير من الأفكار التي انتهت باستيقاظي من هذا الكابوس
الذي سيظل كابوسًا، لأني ما أزال رجلًا عازبًا بلا وظيفة أو زوجة.
اليوم السابع والأربعون بعد المائة:
"زوجته كانت تشرب الشاي مع الملك، وهو لم يكن على علم بهذا".
حل وقت العصر في هذا اليوم العادي، خف ضياء
الشمس لتعبها، وبدأت بتوديع المدينة مع وعد بالإشراق بأقصى ما يمكنها يوم غد، شُغلت
أعمدة الإنارة المصطفة على طول الشارع، أخذت الطيور تعود إلى أعشاشها وقد ملئت
بطونها وبطون صغارها، القطة المشردة تبحث عن نزل يأويها لليلة واحدة، وهكذا جميع
الكائنات تستعد لاستقبال الليل إما بالدخول إلى منازلها أو الاستعداد للخروج منها.
عدا زوجان جلسا في الفناء الخارجي الخاص بمنزلهما، ليحظيا بوجبة خفيفة تعيد لهما
نشاطهما، أحضر الزوج اطباق الحلويات وإبريق الشاي الدافئ من الداخل، ثم صب منه في
كوبين، الأول له والأخر لزوجته التي تخبئ عنه سرًا عظيمًا... وهو كونها تشرب الشاي
مع الملك دون علم زوجها. وكيف يعلم أنه ملك بالنسبة لها؟ لطالما كانت تعتبره الرجل
الأول والأخير، وهو الشخص الذي أغناها عن الاخرين، معه تشعر بالأمان لدرجة أنها قد
تغمض عينيها وتعطيه يدها، سامحة له بأخذها إلى حيث يشاء، وكلها ثقة بأنه لن يكون
مكانًا سيئًا. كلما أحبت شيئًا تجده في تفاصيله، أو قد تجد تفاصيله التي تحبها في
كل شيء، هو موجود حولها بشكل أو بآخر، دائمًا. معه عرفت الحب وعرفها، وتعلقت بكل أمر
صغير يخصه. قد لا يتحدث لسانها بمشاعرها دومًا، وقد تغضب حينًا وتخالف في تصرفاتها
قلبها، لكن عيناها ستظهر له الحقيقة مهما حاولت اخفائها.
اليوم الثامن والأربعون بعد المائة: نقي،
مركب، ناس.
في وسط البحر حيث تسكن الأمواج التي لا تملك أرضًا لتغمرها، وسط المجهول الأزرق الممتد على مرأى البصر، حيث تلعب الرياح كما تشتهي، وتدور حول نفسها في محاولة لتحديد الاتجاه الذي ستذهب إليه، بينما تُشكل أعاصير صغيرة تدوم لثانية وتختفي قبل أن يلاحظها أحد، وسط الهواء الرطب حيث تحلق الطيور بحثًا عن اليابسة. ضاع مركب صيد صغير يوجد على متنه كلب ذا فراء أبيض نقي، لم تدنسه أيدي الناس التي اعتادت على مداعبته لما كان يعيش فيما بينهم، داخل شقة تقع ضمن مجمع سكني يشكل جزءًا من المدينة، قبل أن يؤتى به إلى هذا المكان المحفوف بالمخاطر التي لا يدركها. بالطبع هو لم يكن هناك لوحده، بل رافقته مربيته اللطيفة للغاية حسب ما يُظهره جسده عن طريق تعابير وجهه المنشرحة، وترنح ذيله القصير، ونباحه بصوته الرقيق كلما رآها أو قضى بعض الوقت معها، إنه كلب لا يمكنه الكلام! لهذا أنا أحكي القصة بدلًا عنه، رغم كونه بطلها... مثير للسخرية. طالما هي موجودة فلا يهمه المكان أو الوضع الذي يكونان فيه، لذا المركب الضائع في اليم بلا طعام أو سُبل للعيش، مع فرصة عالية للموت دون علم أي أحد، ليس مستثنى من ذلك، فكل شروطه متوفرة، المربية موجودة، المربية سعيدة، هذا كل ما يريد. إنه كلب بفراء نقي وقلب نقي أيضًا.
سافر زوجان في رحلة إلى بلاد أجنبية، بعيدة
عن موطنهما من أجل الاستجمام، ظهر حبهما بشكل واضح للسكان، وأغرم بقصتهما الجميع
رغم أن لا أحد يعرفها أو حتى سمع بها، لكن أي شخص يجيد لغة العيون سيستطيع بسهولة قراءتها
في نظراتهما الشاردة التي تتجه مباشرة ناحية الآخر، دون إرادة صاحبها. جلسا بعد
سير طويل على إحدى الطاولات الخارجية لمطعم ما، وطلبا عصيرًا منعشًا يخفف عنهما حرارة
الشمس، بالرغم من وجود مظلة مثبتة بسطح المنضدة الدائرية تكفي الاثنين، إلا أن المرأة
ما زالت ترتدي قبعتها القشية الكبيرة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة بينما
تمسك بيد زوجها. لكن تلك اليد التي شدت عليها كانت في الحقيقة قائمة حيوانها
الأليف، الكلب الأبيض الذي اصطحبته معها في رحلة للعدم، وقد استخدمته لتهرب من
واقعها المؤلم الذي تكون فيه امرأة وحيدة بلا رفقة، كانت تغرق في الوهم الذي كتبه خيالها
بطلب من قلبها، دون أن تدرك أو لعلها تجاهلت عمدًا كونهما في وسط البحر حيث تسكن الأمواج
التي لا تملك أرضًا لتغمرها، وسط المجهول الأزرق الممتد على مرأى البصر، حيث تلعب
الرياح كما تشتهي، وتدور حول نفسها في محاولة لتحديد الاتجاه الذي ستذهب إليه، بينما
تُشكل أعاصير صغيرة تدوم لثانية وتختفي قبل أن يلاحظها أحد، وسط الهواء الرطب حيث تحلق
الطيور بحثًا عن اليابسة.
اليوم الخمسين بعد المائة: حكمة، ستارة
الحمام، أحمر شفاه.
بعد رحلة طويلة، وصلت أخيرًا إلى الفندق ودخلت
غرفتي الخاصة، بدأت مباشرة بإعداد ملابسي وعطري المفضل، بالإضافة إلى كل منتجات
العناية بالبشرة التي أحب رائحتها، ورتبتها على أقرب طاولة ثم ذهبت لأستحم. يا
للهول! في دورة المياه هذه توجد حيلة مذهلة! وهي ستارة جميلة تفصل بين المنطقة
الخاصة بالاستحمام وبقية مرافق الغرفة، أحببتها كثيرًا! أفكر بتطبيقها عندما أعود
إلى منزلي... لا يوجد أحد معي لكني رغبت بتجربة الشعور، فدخلت وأغلقت الستار. هذا
مدهش! توجد الكثير من المنتجات الرائعة التي أراها لأول مرة في حياتي مرتبة هنا،
لا أعرف لم تكبدت عناء إحضار مستحضراتي الخاصة. لم لا أمتع جسدي ببعض الدلال لمرة واحدة
وأجربها جميعها؟ لا داعي للتفكير مرتين بهذا. استغرقني ذلك الحمام المريح ساعة
كاملة على غير العادة، قضيتها في الماء الدافئ الذي غطى بخاره جميع الأسطح. هممت
بالخروج ملفوفة بالمنشفة، لكن الباب كان مفتوح القفل! هل نسيت إقفاله يا ترى؟ لا
أظن هذا. كنت على وشك تفقد الغرفة، لكن انتابتني رغبة كبيرة بالنظر إلى المرآة المعلقة
خلفي... التفت فرأيتها لامعة دون أي نقطة بخار عليها، أي كما كانت أول دخولي كأني
لم أفعل شيئًا هنا. وكُتب عليها عبارة باستخدام أحمر الشفاه المفضل لدي، والذي
وجدته مَرمَيًا بجانب المغسلة، وهي: "من الحكمة ألّا تغلقي ستارة الحمام
عندما تكونين وحيدة فيه."
اليوم الحادي والخمسون بعد المائة: نيران
مستعرة، قبلة مفاجئة، التحكم بالمياه.
كل فرد في هذا العالم ولد بقدرة مميزة، تعتمد
على عناصر الطبيعة الأربعة: الأرض والهواء، والنار والماء. وعادة دولتنا أن يقضي
الشبان الذين هم في مثل عمري، وقتهم في التدريب على مختلف المهارات من أجل معرفة
قدراتهم بشكل أفضل، وإتقان استعمالاتها العديدة. البعض قد يتوقف عن التدريب عند
المستوى الذي يكفي لعيش حياة عادية مثلي، والبعض الآخر يستمر حتى يصل إلى المستوى
القتالي، الذي يمنحه فرصة الاختيار بين الانضمام إلى صفوف الحرب وبين تدريس
الصغار. بالنسبة لي قدرتي هي التحكم بالمياه، وقد وصلت إلى نهاية تدريبي اليوم،
بعد عدة سنين من الفشل والنجاح. كاختبار أخير القاني المدرب في مبنى تلتهمه نيران مستعرة،
الهدف منه معرفة ما إذا كان بإمكاني استعمال قدرتي، للخروج من المبنى دون أن أصاب
بأذى، أو أموت بالطبع. كان لدي مهمتين، الأولى إيجاد خزان المياه قبل أن يتبخر ما بداخله
وقد تمت، والثانية هي استعمال هذا الماء للخروج وهي قيد التنفيذ حاليًّا، لكني لست
متأكدًا من نجاحها... حاولت وفشلت، تبخر الماء كله بلا فائدة، ويبدو أنه قد حان دور
دم شراييني. حاصرتني النيران من كل جهة، وأخذت تقترب ببطء، إلى حد تمكنها من طبع
قبلة مفاجئة على خدي الأيسر. كانت هذه المرة الأولى التي أُقبّل فيها، مما أفقدني وعييّ.
أُنقذت بسرعة، لكني لم أتدرب بعد ذلك أبدًا.
اليوم الثاني والخمسون بعد المائة: أعد
كتابة مشهد من روايتك المفضلة كقتال.
بدأ كل شيء في نهار صحو، سحابتان صغيرتان
تلعبان في المرج الأزرق المسمى بالسماء، النسيم يداعب وريقات الأزهار المنتشرة على
طول الفضاء الأخضر المسمى بالسهل، الحيوانات ترعى بجانب بعضها البعض في وئام، تصاحبه
أصوات تغريد العصافير العذبة. الحدث الرئيسي كان بداخل ذلك الكوخ الخشبي ذا الغرفة
الواحدة، الشامخ وحيدًا في مكان خالٍ من أثار البشر، والذي يأوي أميرة كفيفة غير متوجة،
وفارسها المدرع الذي كثيرًا ما يغيب عنها، بغية حمايتها من شرور أهل القرية. حضر في
ذاك اليوم المسالم بعد استدعائها إياه، عرفته من صوت دروعه فالتفتت ناحيته وهي
مبتسمة. هو يرى وجهها كل يوم، لكنها لم ترى وجهه ولو لمرة واحدة ورغم ذلك... قالت إن
لديها شيء لتخبره به. أجل هذا مشهد اعتراف بالحب ولا يشابه مشاهد القتال في شيء،
فشلتُ في التحدي، كف عن القراءة وأغلق الصفحة. أذهب لتنهي واجباتك وأعمالك
المتراكمة، أو جد أي شيء مفيد لتقوم به. كم هذا متعب! في هذه اللحظة بالذات أتمنى لو
أني كنت دب باندا لطيفًا يُتفرَّج عليه، بينما يأكل عود خيزران بلا اهتمام بأي شيء
غيره، بدل كوني دبًّا قطبيًّا مثقفًا أكتب لقراء من البشر المتفرغين، الذين سيقرؤون
أي شيء مكتوب أمامهم بهدف تضييع الوقت. أنت! توقف عن قراءة أفكاري وغادر، لست قطة
ليُسمح لك بفعل هذا... هل أنت كذلك؟
اليوم الثالث والخمسون بعد المائة: رجل بمعطف
مطري أصفر، يسقط من السماء في ليلة مطرية.
حل الليل على هذه المدينة التي لا تنام، الأضواء
في كل مكان لدرجة أن القمر يرفض الخروج، الناس يملؤون الطرقات رغم تبللها بقطرات
مطر منتصف الشتاء، وهم يحملون مظلاتهم مختلفة الألوان، وكل فرد منهم يمشي في طريق معاكس
لطريق الآخر. عادتي في هذه الأيام من الموسم البارد هي فتح نافذة شقتي المرتفعة
بخمسة طوابق عن الأرض، وإخراج يدي منها لتصافح المطر، حبيبها الذي افترقت عنه لعدة
أشهر، بينما أتأمل حال المدينة، وأتفكر فيما قد يشغل بال سكانها خلال هذه الليلة
لأكتب عنه. بالطبع كل ما أكتبه هي خيالات لا تمت للحقيقة بصلة، وإنما تستند على
ملاحظتي وتعظيمي لتفاصيل صغيرة مرتبطة بطريقة أو بأخرى بشخوص أولئك الغرباء. تلك
الليلة، بينما كنت منغمسة في تخيلي لحياة شخص ما يعبر الطريق أمامي دون إدراكه
لنظراتي، لفتني جسم غريب يسقط من السماء... لم أتيقن من ماهيته إلا بعد وقوعه، كان
رجلًا يرتدي معطفًا مطريًا أصفر اللون! تسمّر على الأرض لثوانٍ ثم حاول النهوض بصعوبة،
والألم واضح عليه. تجمهر الناس حوله من أجل مساعدته لكنه لم يلقي لهم بالًا، وبدأ
بالركض في طريق مستقيم مبتعدًا عن المكان، الذي تحول إلى مزار مع مرور الأيام. لم يتمكن
أحد من كشف غموض المعطف الأصفر، بالرغم من ظهور العديد من النظريات المتعلقة به، حتى
تحول إلى أسطورة حضارية.
اليوم الرابع والخمسون بعد المائة: "لم
تتوقع أنها ستكون مرسومة."
كنت أختبئ في معملي لبضع ساعات منذ بداية
هذا الشهر، كي أعد لزوجتي هدية مفاجئة ليوم ميلادها الذي سيكون في نهايته. كانت تمقت
الصبر، وتستغل أي فرصة قد تمكنها من معرفة أي تفصيل متعلق بهديتها مهما كان صغيرًا،
لذا اتخذت كل تدابير الحماية التي طرأت على بالي، فكنت أغلق الباب بالمفتاح كلما
دخلت وخرجت، وأتأكد من نظافة ملابسي قبل أن أقابلها، ولا أتحدث عن الهدية بشكل
مباشر أو غير مباشر مهما سألتني، لكن مع كل ذلك أعتقد أنها تمتلك فكرة أولية عن ماهية
هديتها بالفعل. قبل يومين من الموعد المنتظر، الذي يكون أفضل أيام السنة، لما بقيت
لي اللمسات الأخيرة لأضيفها، سألتها عن توقعاتها... فأجابت كتاب صور، أو عمل خزفي،
هل هي باقة ورد كما تهديني دائمًا؟ أم هي رسالة حب مع خاتم لتجديد العقد، عرفت! إنها
عطر وطقم الماس، لا بل فستان حكته بيديك؟ لكن لا جروح عليك. أخذت تعدد الكثير
والكثير من الأشياء، ولم تكن هديتي من بينها، لا أعلم هل هي تختبرني أو أنها لم
تتوقع أبدًا أنها ستكون مرسومة؟ أجل هديتي كانت لوحة تصنف ضمن فن رسم الأشخاص،
منسوخة من صورة لها، أنتجتها على عجالة يَدَيّ شخص مبتدئ في استخدام الألوان المائية،
ولم يتقن رسم تشريح الوجه البشري بعد. صحيح أنها لم تتوقعها لكنها أحبَّتها
كثيرًا.
اليوم الخامس والخمسون بعد المائة: تزهر،
اسم مسروق، أعلى وأبعد.
أتمنى لو أغادر نفسي وهذا المكان بشدة! أريد
أن ألقي بماضيّ خلفي، كما أخلع معطفي الثقيل بعد عودتي من مشوار لشراء البيض، أريد
التخلص من كل عيوبي، وحدود قدراتي، أريد نسيان نفسي وهويتي، أريد صنع مستقبل جديد
لي! لو كان الأمر بيدي لغيرت تسريحة شعري، وسرقت اسم صديقتي، ثم ذهبت حافية القدمين
لا أحمل أي قرش في جيبي، لأستقل المنطاد الهوائي وحدي، وأفلت الحبل الذي يربطه بالأرض
بالخطأ المتعمد، سامحة له بأخذي لمكان أعلى وأبعد من هنا، لمكان أفضل بكثير من
هنا، بينما أتجاهل صياح سكان هذه المدينة الرمادية، وقلقهم المزيف عليّ. لو كان الأمر
بيدي لكنت قد ذهبت إلى الجهة الأخرى من الكوكب، حيث تغمر المحيطات مساحات واسعة من
الأرض، حيث تمتد سماء صافية تكفي أحلام الجميع، حيث لا دمار ولا حرب، حيث تكون
المشاعر صادقة حقيقية بلا تزييف، حيث تنتصر الألوان على الرماد، حيث يسكن الحب لا
الكره، حيث تزهر الأشجار وتغرد العصافير، حيث تتجول القطط بلا خوف، حيث تعيش
شخصيات روايتي المفضلة حياة هانئة سعيدة، بعيدًا عن جور الكاتب. لو كان الأمر بيدي
لما بقيت في هذا المنزل ذو الغرفة الواحدة، الذي لا أستطيع مغادرته إلا لمشوار قصير
من أجل شراء البيض مرتدية معطفي الثقيل، هائمة بلا مستقبل جديد، حاملة ماضيّ
وعيوبي وقدراتي القاصرة معي أينما حللت.
اليوم السادس والخمسون بعد المائة: عاصفة
ممطرة، بيانو قديم، نوم غير مريح.
كثيرًا ما يسألني زملائي في العمل عن سبب
نعاسي المستمر، وعن ما إذا كنت لا أنام بالشكل الكافي في منزلي، رغم أني لا أعمل
لوقت إضافي أبدًا، وكثيرًا ما أغادر في وقت مبكر عن الوقت الذي يلتزم به الجميع. غالبًا
ما أتحاشى الإجابة أو أومئ برأسي موافقًا لأنني لا أستطيع أخبارهم بحقيقة كوني
أعيش في منزل مسكون، وتلك الأرواح أو أيًّا كانت تلك المخلوقات التي لا يمكنني رؤيتها،
تقوم بإزعاجي كل ليلة فلا أرتاح في نومي نهائيًّا. بصراحة لست منزعجًا ولن أقوم
بطردهم فهذا منزلهم الوحيد، وهم يسكنونه قبلي، بل على العكس اعتدت على وجودهم، إلى
درجة أني بدأت بإطلاق الأسماء على بعضهم. أحدهم يشكل صوت عاصفة ممطرة خارج النافذة
القريبة من سريري كلما حل الظلام، والآخر يتمشى في كل مكان دون تعب أو ملل فأسمع
صوت خطواته طوال الوقت، والثالث بجانب المطبخ يعزف بيانو قديم ذا صوت مبحوح كلما
هممت بالدخول، أما الرابع فهو يوقع إناءً زُجاجيًّا من فوق سطح طاولة الزينة المغطى
بالغبار، ثلاث مرات متتابعة كل أربع ساعات، وغيرهم الكثير. تكرارهم لنفس الأصوات
في نفس الأوقات يجعلني أشعر أنهم يرسلون لي رسائل من خلالها، بما أنهم غير متمكنين
من التحدث بلغة البشر، وأنا قاصر عن رؤيتهم فهذه طريقة التواصل الوحيدة الموجودة
بجعبتنا. هل عليّ أخبار زملائي بالحقيقة؟
اليوم السابع والخمسون بعد المائة: نظرت
مباشرة إلى عينيه وقالت...
مشهد ساحر يبدو كالأفلام، حيث التقت صبية
بفتى أمام أنظار كل الطلاب، في الساحة الخلفية للمدرسة. كانا خجلين لدرجة احمرار
انفيهما، اقتربا من بعضهما البعض ببطء، كأنهما على وشك إفشاء أسرار، لا يجب لأحد
أن يعلم بشأنها، ثم عمّ الصمت، وطال الزمن لدرجة أن جرس العودة للصفوف نسى واجبه وأخذ
يراقب اللحظة معنا دون أن يرن. كل الأحاديث الجانبية التي كانت تتناقل بين الطلاب
المتجمعين، الذين لم يبعدوا أعينهم عن ذانك الثنائي، تتحدث عن موضوع واحد، هو مدى
جراءة تلك الفتاة، لاعترافها بحبها أمام الجميع. وفي أثناء ذلك نظرت هي مباشرة في
عيني الصبي وقالت... قالت كلمة واحدة صدمت كل شخص كان في ذلك الموقع، من بينهم
الصبي الذي كان معها، حتى الجرس الذي رن بصوت عالٍ يصم الأذان. قالت كلمة واحدة
غادرت بعدها إلى المجهول تاركةً الكل في حيرة. قالت: أنا أكرهك. عرفنا لاحقًا من
المدرسين أنها انتقلت إلى مدينة أخرى، بسبب ظروف عمل والدها، لكنهم تكتموا على
اسمها وسنتها الدراسية بلا أي سبب واضح. كلام الأستاذة أكد على كونها أحد طالبات
المدرسة، لكن بالرغم من هذا اسمها بقي مجهولًا، حتى بعد سؤالي العديد من الطلاب
المفترض كون بعضهم زملاء لها. وبشكل غريب لم تنتشر أية إشاعات بشأنها، واختفت من
ذاكرة الجميع، حتى جمهور تلك الفاجعة، كأنها لم تكن.
اليوم الثامن والخمسون بعد المائة:
"التنصت أصبح عادةً في ذلك الشتاء."
أعيش وعائلتي في منزل صغير، ليس به تلفاز
ولا أي شيء من تلك الأجهزة الحديثة، المخصصة للتسلية أو لتسهيل الحياة، لأننا
فقراء لا نملك المال الكافي لشرائها، لذا علينا فعل كل شيء بمفردنا، وفي أحيانٍ
قليلة يؤدي هذا إلى نتائج أفضل، من تلك التي تصنعها الأجهزة، وفي أحيانٍ أقل يكون
أكثر إمتاعًا. حتى الشتاء الماضي كنت أعتقد بأني لن أحتاج الأجهزة أبدًا، حتى لو
حصلت على المال أو فرصة لامتلاكها، لأني عشت حياتي بدونها، لكن ما حدث وقتها أثبت
لي أني كنت مخطئًا بالكامل. بعد انتهاء العاصفة، خرجت لأتمشى وسط الثلوج باحثًا عن
شيء ممتع لفعله، مررت في طريقي أمام بيت الجيران الفاخر، إنه منزل عادي ككل
المنازل المصطفة في الشارع، لكن بالنسبة للمكان الذي أسكنه فهذا المبنى فاخر للغاية.
سمعت صوت ضحكات وموسيقى، أيًّا كان ما يحدث بالداخل فهو يبدو ممتعًا، لذا قررت
الجلوس والتنصت عليهم. لم أفهم أي شيء مما كنت أسمعه، لكنه أثار خيالي وطار به إلى
مكان مختلف، أكثر إمتاعًا من الألعاب السخيفة التي أمارسها كل يوم. بعد عدة أيام
من تكرار نفس الفعلة دون أن أُضبط، عرفت الوقت الذي تتكرر فيه تلك الأصوات كل يوم،
فكنت آتي قبله بعدة دقائق، وأجلس متشوقًا لساعة من المرح، إلى درجة أن أصبح التنصت
عادةً في ذلك الشتاء.
اليوم التاسع والخمسون بعد المائة: عينان
زرقاوتان وندبة، خدود رطبة، جدران ملطخة.
أزيل السواد من فوق عينيَّ، لحسن الحظ كانت مجرد
قطعة قماش، غطتهما في غفلة مني، كي يتسنى لهذا الغريب الذي يملك عينان زرقاوتان
تنعكس صورتي فيهما، وندبة طويلة تمتد من تحتهما مباشرة، تظهر أطرافها من فتحة
القناع الذي يرتديه، اصطحابي إلى هذا المكان. يبدو من الجدران الملطخة ببقع من
صبغة حمراء غامقة، أنه المكان الذي يقتل فيه ضحاياه. من الواضح جدًّا أني سأكون التالية،
لو لم أفعل أي شيء لردع شره عني. ابتعد عني كي يحد سكينه، حاولت ترطيب خدّايّ
بدموع مزيفة، مثل القصة التي سأرويها عليه بهدف ترقيق قلبه، لعلها تفضي إلى إطلاقه
لسراحي، دون أن أصاب بأذى. حدثته عن حياتي المأساوية، وفقداني لوالديّ، وعيشي مع
جدي وجدتي مذ كنت طفلة، وأني الشخص الوحيد الذي يعتمدان عليه، فلا أخوة لي ولا
أقارب. وعدته بعدم إخبار الشرطة، والتزام الصمت حتى آخر يوم لي، لو أطلق سراحي الآن.
نظر إليّ بنظرة المشكك المستغرب، هل تحرى عني قبل أن يخطفني؟ لا أعتقد هذا... فكرت
فيما قد يبعد الشبهة عني، وتذكرت صورة جدي التي احتفظ بها في قلادتي، أخبرته بشأنها
فاقترب ليتأكد، لمسني حتى وجدها، اختطاف وتحرش ومحاولة قتل في يوم واحد! هذا أمر
بسيط مقارنة بحياتي. بعد تأمله الصورة لفترة، فك قيودي وغادر المكان تاركًا الباب
مفتوحًا، كأنه يأمرني بالهرب قبل عودته.
اليوم الستين بعد المائة: أول الصقيع،
تثاؤب، الحامي.
اليوم الحادي والستون بعد المائة: قطع
بالفأس، طبق، اتحاد.
تحول العالم وتبدل، انتقل الناس للعيش في
تجمعات صغيرة، بداخل مخيمات متوزعة في جميع أنحاء العالم، بعد الكارثة الكبيرة. كل
مجموعة تتألف من خمسة أشخاص، يعيشون كما يحلو لهم، فمنهم من يوزع الأدوار وينظم
المهام من أجل النجاة، والاقتراب ولو قليلًا من عيش حياة مشابهة لما كنا نعيشه
سابقًا. والبعض الآخر يستبد ويطغى فرد منهم، ينصب نفسه حاكمًا عليهم، ينشر الظلم
والجور والفساد، بلا سبب عدا إرضاء نفسه وغطرسته بينما هو في الحقيقة أقلهم قدرة،
ولو تُرك لوحده لملئ قلبه رعبًا وتوقف عن العمل منذ الثانية الأولى. دعوني أضع الضغائن
الشخصية جانبًا الآن، وأتحدث عن مهمتي في مخيمنا الذي يكون من النوع الأول. الدور
الذي وُكل إليّ هو حطاب بدوام كامل، أستيقظ في الصباح الباكر، قُبيل الشروق، أول
ظهور الصقيع على أوراق النباتات القريبة من حقلي أو منطقة عملي، أتثاءب ملئ فمي
الكبير الذي يسخر مني الجميع بسببه، لكني لا أمانع هذا مطلقًا، فهو كبير بالفعل، لكن
هذا ليس موضوعنا. كما كنت أقول، أستيقظ صباحًا وأكل وجبة الفطور شديدة البساطة، المعدة
من مكونات لا تتطلب أي نوع من الطهي، والموضوعة على طبق بدائي مصنوع من الخشب،
الذي أبذل جهدي في تقطيعه كل يوم، مستخدمًا فأسًا ثقيلة تناسب بنية جسدي، أو
بالأحرى لا يمكن لأحد غيري من أعضاء هذا الفريق حملها. بفضل ممارستي لهذه المهنة لأيامٍ
وشهورٍ طويلة، توقفت عن حساب عددها منذ حلت الكارثة، تمكنت من فعل شيء يعجز الباقون
عنه، أفضى إلى منحي لقبًا تشريفيًّا من أعضاء الفريق، أصبح بديلًا لأسمي في معظم
الأوقات، وهو لقب الحامي. لا أقصد التفاخر بهذا، أردت قوله فحسب، دون أي سبب... حسنًا
سأعترف! أجل أردت التفاخر، أمن خطب في هذا؟ لا أحد منكم يا أطفال المستقبل
المدللين بإمكانه الانهيال على عنق ذئب متوحش، وقطع رأسه بالفأس! لأكون أمينًا في
نقل القصة، لم أفعل كل شيء بمفردي يومها... بدأت القصة في أحد الصباحات العادية،
التي استيقظ فيها وأتثاءب، ثم أكل فطوري وانطلق بعده لقطع الحطب. يومها تردد إلى
أسماعنا عواء ذئب يصدر من مكان بعيد، أرتعب الجميع بمن فيهم أنا، وخرج الرجال من
الخيام متأهبين بالأسلحة. كان الصوت يقترب شيئًا فشيئًا، وترتفع نبرته من أجل إخافتنا
وتهديدنا، يبدو كأنه يوجه رسالة مفاداها أننا لسنا نِدًّا له، وأنه الأقوى في هذه
المنطقة، من يظن نفسه؟ ظهر من بين الأعشاب، كان ضخم الجثة مكشرًا عن أنياب كبيرة، ثم
اندفع نحونا راكضًا، اعتبرت نفسي خط الدفاع الأول وهجمت عليه بنفس سرعته... تبعني بلا
خوف رفيقي الذي يكون قائدنا، واتحدنا معًا لهزيمة المعتدي، هو ثبته وأنا قطعت عنقه
بعد صراع دموي خرجنا منه بعدة جروح بسيطة ورأس حيوان.
اليوم الثاني والستون بعد المائة:
"كانوا بيني وبين المخرج."
كانوا بيني وبين المخرج، شخصيات الزومبي في
اللعبة. إنها لعبة لذا لا مشكلة لو اقتحمت صفوفهم صحيح؟ سأعود للحياة في النهاية، وأبدأ
اللعبة من جديد، أحب ذلك بالمناسبة. طريقة لعبي تعتمد على تجربة كل ما يمكنني فعله
داخل اللعبة، حتى لو أدى ذلك بشكل واضح إلى موت شخصيتي، كي أكتشف مكامن الخلل فيها،
وثغرات التصميم التي قد يستخدمها بعض اللاعبين الأذكياء أو المحظوظين، لتخطي
المراحل مثلًا أو للفوز بشكل أسرع. سبب لعبي بهذه الطريقة المتعبة يعود إلى طبيعة وظيفتي،
أعمل كمقيّم ألعاب... أعتقد أن هذه الوظيفة محصورة على هذه الشركة، لأني لم أجد
واحدة غيرها تقدمها، ولم أكن أعلم بوجودها حتى قبل أن أُقبل فيها. كنت عازمًا على
العمل كمصمم ألعاب، لكني فوجئت بوجود هذه الوظيفة الرائعة المتعبة قليلًا... لأكون
منصفًا الراتب جيد، وملاحظاتي تُسهم في تحسين ألعابنا، التي تزيد مبيعاتها بوتيرة
يومية، مما يمنحني شعورًا بالرضى، وعلاوة. مت بينما أتحدث، وها قد عدت إلى حيث
بدأت، سأكرر كل ما فعلته سابقًا حتى أصل إلى ذاك المخرج، ثم أجرب ضغط الأزرار بشكل
عشوائي، لعلي أكتشف ثغرة تمكنني من الطيران أو ما شابه. أظنني اكتشفت ممرًّا سريًّا،
عليّ تدوين هذا والعودة إليه لاحقًا، لا يمكنني تجاهله لأنه أثار اهتمامي... ها هي!
حدث ما توقعته بالضبط لكن... لم يبدو المشهد واقعيًّا للغاية؟
اليوم الثالث والستون بعد المائة: غسيل
ملابس، دفتر، إلهاء.
دفتري الأزرق المزوّد بقفل، مفتوح على مصراعيه وموضوع على الطاولة، ينتظرني بصفحاته البيضاء الفارغة، المتلهفة لتتلطخ بسواد مشاعري وخواطري وليدة اللحظة. تتزاحم الكلمات في صدري، وعلى طرف لساني كتزاحم السيارات وسط الشارع الرئيسي في العاصمة، وتتداخل ببعضها فاقدة ترتيبها وبلاغتها، كما يفقد سائقي السيارات القدرة على تمييز وجهاتهم، بسبب اختفاء الطريق عن أعينهم لفترة طويلة. ستطير مني بلا عودة لو لم أدونها في ذات اللحظة، لكن يوجد شيء واحد يلهيني عن ذلك... ملابسي المتراكمة منذ بداية الأسبوع، والتي أُمرت بغسلها في الأمس لكني لم أفعل، لأن شيئًا آخر غير الكتابة ألهاني عنها، وجعلني أنام حتى الصباح، وعلى هذا المنوال المتكرر بشكل يومي، أدور في دوامة من الملهيات، ولا أتمكن من إنهاء أي عمل واجب كان أو مستحب. لكن اليوم مختلف! اليوم سأكتب بالتأكيد! في اللحظة التي عزمت فيها على هذا، سمعت صوت أمي الذي رفعته لتذكرني بالشيء الذي طلبتني إياه، وكأنها تعلم بما دار في خلدي قبل ثوانٍ، والذي قد يلهيني عن طلبها. هي تعرفني جيدًا، وأنا أعرف عقوباتها جيدًا، وسأتلقى أحدها لو لم أغسل ملابسي فورًا... حسنًا لا مشكلة، على الكلمات أن تنتظر قليلًا، فأحيانًا نعلق في الزحام حتى الغروب ولا نصل إلى وجهتنا إلا ونحن متعبين، وإن عُوقبت قد لا أتمكن من الكتابة لأيام. أيتها الملابس أنا قادمة.
اليوم الرابع والستون بعد المائة: كسر قلب،
مسواك وسجائر، أيادٍ مكسورة.
الأيادي المكسورة تفقد القدرة على فعل
الأشياء التي اعتادت عليها، سواء كان أحدها هو المتسبب في كسرها، أو كان شيئًا
جديدًا تجربه للمرة الأولى، لكنها أعضاء ظاهرة ممكنة العلاج وسريعة العودة
لطبيعتها. إذًا ماذا عن القلب المكسور صعب العلاج لتخفيه في أعماق الجسد، وسط قفص
هش؟ هل يفقد القدرة على تمييز الشعور الذي كُسر على إثره فحسب، أم أنه يفقد القدرة
على تمييز كل المشاعر، سواء جربها من قبل أو لم يجربها؟ هذا سيكون موضوع خاطرتي
القادمة، التي تنتظر بفارغ الصبر -في حالة كانت الكلمات تستطيع الصبر- لحظة
كتابتها. بصراحةٍ أعتقد أن الأمر نسبي ويختلف من شخص إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى،
لأنه في حالتي توقف قلبي عن الشعور بأي شيء... أحاول علاجه عن طريق تدخين سيجارتين
متعاقبتين بشكل يومي، حتى تعلق رائحتها بأنفاسي وملابسي. أحب هذا بصراحة، ويساعدني
في حالات كثيرة على تهدئة كسر قلبي، ونثر الكلمات فوق أسطر الصفحات البيضاء، هذا
إذا لم يسلبني وعييّ، ويأخذني إلى نومٍ عميق مريح يشغلني عن كل واجباتي، وهو ما
يحدث في الحالات القليلة الباقية. بالطبع أنا أدخن في السر بعيدةً عن عينيّ وأنف
أمي التي تمقت هذا الفعل، لهذا أنظف فمي مستخدمةً مسواكًا فور انتهائي، وأبدل
ملابسي التي تتجمع في السلة لأسبوع كامل، كي لا تكشفني وتعاقبني، فعقوباتها شديدة
للغاية.
اليوم الخامس والستون بعد المائة: مذْهب،
منزل، إنقاذ.
تعالت صرخات الناس أمام منزل التهمته النيران في غفلة من أصحابه، حتى وصلت إلى أسماعي رغم بعدي عن المكان ببضعة أمتار. دفعني فضولي البشري للتوجه نحو مصدر الصوت، وهناك رأيت ما رأيت وعرفت ما عرفت، وهو أن في البيت ثلاثة أشخاص محتجزين، بانتظار رجال الإطفاء الذين أفترض كونهم في الطريق. لا يمكن للناس العاديين اقتحام النيران، لكن أولئك المدنيين بحاجة إلى إنقاذ عاجل، هم يحتاجون إلى بطل، مثلي! بصراحة أنا لا أملك قدرات جسدية خارقة للطبيعة، ولا عقلًا عبقريًّا يمكنه رسم خطط ناجحة، لكني أسلك مذْهب الأبطال في حياتي، أي بذل النفس والجهد من أجل مساعدة الغير، بخاصة المستضعفين من الناس، رغبة بنشر الخير فحسب وليس لأجل الحصول على الثناء أو المال. أهدف لأن أصبح بطلًا حقيقًا، لذا أخفي اسمي عن الآخرين، وأساعد كل من تستطيع يدايّ الوصول إليه، ممن يحتاجون إلى المعونة سواء طلبوها مني أو من غيري، طالما بمقدوري فعل شيء لهم. لا يمكنني الوقوف ومشاهدة الناس يموتون! كنت على وشك اقتحام النيران والدخول عنوة إلى المنزل، إلا أن الناس المتجمعين منعوني من ذلك، قائلين إن أفراد عائلتي سيكونون بخير، لكنها كانت كذبة... تأخر رجال الإطفاء، ولم ينجُ أحد من ذاك الحريق عداي، فشلت في كوني بطلًا، وكوني طفلًا ذا عائلة، لذا سأتحول اليوم إلى رماد كما فعلوا.
مرت السنين وأخذت معها والدي المريض، كبر إخوتي السبعة ومعهم القليل من المشاكل التي وضعوها ضمن أمتعتهم، وانطلقوا ذاهبين إلى حيواتهم الجديدة، بعيدًا عن هذا المنزل القديم ذا الحظيرة التي عملتُ فيها طيلة طفولتي من أجل إعالتهم، ولا ألومهم على هذا، فالعيش في المدينة أفضل من العيش في قرية بدائية منعزلة. أما عني فقد بقيت هنا وحيدًا أمارس شغلي الثاني الممتع، رغم كونه لا يدر الكثير من المال، بعد أن ودعت أغلب الخراف الذين أرعاهم بصفتهم أساس عملي الأول إما لموتهم، أو مقابل بعض النقود صرفتها على شراء مستلزمات عملي كخزَّاف من فراشٍ وطين وغيره. في السابق كنت أصنع أوانٍ عادية من الفخار، ثم ألونها عن طريق رسم أفراد عائلتي، أو مناظر طبيعية أراها في نزهاتي عليها، أما الآن فصرت أصنع أوانٍ خزفية بأشكال مختلفة غير تقليدية، تطابق أشياء وأطعمة لا تتواجد إلا في المدينة الكبيرة، تصلنا صورها عبر المجلات التي أحب قرأتها في أوقات فراغي، وتصل أوصافها وأخبارها عبر إذاعات الراديو الذي أحب سماع أغانيه وخاصة القديمة منها، أثناء عملي وسط الحظيرة، برفقة خروف فضولي يهوى سرقة فُرشاتي، وكتابة رسائل غريبة غير مفهومة بها. أخر أعمالي غير المباعة عبارة عن ستة أوانٍ، بشكل ستة أصناف مختلفة من المعجنات، التي اشتهرت مؤخرًا في كل مدن العالم، واستمتع بطعمها معظم الناس.
اليوم السابع والستون بعد المائة: جديد،
مروحة، عشق.
هذا أخي، استشاط غضبًا بسبب كسري للمروحة
الأرضية الموضوعة في غرفتنا، عن طريق الخطأ. حمل قطعها بين ذراعيه وهو يبكي ويعدها
بتقديم كل ما يسعه، من أجل شفائها. غادر بعد ذلك على عجلة، ليأخذها إلى الطبيب، عفوًا
أقصد المصلح. لا أعرف حقيقة ماذا حل به، ولا متى بدأ عشقه الغريب للمراوح، بخاصة
تلك التي قتلتها بغير قصد. كان عشقه مفيدًا في الواقع قبل حدوث الفاجعة، فقد كان
يهتم بنظافة المروحة وصيانتها بشكل... شبه طبيعي، لم ألقي له بالًا وقتها لأنه كان
مريحًا، هذا ليس خطئي! هو المنحرف هنا لا أنا. فات الأوان على علاجه، لنلتفت إلى
المشكلة الحالية وهي كونه غاضبًا علي، وينوي الانتقام مني، لحبيبته المقتولة عن
غير قصد -كما أخبره دائمًا- على يدي. أعتقد أنه سيفككني ويحولني إلى مروحة من
اللحم، كما فعل لحبيبته البشرية، عندما شك في خيانتها له. ربما يكون هذا صحيحًا!
وهو سبب اعتزازه بتلك المروحة، واستحالة إصلاحها حتى على شخص خبير! عليّ تقديم
أضحية له لعلها تنسيه مصيبتي، وتصرفه عن قتلي، مروحة جديدة بمواصفات أفضل. تجولت
في الأسواق ومتاجر الأجهزة الحديثة حتى عثرت على ضالتي، اشتريتها ووضعتها خارج
صندوقها وسط الغرفة ليراها... أعصابي مشدودة، سأكتب وصيتي تحسبًا لموتي المحتمل
حدوثه بعد قليل، أسمع صوت خطوات! إنه يقترب من مكاني! لا أطلب منكم سوى الدعاء...
اليوم الثامن والستون بعد المائة: مستدير،
طائر السبد، هيرونيموس بوس.
اكتشفت لوحًا مستديرًا في أحد غرف التخزين المهجورة
من قِبل صاحبها، والتي دخلتها مؤخرًا لتوقعي موته وعدم اهتمام عائلته أو معارفه
بأمر وفاته وتجميع أغراضه، وحتى لو افترضت كونه حيًّا فهو لم يأتي إلى هنا منذ
شهور، انتهت خلالها مدة عقده بالفعل، لذا يحق لي بصفتي حارس هذه المنطقة والمسؤول
عنها، اقتحام الغرفة للتخلص مما فيها، وإعطائها لشخص آخر سيدفع مقابل استخدامها. توجد
العديد من الأشياء المثيرة للاهتمام هناك، لكن أبرزها هو ذاك اللوح المستدير
العتيق، المرسوم عليه باستخدام ألوان زيتية متداخلة وغير معتادة، صورة للجزء
العلوي من جسم رجل، تتضح عليه ملامح العصور القديمة، ينظر مباشرة إلى الأمام، بينما
يحمل على ذراعه الأيمن طائرًا ضئيل الحجم، ذا أجنحة طويلة مفرودة جعلته يبدو وكأنه
قد حط للتو، يشبه في شكله طائر السبد، وخُطّ على أقصى يمينها توقيع باسم هيرونيموس
بوس، لم انتبه له في بادئ الأمر لصغره. ما استطعت إعادتها إلى حيث كانت، رغم غرابتها
وحدسي الذي يخبرني بتركها، بسبب هالتها الجاذبة، وشعور الخوف الساري في جسدي، كلما
دققت في تفاصيلها المريبة. وضعتها تحت ذراعي وأكملت البحث عن شيء آخر يمكنني بيعه
أو استعماله، متجاهلًا الرغبة المفروضة عليّ والتي تدفعني للتحديق بها أكثر، حتى
قررت التوقف عمّا أفعله، وأخذها معي إلى منزلي، فتبقى معلقة ليومين ثم تختفي من
تلقاء نفسها.
اليوم التاسع والستون بعد المائة: كولا،
ندبة على وجهك، دمية ثعلب محشوة.
اليوم السبعين بعد المائة: هدنة، هوية
خاطئة، قلعة.
غادرت قلعتي العتيقة الفاخرة المبنية من الوسائد،
المختارة بعناية لتزين أرائك غرفة الجلوس، والتي أمرت عدة مرات بأشد لهجة بعدم اللعب
بها وتوسيخها، لكن لا أذن تُصغي ولا قلب يعقل، مجرد طفل يتَّبِع هواه، كي أسرق إحدى
علب الكولا الخاصة بأخي الأكبر المُخبئة في الثلاجة، والممنوع من شربها بحجة أني ما
أزال صغيرًا. لكن ألا يجعلني وصولي للصف الرابع كبيرًا بما يكفي لذلك؟ لما وصلت
إلى الثلاجة، وأحسست بالهواء البارد المنبعث منها على وجهي، لاحظت أني قد نسيت رفيقي
المفضل وحارسي، دمية الثعلب المحشوة في داخل القلعة... حسنًا لا مشكلة بهذا، لم
أقابل أي عدو بعد والطريق قصير، يمكنني حماية نفسي أثناء عبوري إياه. على غير
المتوقع، أعني لقوتي وشجاعتي، لم يحدث لي أي شيء، هذا طبيعي فمن قد يجرؤ على مهاجمة
الدوق، والفارس العظيم رافييل أثناء نزهته، إلا شخص متهور لا يقدر حياته؟ لحسن
الحظ لم تكشفني أمي بعد، دخلت إلى قلعتي لأجد أن كل الأغراض الموضوعة هناك، ليست
كما تركتها! ورفيقي لا ينظر إلى ناحيتي! حركته فإذا به يسقط من بين يديَّ، كالميت
الذي لم يعد يستطيع أن يتحرك، وعلى وجهه جرح كبير! فوكسي، تحدث معي، من فعل هذا
بك؟ حاولت مساعدة رفيقي في إعادة وجهه كما كان باستخدام مشابك الملابس، وأقسمت له
بأني سأجد الفاعل وأعاقبه شر عقاب. خرجت من قلعتي بعد أن وضعت رفيقي في سريره
ليرتاح، وصرخت بأعلى صوتي، مناديًا منافسي في اللعب، وزميلي في المدرسة توماس،
الذي بات الليلة الماضية عندنا. حضر إلي خائفًا مرتجفًا فسألته عمّا كان يفعله قبل
قليل، أجابني بعذر واهن يبدو أنه اختلقه لتوه، فواجهته بمعرفتي عن فعلته الشنيعة
لفوكسي أثناء غيابي، كنت متأكدًا من هذا لأن لا أحد غيره يهدف إلى تجريدي من قوتي،
ومساعدي كي تسهل عليه هزيمتي. لم يستطع الرد عليّ هذه المرة، مما أثبت لي ظنوني، سألته
لأتأكد وكنت قد نسيت هذا، ألم نتفق على عقد هدنة بالأمس؟ لم خرقت الاتفاق وما صنت
العهد؟ أومأ لي بالإيجاب، لكنه ما زال لا يملك أي جواب يبرر به فعلته، قال بعد
تردد أنه أخطأ في معرفة هويته، وظنه مرافقًا آخر لهذا هاجمه، لكنه لم يقصد إلحاق
هذا المقدار من الضرر به، بل هدف إلى جرح صغير. اعتذر مرارًا وتكرارًا إلا أني لا
أقدر على مسامحته، فوكسي كان صديقي المفضل... مرت السنين وكبرنا كلانا وكبر خلافنا
وعلاقتنا معنا، ما زلت أحتفظ بفوكسي الذي أصلحته لي جدة توماس منذ قديم الزمن، وخاطت
ندبة على وجهه كما خاطت قلبينا وربطتهما ببعضهما، فأصبحنا لا نقوى على الافتراق أبدًا.
صحيح أن مدة الهدنة قد طالت عمّا اتفقنا عليه، لكنها لم تُنقض هذه المرة.
اليوم الحادي والسبعون بعد المائة: خطأ
شنيع، مهذب، سمكة طائرة.
خرجت في الصباح الباكر لأواجه البحر، وأنال
من خيراته ما كُتب لي أن أناله. صعدت قاربي الخشبي منشور الشراع، المجهز بمعدات صيد
بسيطة، ثم انطلقت وقد سلمت الدفة للرياح، كي تقودني إلى حيث تشاء، وهناك يبدأ
السباق بين شبكتي شبه الغارقة وساعات النهار بطيئة المرور، هل ستمتلئ الأولى
بالأسماك؟ أم ستنتهي الأخيرة بالغروب وأعود خاوي الوفاض مجددًا؟ لن أعلم حتى أجرب،
فلا نمط واضح لما قد يحدث أثناء هذا العمل، يُحتمل أن أفشل أسبوعًا وأنجح يومًا،
أو أن أنجح أسبوعًا وأفشل الأسبوع التالي، وغيرها من الاحتمالات التي لا تخطر على
البال. أوصلتني الرياح إلى مكان بعيد عن الشاطئ والنسيم فيه عليل، رميت الشبكة
واستلقيت تحت أشعة الشمس، بينما انتظر تعلُّق المخلوقات الصغيرة فيها، ورحت أتخيل
صيدًا كبيرًا يُساق إليَّ، دون تدخل مني أو طلب. سمعت صوت ضربات على الماء قادمة
من بعيد، نظرتُ فإذا هي سمكة طائرة تهرب من مجهول يلاحقها، ثم احتمت بداخل
الشبكة... مرت دقائق من الصمت نظرنا فيها إلى بعضنا البعض، لتفاجئني بقدرتها على
الحديث! "أين أنا؟ ما هذا الخطأ الشنيع الذي ارتكبته؟ أرجوك أن تطلق سراحي يا
سيدي، لا أزال صغيرة على أن أُؤكل" أدهشني تهذيبها وبلاغتها، سألتها عمّا
أوقعها في هذا الفخ الواضح؟ أجابت: "كنت أتنزه، أعاهدك على ألّا أعود لهذا
الفعل". فأطلقتها احتراما لوعدها.
اليوم الثاني والسبعون بعد المائة: أثار
القلعة، مستنقع عاصف، نغمة وهمية في بيانو.
في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، يحكى أن
رجلًا ثريًّا قد بنى قلعة خاصة به، في منطقة تقع وسط الغابة، بعد أن أمر خدمه بإخلائها
من كل الكائنات الحية فيها، بدءًا بالأشجار وانتهاءً ببيوض الحشرات. لم تصمد القلعة
رغم عظمة هيكلها، إلا خلال سنين عمره الأخيرة التي قضاها مريضًا، ثم مات وحيدًا، ودفنته
الطبيعة في حضنها، تاركة ما تبقى من أثار القلعة، كشاهد على الاستعمار البشري الذي
حدث في هذه المنطقة، حتى لو لم يدم إلا لفترة قصيرة... دمرت الأمطار أجزاءً كثيرة
منها، وبفضل استمرارها انبثقت شجرة عظيمة من جثة الرجل، المدفونة تحت تراكمات
التراب، ونمت لتخترق طبقات البناء، محطمة التقنيات البشرية الحديثة، من أجل إيصال
أوراقها إلى أشعة الشمس. تحولت الغرف التي كانت فاخرة فيما مضى، إلى مساكن مؤقتة
للحيوانات المنبوذة من قطيعها، أو الجريحة بسبب هجوم من مفترس طاردها. إضافة إلى تشكل
مستنقع صغير بالقرب من تلك المنطقة بسبب تغير تركيب التربة فيها، كان مستنقعًا
تثور فيه العواصف الصغيرة، التي تهوى إدخال أصابعها في شقوق الجدران، لتعزف
أغانيها المفضلة بكل مهارة، على بيانو بنغمات وهمية، لا يمكن للأذان العادية تصنيفها
ولا تسميتها. هكذا اتحدت الطبيعة مع ذكاء الإنسان، مشكلين مشهدًا غريبًا وبيئةً
عجيبة، تتشوه فيها القوانين والبديهيات، قد يختلف في تسميتها اثنان، لكنهما بالتأكيد
يتفقان على جمالها وتفردها.
اليوم الثالث والسبعون بعد المائة: درس لغة
للفضائيين.
الفضائيين، كلمة تستخدم للإشارة إلى أشخاص
أو إلى كائنات عاقلة، غالبًا ما تكون مُتخيلة، تعيش في كواكب أخرى تسبح عبر الفضاء
الواسع، غير كوكب الأرض طبعًا، سواء اُستكشِفت أو لا، كانت خارج أو داخل مجرة درب التبانة.
لكن ألا يُعتبر البشر أو لنقل سكان كوكب الأرض، فضائيين أيضًا على الأقل بالنسبة لهؤلاء
الكائنات؟ هل يا ترى يؤمنون بوجودنا كما يفعل بعضنا، أم يعتبروننا كائنات خيالية،
أو أسطورية صنعتها الأفلام -إن وُجدت لديهم-، ولا يمكنها تجاوز حدود شاشات العرض لتصبح
واقعًا؟ كيف يتخيلون حياتنا؟ هل أصاب حدسهم عين الحقيقة، أم تجاوزها؟ ربما لم
يقترب منها. ماذا عن تصورنا لهم؟ هل يشابه واقعهم أم يختلف عنه؟ لا أظن أننا سنعرف.
هل يعيشون في تجمعات أو فُرادى؟ وكيف يتواصلون مع بعضهم البعض؟ عن نفسي أعتقد أنهم
يتواصلون مع بعضهم عن طريق مجسات، تشبه قرون الاستشعار الموجودة في الحشرات. هل
يعلمون أن البشر لديهم لغات متعددة، ويرتادون صفوفًا لتعلمها؟ حتى أن الشخص يأخذ
دروسًا ليتعلم اللغة التي يتحدث بها مجتمعه! ارتدت إحداها من قبل، لكن ما يزال هذا
غريبًا نوعًا ما، لم أعتد عليه أو أجربه في المكان الذي كنت أعيش فيه، قبل أن آتي
إلى الأرض، لأتعرف على سكانها وأتظاهر بكوني منهم، دون أن يشك أحدهم بي ولو للحظة،
حتى قارئ هذا النص.
اليوم الرابع والسبعون بعد المائة:
"طعم الأرض يشبه..."
لا يكتمل يومي الدراسي دون أن أتلقى حفنة من الإهانات والإساءات، الموضوعة على طبق ذهبي يهديه إليّ أحد الزملاء، هو وشِلَّتُه في أوقات متفرقة من اليوم. السبب مجهول لكنه على الأرجح شعورهم بالتفوق، واعتقادهم بأنهم ينتمون إلى رتبة أعلى من الجميع، بموجب امتلاك أهاليهم لبعض الميزات، وأن هذه حقيقة عليَّ تقبلها، وهي ما تبيح لهم فعل أي شيء يرغبون بفعله، سواء سمح به القانون أو لم يسمح. لا أمانع ولا أهتم بما يفعلونه صراحة، كنت أعاملهم بالحُسنى أو بالتجاهل منذ بدأ الأمر وحتى اليوم، على الرغم من محاولات بعض الزملاء والمدرسين إيقافهم، أو تشجيعي على المقاومة، إلى درجة أن وصل الأمر لطرح فكرة الانتقال إلى مدرسة أخرى، بدعوى الحفاظ على صحتي النفسية من الانهيار. أشكر لهم محاولاتهم واهتمامهم الصادق، لكني لا أحفل بما يصنعونه بي، إنهم مجرد أطفال يحبون اللعب بخشونة مع أقرانهم. التقيت بهم صباح اليوم قبل بدء الحصص، أو بالأحرى هم قطعوا طريقي، حيث كنت أسير في سلام متجهًا لصفي. اعتدت على هذا الروتين، وسهُل عليّ توقع مجرياته، حتى إني أصبحت أردد جمل ذاك الزميل في سري، بالتزامن مع حركة شفتيه دون الحاجة للنظر إليه. يبدأ بإلقاء تحية ودية، تتبعها ركلة خفيفة لباطن ركبتي، كي أقع على الأرض وأُسأل عن طعمها... الذي أختلف عن المعتاد وأصبح يشبه الانتقام.
اليوم الخامس والسبعون بعد المائة: جشع، أون
لاين، هاجس.
قبل بضعة أيام، أيقظني في منتصف الليل اتصال
هاتفي من أخي الأصغر الذي يعيش بعيدًا عنا، يطلبني فيه مبلغًا من المال ليستطيع
تجاوز ضائقة يمر بها. كنت أملك ما طلبه في حسابي المصرفي بالفعل، ولم أكن محتاجةً
إليه وقتها، لذا قمت بتحويل المال عبر الإنترنت إلى حسابه، وانتهى الأمر في ثوانٍ،
التقنية الحديثة مفيدة للغاية في هذه الحالات. شكرني على المال، ووعدني بإعادته في
أقرب فرصة، لكنه لم يفعل... بل أصابه الجشع والطمع، وصار يطلب مني مبالغ كبيرة في
فترات متباعدة يختفي خلالها، ولا أعرف كيف ولا أين يصرف ما أعطيه بالضبط. تطور
الأمر بشكل تدريجي سريع، إلى طلبه مبالغ بسيطة في فترات متقاربة، هل يقوم بادّخارها
يا ترى؟ لأي غرض؟ أمن المحتمل تورطه في بيع وشراء المخدرات؟ أم عليه دين لم يستطع
سداده؟ أم أنه يلهو في الحانات والنوادي طيلة الليل متجاهلًا وظيفته؟ تراودني هذه
الهواجس كلما حاولت النوم، أو التركيز في أي عمل عليّ القيام به، لتُسيطر عليّ في
النهاية، وتمنعني من فعل أي شيء. بالإضافة إلى فكرة قوية الإرادة، احتلت جميع
حواسي، مضمونها التوقف عن إرسال المال لأخي، مهما تكن نتائج هذا التصرف، والإصرار
عليه حتى لو تسبب بإيذائه. لكني قلقة، ماذا لو أصاب حدسي، وكان أخي متورطًا في أمر
خطير، وسيُقتل لو توقف عن تقديم المال؟
اليوم السادس والسبعون بعد المائة: "يوجد
48 ألف إله في الميثولوجيا الخاصة بهم، لا واحد."
الميثولوجيا... هي علم يُعنى بدراسة أساطير
الشعوب ومعرفة منشأها وتطورها، وترابطها ببعضها، بخاصة المتعلقة بالتراث الديني،
أو الآلهة لأكون أكثر دقة. وكما هو معروف فإن البشر ومنذ القدم، يحتاجون إلى التعلق
بكيان أكثر قوة وجبروت، ينسبون إليه أمور حيواتهم، والأشياء الخارجة عن إرادتهم،
من أجل الاستمرار بالعيش باطمئنان. لهذا أمن بعضهم بوجود الآلهة: الكيان المُطلق
الذي بوسعه فعل كل ما يعجزون عنه، وبإمكانهم -أي البشر- طلب مساعدته أو الاحتفاظ ببعض
الأشياء، للشعور بمعيته لهم في كل تحركاتهم، بل وحتى قام الكثير بعبادته وتقديم
القرابين له، والاعتماد عليه في كل الأمور. تحكي قصة اليوم عن أحد الشعوب،
والميثولوجيا الدينية الخاصة بهم، والتي درستها قبل أسبوع مضى. يؤمن هذا الشعب -سأحتفظ
باسمه كسرٍ عندي- بثمانية وأربعين ألف إله -وليس واحد-، تختلف قدراتهم وصفاتهم،
ولكل واحد منهم مهمة، ومسؤولية تجاه بني البشر، متوقع منه الالتزام بها حتى يحين
وقت فنائه، أو ربما قتله من قِبل زملائه. بل إنهم يتناسلون ويتزاوجون من بعضهم
البعض، ولهم قصص وأساطير كثيرة في هذا الشأن، تتغاير تفاصيلها الصغيرة من إقليم
إلى آخر. فمنهم من هو مختص بالطبيعة والنماء، والمختص بالرعد، والمختص بالأعاصير،
والمختص بالفقر، وغيرهم الكثير... الكثير مما لا أستطيع عده الآن، فقد تأخر الوقت
وفات موعد نومكم، سأحكي لكم التتمة في يوم آخر، وداعًا إلى ذلك الحين.
اليوم السابع والسبعون بعد المائة:
"الشتاء هو الفصل الوحيد الذي نكون فيه معًا."
الشتاء هو الفصل الوحيد الذي نكون فيه معًا،
أنا وأفكاري والثلج البارد المتراكم داخل سور شرفة منزلنا. أرفض دائمًا أمر
والدايّ بجرفه من عليها، بحجة واحدة أكررها كل عام، هي أن لا أحد يستخدم هذه
الشرفة غيري، والأغراض المغمورة بالثلج التي لا أستعمل معظمها، وإنما وضعتها هناك من
أجل الزينة، وإظهار الرفاهية التي أعيشها لسكان المدينة، الذين لا ينظرون ولا
يهتمون حتى لما أفعل، هي لي! ليست لهم، وأنا لا أمانع تبللها أو حتى تجمدها. الشيء
الوحيد الذي لا أحب وجود الثلج عليه هو الكرسي المنفرد، المركون في منتصف الشرفة،
بالإضافة إلى سطح الطاولة التي بجانبه، كي أستطيع الجلوس هناك، متخذًا كافة
الاحتياطات الدافئة من ملابس ومشروب أحبه بالطبع، ووضع كتابي أو دفتري نصب عينيَّ لأقرأ
أو أكتب، بينما أستمتع بالهدوء، والنسيم البارد الذي يداعب خدَّايَ كلما التفتُّ ناحية
مصدره. بما أنها شرفة فهي تمنحني منظرًا رائعًا للمدينة كاملة، يلهمني أحيانًا أفكارًا
للكتابة أو لرسم بعض الصور البسيطة غير المتقنة، وأحيانًا أخرى كثيرة يأخذني لأغرق
في بحر أفكاري العميق، الخالي من الأسماك، دون أي أدوات قد تساعدني على النجاة،
والعودة إلى عالمي السابق حيث يعيش أقراني من البشر المملين. وهذا كان دأبي الذي
استلذ بفعله، كلما وجدت في جدولي وقت فراغ، خلال أيام الشتاء، سواء هطل الثلج فيها
أم لا.
اليوم الثامن والسبعون بعد المائة:
"تحدث الفستان إليها..."
في منتصف الحجرة علقتُ فستانًا، بعت كل ما كنت
أملك لأشتريه، فستانٌ أبيض بذيل طويل، مَخيط من حزني المتراكم مذ تلك الليلة، مرصَّع
بلآلئ خيبتي المنطفئة، بهت لونه لاحتضان الغبار إياه، أدخل كل يوم كي أتأمله لخمسة
ثوانٍ بعينين دامعتين، ثم أغادر هاربة من مواجهة الماضي، الذي يخبئه بين طيات قماشه،
حتى تحدث إليَّ يومًا يلومُني بعد أن أدرت ظهري... لِم عني تخليتِ؟ وفرصتي للتألق
ضيعتِ؟ بجسدكِ احتضنيني، لن أخذلكِ أسمعيني! مني لا تهربي، والغبار عني انفضي،
إياي اخترتِ، وبي تمسكتِ، فللأرْفُف لا تعيديني، ولوحدي مجددًا لا تتركيني... ما
قصدت تخليًا عنك، ولا تفويتًا لفرصتك بل احتضانك وددت، وخذلانك رفضت! لكن بك
الذكريات عالقة، وإزالتها غير واردة. لا تقلق أبدًا مخلصةً لك سأبقى، والقوة لارتدائك
بالتأكيد سألقى. أراحني التحدث معه قليلًا، وأعطاني القوة على مواجهة ماضيَّ المرتبط
به، والتحرر من قيوده. هذا كان فستان زفافي المنتظر، بعد خطبة طالت سنينها، من شخص
اعتبرته الدنيا وما فيها. ترافقنا في الحلوة والمُرَّة، لم نفلت بعضنا مَرة، لكنه
هرب واختفى، وحُبنا انجلى. تعلقت بهذا الفستان المؤجر، لأنه من أختاره، فبعت كل ما
كان عندي كي أشتريه، لعله يعود يومًا ونكمل مراسم الزفاف. بقيت انتظره، بلا أي أثر
أو ضمان، عدا ثقتي الشديدة به والتي أعمت بصيرتي، حتى انقضى من الزمن مثل ما مضى.
اليوم التاسع والسبعون بعد المائة:
"العودة إلى المنزل مشيًا بمحاذاة حافة المجرة".
قضيت سنين عدة على هذا الكوكب الذي أُرسلت
إليه من قِبل رؤسائي، كي أستكشف طبائع سكانه، وأقلدها بإتقان لئلا يكتشفوا اختلافي
عنهم، حتى ظننت أني قد أصبحت بشريًا -كما يسمون أنفسهم- بدوري، واليوم حان وقت
العودة، إلى الكوكب الذي كنت أعيش فيه، حيث لا صفوف لغة، ولا أفلام خيالية لا تخلو
من الكذب، والترهات عن الفضائيين، إلى منزلي الواقع خارج مجرة درب التبانة. لدي كل
ما احتاج إليه للإقلاع بداخل قبو المنزل، الذي تظاهرت بالعيش فيه طوال فترة إقامتي
هنا، لكن يجب أن أجد مكانًا خاليًا كي أجمع قطع مركبتي، وأنطلق منه إلى الفضاء
الخارجي. لا يمكنني كشف وجودنا لهم في آخر لحظاتي! عليّ الاستمرار بمهمتي حتى وإن
كلفني هذا حياتي، أو في أسوأ الأحوال بقائي هنا إلى الأبد. من حسن حظي كون البشر
أغبياء، ولم يلاحظوا أي شيء رغم تلميحاتي الكثيرة. بعد عدة أيام من العمل المتقن
البطيء، لاختصر لكم قصتي الطويلة: تمكنت من الإقلاع وها أنا في الفضاء، خارج المجرة
لأكون أكثر تحديدًا. كما تدورون بسياراتكم حول دائرة من الطوب والرمل تسمونها
الدوار المروري، دُرت بمحاذاة حافة المجرة ثلاث مرات، ثم قفزت عبر الزمن لأصل إلى
كوكبي. بالمناسبة غفل الجميع عن هذا، لكن يوجد خطأ في العنوان، أنا لم أعد مشيًا فلا
جاذبية تمكنني من ذلك في الفضاء.
اليوم الثمانين بعد المائة: حريق، المحيط،
تحول
كأي أسرة عادية، تحدث الكثير من الخلافات
بيننا تحت سقف المبنى الصغير الذي نسكن به، وكأي شخص عادي تؤثر تلك الخلافات عليّ،
عن طريق تحويل مشاعري تجاه خصمي المعتاد، أي زوجتي إلى شعور واحد يغمر حواسي وعقلي
يدعى بالغضب. كلما خرجت من المنزل مشحونًا به إما بسبب أمر سخيف تكرر حدوثه، أو بسبب
أمر جدّي أريد التفكير بشأنه لفترة، أو حتى نسيانه، يتغير العالم في عينيَّ. فيصبح
كل ما اعتدت على رؤيته في الشارع قاتمًا كئيبًا، خلال اللحظات الأولى من تنفسي للهواء
الخارجي، وأي حركة بسيطة تحدث أمامي، وأحيانًا من خلفي تخرجني عن طوري، وتدفعني
للثوران في وجه صاحبها كائنًا من كان، لولا كبحي لمشاعري حتى تنساب من تلقاء نفسها،
إلى أعماق الأرض فأتحرر منها، وأتمكن من العودة إلى منزلي بكامل عقلي، لأحل المشاكل
وأوضح سوء الفهم. كما قلت سابقًا، لا تدوم هذه الصورة المشوَّهة من الواقع، إلا لدقائق
تطول وتقصر حسب أهمية سبب غضبي عندي، فإن كان بسيطًا فتكفيني تمشية قصيرة حول
المنزل، لإزالة كل ما كدر صفو ذهني، وإعادة الألوان والبهجة للمكان. والعكس في هذا
صحيح، فلو كان أمرًا جللًا فحتى وجهتي الأخيرة وملجئي الدائم، المحيط المحب لاحتضان
الجزيرة، والذي ألقي إليه حزن الأمس في كل صباح جديد، يتحول إلى حريق عظيم لا يكفي
لإخماده إلا محيط مثله.
اليوم الحادي والثمانون بعد المائة:
"لم تخاف النجوم؟"
صديقي المقرب يكره الليل، ويمقت كل علاماته،
حتى إنه يرتعش لحظة ذكر أي شخص لهذه الكلمة في حضرته، وقد حذرنا من ذلك عدة مرات، بل
ويرفض أن يُنادى باسمه، لأنه يحمل معنى مقارب لتلك الساعات الهادئة من اليوم، والتي
تتجلى فيها مظاهر طبيعية جمالية، لا يمكن رؤيتها خلال ساعات النهار، إلا في حالة
كانت مُختلقة. بدأ هذا الخوف غير الطبيعي في أحد أيام طفولتنا المبكرة، لما كنا في
الصف الخامس الابتدائي، وأول علاماته التي لم ألاحظها في ذاك الوقت، كانت رفضه
البقاء في الخارج، بعد غروب الشمس مهما كان السبب، وإصراره على العودة إلى منزله قبل
ذلك، ظننتها أوامر صارمة من والديه، سيُعاقب لو خالفها لذا سايرته فيما أراد. كبرنا
وكبر خوفه غير المبرر معنا، أعني معه، وتجلى بوضوح في أفعاله غير المنطقي أغلبها،
حتى قررت في أحد الصباحات مباغتته بسؤال "لم تخاف الليل؟"، كان صريحًا
معي وأجابني بأن ما يخافه ليس الليل بل هي النجوم، فغيرت كلمة في سؤالي ليصبح
"لم تخاف النجوم؟" الإجابة الثانية كانت مباغتةً كما السؤال الأول، قال
مرتجفًا إن النجوم كتل من نار، معلقة فوق رؤوسنا، لا أحد يعلم متى قد تخرج من حكم
الجاذبية، فتهوي إلينا وتحرقنا عن بكرة أبينا، لذا هو يختبئ قبل ظهورها. أجبته
ببساطة: "لكن شمس النهار نجم أيضًا يا صديقي."
اليوم الثاني والثمانون بعد المائة: حافلة،
تلميذ نجيب، سعي.
ارتكبت أول خطأ في حياتي المدرسية المثالية
كأفضل طالب على مستوى المدينة، لقد فوتت الحافلة. تفويت الحافلة يعني التأخر في وصولي
إلى المدرسة، المؤدي إلى عدم وجودي في الفصل، قبل كل الطلاب كعادتي، والذي يعني
عدم مقدرتي على تحية الأستاذ كما أفعل كل صباح! مهلًا! إن لم أخرج الآن فلن ينتهي
الأمر باعتباري متأخرًا، بل متغيبًا! وهذه نقطة سوداء لا يجب أن تُكتب في ملفي
الأبيض، مهما كان الثمن. انطلقت أسعى راكضًا خلف الحافلة المبتعدة عني، بمسافة لن
أقدر على تقليصها لقلة لياقتي وضعف تحملي، أو ربما بسبب كوني بشريًّا عاديًّا، لا
يمكنه اللحاق بحافلة مستخدمًا قدميه فحسب! لكن لا، لن أستسلم. تدفعني كلمات
التشجيع التي لا طالما سمعتها، والجوائز المحفزة التي لا طالما تلقيتها، لحث خطاي
والإسراع إلى وجهتي، كي لا أخذل نفسي أولًا، وتوقعات الجميع عني ثانيًا، فأنا كما
قلت سابقًا أفضل طالب على مستوى المدينة. رأيت الحافلة تنحرف عن طريقها المعتاد،
ربما ذهبت لتقل طالبًا أخر لا أعرفه، هدفي محدد وكل شيء غيره لا يهم! لعدم معرفتي
بالطرق المختصرة، وأساليب الغش المماثلة، سلكت الطريق الطويل، لكني وصلت في
النهاية، على الوقت، كما آمل، إلا أن البوابة كانت مغلقة! هذا مستحيل، لقد تأخرت! تحطم
مستقبلي... قاطع أفكاري السوداوية صوت الحارس بقوله: "يا صبي، ماذا تفعل هنا؟
اليوم عطلة"
اليوم الثالث والثمانون بعد المائة: حياته
تأخذ منحنى مختلف، بعد اكتشافه لشجرة غير عادية.
لقد تهت، وطريقي أضعت. ساقتني قدماي إلى
عالم آخر سماؤه حمراء وشمسه سوداء، مجهول اسمه وشكل سكانه، تسمرت في مكاني أتلفت
بحثًا عن إجابات، ورأيت على يميني سورًا تقبع خلفه شجرة عظيمة، جذعها فاتح اللحاء،
وأوراقها الكثيفة لدرجة حجبها للأغصان، تتمتع بلون بنفسجي مشرق، يسلب من الناظرين
إليها العقول والأبصار. لم أكن أريد من عيني أن ترمش، لكن لا يمكنها مخالفة
طبيعتها، حتى وإن كان المنظر أمامها خلابًا إلى هذا الحد، وفي اللحظة التي رمشت
فيها دون إرادتي، وجدتني قد عدت إلى عالمي السابق، أحدق في سقف غرفتي التي أضعتها،
كما كنت أفعل يوميًّا، بدل البحث عن عمل أتكسب منه. لكن هذه المرة كانت مختلفة، لم
أكن أحدق في السقف بعقل فارغ، يرجو ضياع الوقت ويتسول النوم، بل كان بالي مشغولًا
ولأول مرة بشيء واحد، لا يمكنه التخلص منه، هو تلك الشجرة. ظللت أفكر في طريقة تمكنني
من العودة إليها، وتأملها كيفما شئت ومتى ما أردت، دون أن تختفي عندما أرمش. لكن
هل ينفع التفكير الطويل لوحده دون العمل بجد لتحقيق الحلم؟ أجل. بصورة مفاجئة
انتقلت ذات ليلة إلى ذاك العالم، وبالتحديد إلى داخل السور الذي يضم قصرًا أسودًا،
وشجرتي البنفسجية. إلا أني لم أتمكن من تأملها لوقت طويل لأني أصبحت طعامًا يقتات
عليه مصاص دماء، بسبب انتهاكي حرمة بيته.
اليوم الرابع والثمانون بعد المائة: امرأة
أمازونية، برنامج راديو، صالون.
دُعيت كي أكون ضيفة لبرنامج صباحي، يُذاع عبر الراديو في الساعة السابعة من كل يوم، بسبب أصولي الأمازونية... أجل إنه برنامج غريب، ولا أعتقد أن لديه الكثير من المستمعين بما أن وقته مبكر للغاية، لكن به بعض الحلقات الممتعة، والتي أحب الاستماع إليها خلال ساعات عملي، في صالون حلاقة نسائي. لا أعرف كيف حصلوا على معلومات التواصل خاصتي، أو كيف علموا بشأن أصولي التي لم أخبر الكثير عنها... لديهم طاقم مذهل بالتأكيد. كنت متفرغة نوعًا ما، وتلك فرصة ثمينة قد لا تتكرر، لذا قررت الذهاب متجاهلةً شعوري الغريب بشأن الأمر، وفي بالي عدة أسطر من الإجابات، لمُختلف الأسئلة المترقب مواجهتها. على عكس ما توقعته، المكان كان مريحًا والعاملين فيه كانوا لطفاء، لدرجة أني نسيت شعوري السابق، واسترسلت في الحديث مع المذيعة بكل انسجام، أعتقد أني أفشيت بعض معلوماتي الشخصية وسط الكلام دون أن ألاحظ، لكن هذا لا يهم، ما أسوأ ما قد يحدث؟ لا شيء خطير، فوجهي لم يكن ظاهرًا. من ضمن حوارنا سؤالها لي عن أصولي، صحيح قولي إنها أمازونية، لكن هذا ينطبق على إحدى جداتي، أما أنا فعرقي قد اختلط بغيره حتى فقد خواصه المميزة، ما أعنيه هو كوني امرأة عادية لا رابط بيني وبين الأمازونيات، حتى أني أعمل في صالون، لا أقاتل على ظهور الأحصنة الأعداء الأجانب.
اليوم الخامس والثمانون بعد المائة: أرض،
ثلج، نهر.
نهر ضعيف يشق طريقه عبر الأرض، تتجمع على
ضفتيه بعض النباتات المائية الصغيرة، والتي تأمل أن يساعدها جوارها له على العيش
لفترة أطول. تزوره الحيوانات العاشبة العطشى، بغية الشرب من مائه العذب، الخالي من
المفترسين البرمائيين. تلتقي فيه أنواع مختلفة من الأسماك، لتتعارف وتتزاوج ثم
تعود إلى مواطنها مطمئنة البال. رغم ضعفه، واجه هذا النهر كل الفصول ومظاهرها
العديدة بلا أي خوف أو جفاف، فيهطل عليه المطر، ويسقط فيه ثلج الشتاء، يجمد سطحه أحيانًا
ويذوب فيه أحيانًا أخرى. تُزهر من حوله ورود الربيع، وتلعب بمائه صغار الحيوانات،
الهاربة من أعين والديها من أجل لحظة مرح عابرة. تغليه شمس الصيف حتى يُسلب منه
النصف، وتُسقى به الثمار اللذيذة مُختلفة الألوان والأشكال. يمتلئ بأوراق الخريف
البرتقالية، وتثير فيه الرياح دوامات صغيرة، لا تعلق فيها إلا سمكة خرقاء. يستمر
بمسيرته حتى يكتشفه بعض البشر، ويصبح مطرح قلوبهم ومصدرًا لفنونهم، فمنهم من يرمي أحزانه
عنده، لعجزه عن الوصول للبحر. ومنهم من يصيغه في أبيات شعر عذبة، تستسيغ لحنها
الفتاة التي تكتم حبها. ومنهم من يصبغه على لوحة آسرة، يثبتها فوق مسمار لتخطف
العقول. ومنهم من يكتفي بالنظر إليه وتأمل عظمة خالقه. استمر النهر الضعيف بالجريان
عبر الأرض، مصدره الطبيعة ومنتهاه إليها، شاهدًا على الكثير من الحوادث المتعلقة
بها وسكانها، بلا أي خوف أو جفاف.
اليوم السادس والثمانون بعد المائة: شاربي،
عينان بنيتان، أكياس قمامة.
كل صباح أحمل أكياس القمامة الممتلئة من
أسبوع، أو يومين على الأقل، لأضعها في الحاوية المخصصة لها، والموجودة أسفل المجمع
السكني الذي أعيش فيه. بما أنه مجمع مزدحم فعادة ما تكون الحاوية معبأة بالكثير من
الأشياء عديمة النفع، أو التي توقف أصحابها عن استخدامها لسبب أو لغيره. توجد أيضًا
مشاعر وخيبات تظل متصلة بقلوب أصحابها، مهما ارتفعت شققهم عن الأرض، وحتى لو
انتقلوا إلى مكان آخر بعيد عن هنا، بعيد عن المكب حيث ستُنقل كل هذه الأشياء. وضعت
ما في يديَّ وعدت إلى شقتي، لكن وقتها لم أكن أعلم بأن الحاوية تخبئ أمرًا أعظم
مما توقعت ورأته عيناي، شيء بلا تفسير لماهيته، شيء لا يفترض به أن يكون هناك... شيء
غريب لم أكتشفه إلا بعد أسبوع من أخر مرة تخلصت فيها من قمامتي. خرجت في صباح عادي
احمل أكياس القمامة الممتلئة من أسبوع، لأضعها في الحاوية المخصصة لها، والموجودة أسفل
المجمع السكني الذي أعيش فيه، وهناك رأيت عينان بنيتان، خارجتان من إحدى الأكياس
تحدقان بي في صمت... فزعت وأخذت أبحث عن سلاح، كي أكف به شر هذا المخلوق الغريب
عني، أخرجت قلمًا من العلامة التجارية شاربي، كنت قد تخلصت منه لنفاذ حبره وطعنت إحدى
العنين به، ثم هربت تاركةً كل شيء خلفي، وعدت لأعالج عيني المفقوعة قبل أن أفقدها
للأبد.
اليوم السابع والثمانون بعد المائة: كاميرا،
رقص، خطأ.
اليوم الثامن والثمانون بعد المائة: أحدهم
يتحكم بالعقول لكنه يصنع نهاية سعيدة.
عادتي في كل نهاية أسبوع، القيام ببث مباشر
أمام كاميرا هاتفي، أظهر فيه وأنا أستعرض مهارتي في الرقص لجمهوري الكبير. قناتي مَلأى
بهذا النوع من الفيديوهات، حيث أقلد أحيانًا رقصات لفرق معروفة، وأحيانًا أخرى أقلد
الرقصات التي اُشتهرت على الإنترنت مؤخرًا، ونادرًا ما أصنع رقصاتي الخاصة
الأصلية. لا أقصد التفاخر عبر قولي هذا، لكني أصبحت مشهورًا للغاية في الآونة الأخيرة،
وهذا مذهل! صحيح أني متمكن من الرقص إلى حد ما، لكني لست بهذه البراعة، التي
تُحيلني لممارسته بشكل مباشر أمام الآلاف من الأشخاص، بل لدي سر صغير أبقيته بيني
وبين نفسي، طوال الثلاثة والعشرون عامًا التي عشتها، وسأشارككم به اليوم، بصراحة
أنا أستطيع التحكم بالعقول. أقوم ببث مباشر ولا أرفع فيديو مُسجل، لأستطيع التحكم
بعقول المشاهدين، فأجعلهم يعتقدون أن أخطائي الكثيرة، ما هي إلا حركات رائعة
ومتقنة، وهذا ينطبق أيضًا على الرقصات التي اسميها أصلية. ولعلي قد تحكمت بهم مرة أو
مرتين لجعلهم ينشرون أعمالي بصورة أكبر. هذا أسهل من الانتظار والتدرب لأشهر حتى أتمكن
من إتقان أصغر التفاصيل، أنا أستمتع، والناس يستمتعون ولا ضير في قليل من الشهرة أثناء
ذلك صحيح؟ أعتبرها نهاية سعيدة للطرفين. كما أني سأتوقف عن هذا عاجلًا أو أجلًا،
لأني سأستيقظ من حلمي الرائع، لأجد مُشاهِديَّ في الواقع، والبالغ عددهم خمسة يقذفونني
بالتعليقات السلبية كالعادة.
اليوم التاسع والثمانون بعد المائة: بحار
يعود من رحلته، ليجد زوجته تعرف كل تفاصيل حياته أثنائها.
وطئت دياري بعد غياب ثلاثة أشهر بسبب عملي
كبحار، كم اشتقت لرائحة تراب هذا البلد، وسكان هذه المدينة الرائعين، بخاصة زوجتي التي
لقيتها غاضبة عليّ، بدل إظهارها الفرحة المخبئة في قلبها، بسبب اجتماعنا مجددًا.
سألتها ذريعة لعبوسها وانزعاجها، فأجابت بعد صمت طويل، بالرد الذي تستخدمه النسوة
في المواقف المشابهة، وهو "لو كنت تهتم لأمري، لعرفت الجواب" لكني حَقًّا
لا أعرف، لو عرفت لتصرفت على الفور، بدل محاولة استخراج الكلام منها. بما أنها لن تخبرني
مهما حاولت، جربت سؤالها عمّا يمكنني فعله كاعتذار يعيد البسمة إليها، لكن كل جهودي
وأفكاري كانت خائبة، حتى فكرة شراء طقم المجوهرات الذي أرادته قبل سنة مضت... تحدثت
أخيرًا، قالت إنها تعرف كل شيء فعلتُه، عندما كنت في الخارج. مثل تناولي لبارفيه
الفراولة في المقهى الفرنسي، نمط تماريني الصباحية التي بدأتها هناك، شرائي لبذلة
جديدة خلال ذهابي لشارع التسوق، زيارتي للحديقة العامة وإلقائي لقطعة معدنية في
النافورة، بل حتى أمنيتي التي لم أخبر بها أي أحد، والكثير غيرها... هل أرسلت شخصًا
ليراقبني؟ مستحيل أن تفعل أميرتي البريئة هذا! بترك حقيقة علمها بأشياء لم أذكرها
في رسائلي لها جانبًا لثانية، عرفت دافع غضبها وهو فعلي لكل هذا دون إشراكها! اعتذرت
بصدق ووعدتها بتكرار كل شيء معها، إن أخبرتني بسرها، الذي كان متابعتها لما أنشره
على مواقع التواصل.
اليوم التسعين بعد المائة: جبان، قاسي
القلب، غادر.
بعد أيام قليلة من تحدثي مع فستاني، استعدت
قوتي وتحررت من ماضيَّ، لم أعد بحاجة إلى ذاك الجبان الهارب! اكتفيت من انتظاره
خلف الباب الموصد حتى يحضر مفتاح القفل، الذي نسي أين وضعه حتى ظن أنه قد سُرق، واختفت
الخيارات من أمامه عدا ترك الأمر على حاله، لعدم وجود شيء قيِّم بالداخل، يتوق
للخروج والانعتاق. دخلت إلى الغرفة حيث علقت الفستان الأبيض ذا الذيل الطويل، المَخيط
من طبقات قماش ناعم، والمرصَّع باللؤلؤ اللامع، نفضت الغبار عنه كي يسترد لونه، ثم
ارتديته للمرة الأولى من أجل الاحتفال بإيجادي للسعادة، في باحة المنزل الأمامية، رفقة
رائحة العشب، وتغاريد الطيور بين فروع الأشجار. قلت لنفسي وقتها إني سأكون لها
الدنيا وما فيها. سأرافقها في الحلوة والمُرَّة، ولن أفلتها مَرة، سعادتي لن تهرب
أو تختفي، وحبي لنفسي لن ينجلي. لشدة سعادتي، لم أدرك في تلك اللحظة وجود الأعين
التي تراقبني من مكان بعيد، وتمنيات قلب صاحبها مشاركتي فرحتي، رغم قطعه للصلة
بيننا وكونه سبب تعاستي الأول. عاد مكسورًا معتذرًا يطلب السماح، مبررًا فعلته بقلة
شجاعته وضعف عزيمته، عاد أخيرًا ليكمل مراسم الزفاف، كما كنت آمل وأرجو، لكن الأوان
قد فات... لم أرد تكرار أخطاء الماضي، لذا قويَّتُ قلبي حتى أصبح قاسيًا، مثله في
السابق، وأجبت طلبه بكلمة واحدة، أنهت حلمه قبل أن يبدأ... "غادر"
اليوم الحادي والتسعون بعد المائة: بشرة بلون
الخردل، شعر مجعد أسود، سجل حسيس النار.
يوجد من ضمن أبناء قرابتي فتى غريب في مثل
عمري، ظهر في عائلتنا فجأة والجميع يتصرف كأنه قد ولد وتربى معنا، لا أحد غيري
يستغرب من وجوده أو من تصرفاته المحيرة. هو لا يشبه والديه ولا أجداده لا في
المظهر، ولا في الطبائع، أعتقد أنه مُتبنى، لهذا يتظاهر البالغون خاصة بمعرفته مثل
أولادهم، كي لا يشعر بشيء من الغربة. لديه بشرة بلون الخردل، وعينان واسعتان
تلمعان في الظلام بشكل مريب كالقطط، شعره أسود مجعد بعكس شعر والديه الناعم، قامته
بنفس طولي المتوسط، وعمره أيضًا كما سمعت. أغلب تصرفاته تكون مريبة، لا تشابه
تصرفات الناس الطبيعيين في شيء، هذا لو كان ستيف كما يسمونه، شخصًا طبيعيًّا أصلًا.
أعتقد أن أغرب شيء فعله كان تصرفه أثناء رحلة التخييم الأسبوع الماضي، بالتحديد
وقت التجمع حول نار المخيم، ورواية القصص المرعبة. جلسنا بعد حلول الظلام كأي
أشخاص عاديين، كأي أبناء عمومة حول نار واحدة إلا هو، حيث أوقد له نارًا خاصة
بعيدةً عنا، وجلس بقربها يسجل نقاطًا على دفتر في صمت تام... لا يبدو أنه يصغي إلى
أحاديثنا حتى، أو يهتم بها، ولا أحد من الكبار يُعاتبه على هذا، لذا قررت أخذ الدور
والاقتراب منه متظاهرًا بدعوته ليشاركنا المتعة، نظرت في دفتره دون أن يلاحظ، لأجده
قد عنون الصفحة المليئة بالنقاط بـسجل حسيس النار...
اليوم الثاني والتسعون بعد المائة: البداية،
جهاز بلايستيشن، كرة.
أتذكر موقفًا من طفولتي، هو سبب جزئي لعدم امتلاكي
ما يكفي من الأصدقاء اليوم. كنت وقتها في المرحلة الابتدائية، وكل أصدقائي،
وزملائي في المدرسة قد حصلوا على جهاز البلايستيشن الجديد، الذائع صيته في كل مكان،
بسبب تطوره الملحوظ عن الجهاز السابق. جميع الأطفال ممن هم في سني يتحدثون عنه، ويتجمعون
في بيوت بعضهم البعض من أجل اللعب به، بعد انتهاء الدوام الدراسي، عداي، لعدم تمكن
والدي من شرائه لي. كنت الطفل الوحيد الذي يتجنب تلك المحادثات، والزيارات بحجج
مختلفة، تسببت مع الوقت بجعلي شبه منبوذ من قِبل أقراني. اعتقدت وقتها أني سأخسر
رفقائي، لو ما شاركتهم المتعة في أقرب فرصة، لذا كذبت لما لقيتهم خارج الصف، بقولي
إني قد اشتريته أخيرًا، وسأدعوهم للعب في منزلي قريبًا، ظننت الأمر سيتوقف عند هذا
الحد، ونعود كالسمن على العسل، لكني سُئلت بغتةً عن أكثر شيء أعجبني فيه... إجابتي
التي لم أدرك مدى غبائها إلا اليوم كانت: الكرة الحمراء التي تظهر عند بداية تشغيل
الجهاز، وتدور حول اسمه حتى تستقر فوق أحد حروفه. كانت كذبة محضة اختلقها خيالي
لحظتها، بل كانت أسوأ شيء أخرجه فمي منذ بداية خلقه. كُشفتُ على الفور، ورُمقتُ
بنظرات غريبة تبِعها ابتعاد الجميع عني، ونعتي بالكاذب الفقير لمدة أسبوع، لم أهتم
كثيرًا في الواقع، فتلك هي حقيقتي على أية حال.
اليوم الثالث والتسعون بعد المائة: "البيت
يختلف عن كل شيء رأته قبلًا"
بالأمس أخبرت زوجتي التي طال انتظارها بأننا
سنذهب اليوم لرؤية بيتنا الجديد لأول مرة، بعد اكتمال بنائه، وقرب موعد نقل الأثاث
إليه، كانت متحمسة للغاية، ولم تعلم أن ما وراء كلماتي يوجد مقلب رسمت تفاصيله في
ساعة. حان موعد الرحلة، خرجت قبلي وصعدت إلى السيارة، حتى كادت تقودها إلى وجهتنا
وتتركني خلفها، لولا أن لحقت بها بسرعة. أغلب الأحاديث التي تبادلناها على الطريق متعلقة
بالمنزل، أخبرتها بأنه مختلف عن كل شيء رأته قبلًا، وسيحوز على إعجابها بكل تأكيد،
كانت مبهورة من وصفي، حتى انتبهت -متأخرةً- إلى طول الطريق وتغيره، وشكت في احتمالية
ضياعنا، بل تأكدت من ذلك لما توقفت عند إسطبلٍ للخيول، وترجلت من السيارة. لن أنسى
تعابير وجهها حين سميتُ الإسطبل بمنزلنا الجديد، ودعوتها للنزول وتفحصه، أخذت أعدد
مميزاته الكثيرة على أسماعها، مثل كونه في مكان منعزل بعيد عن إزعاج المدينة، وكونه
مرفق بحصان قوي، يسعه حملنا نحن الاثنين معًا في آن واحد، وهي تنعتني بالمجنون. ضحكت
ملء فاهي حتى رأيتها قد عبست، وهمت بالمغادرة لوحدها. توقعت حدوث هذا، لذا أعددت
باقة زهور مسبقًا، وخبأتها لكن يبدو أن الحصان استطاع إيجادها وأكل نصفها... أحبتها
رغم هذا. كما أحبت منزلنا الجديد، أعني المنزل الحقيقي الذي لم نعش فيه سوى لسنة،
رحلت بعدها إلى مكان أبعد مما يمكن لروحي الوصول إليه.
اليوم الرابع والتسعون بعد المائة: قصة عن
أربعة أصدقاء شخصياتهم مقتبسة من الفصول الأربعة.
كنا خمسة. عشنا كل تفاصيل حيواتنا معًا،
تقاسمنا خبز الفطور وحساء العشاء، تشاركنا الألعاب وجميع الكتب، نمنا تحت غطاء
واحد وإن لم يكفي لتدفئتنا، توزعت ملامحنا بيننا، أساليب كلامنا تشابهت وتداخلت، حتى
إن الواحد منا يستخدم اسم الأخر كلقب له. كنا خمسة، حتى قتلنا أحدنا. خلال رحلة
تخييم عابثة، عبرنا نهرًا جاريًا متمسكين بأيادي بعضنا البعض، من أجل الوصول إلى
موقع أفضل، لكنه تعثر بصخرة وسقط، ليجرفه تيار الماء إلى حيث يصب النهر. ما وجدنا
جثته إلَّا بعد بحث استمر لثلاثة أيام، بمساعدة أهالي البلدة. افترقنا بصمت نهاية
جنازته، وكلٌّ منا يحمل في قلبه جزءًا من الذنب، يلوم به نفسه، ولم نعد نتقابل منذ
ذلك الحين. لا نعرف عن تفاصيل حيواتنا إلا القليل، لا نتقاسم حساء العشاء ولا خبز
الفطور، وُضعت الألعاب والكتب على الرفوف، قُسِم الغطاء الواحد إلى أربعة أقسام،
استعدنا ملامحنا ومفرداتنا، ولم تعد الأسماء ألقابًا. أصبحنا أربعة، لأننا قتلنا خامسنا.
اختلفت شخصياتنا عن السابق، الأول أصبح باردًا تجاه كل شيء، منعزلًا يرفض مغادرة
غرفته. الثاني أصبح ضاحكًا مشرقًا، يبحث عن الفرحة في أصغر الشقوق. الثالث أمسى حانقًا
قاسيًا على نفسه، يتمنى لها الأذى. الرابع أمسى جافًّا متهالكًا، لتقديمه نفسه في
سبيل الآخرين. صرنا كالفصول الأربعة تمامًا، لا نجتمع في مكان واحد، بل نزور قبره بالتتابع
كل سنة.
اليوم الخامس والتسعون بعد المائة: كهف
بارد، صدى الخطوات، ضخ الدماء في الأوردة.
ما هذه الفتحة اللينة الخالية من الزوايا؟ ما
الذي تخفيه داخلها؟ عليّ التحقق من هذا بنفسي...إنه كهف! كهف رقيق مظلم، يحفني هواء
بارد يعبر من خلال جدرانه، وفي نهايته، هناك حيث يقبع الضوء توجد حشرة غافلة،
تنتظرني لألتهمها. مشيت ناحيتها ببطء، أستطيع سماع صدى خطواتي فوق هذه الأرضية ذات
الملمس الغريب، أشعر بضخ دمائي يزداد عبر أوردتي، كم أحب صيد هذه المخلوقات
الضعيفة! أردت الانقضاض عليها بمخالبي لكنها مقصوصة، لذا استعملت أنيابي هذه المرة،
طعمها مختلف وغير قابل للأكل، لكنها مثالية للعض... مهلًا! خادماي البشريان هنا،
إنهما ينظران إليَّ، ويقولان أشياء غير مفهومة، بتعابير مريبة كعادتهما، سأريهما
من هو الملك هنا! "عزيزي أنظر، يبدو أنه قد أحب لعبة الكهف" "أجل، طريقة
انقضاضه على الدمية المعلقة لطيفة للغاية" زأرت في وجهيهما لكن تلك المرأة لم
تهرب أو تجفل، بل حملتني! أنا أُحمل بين ذراعيَّ بشريّ وضـ - "ما سبب هذا
المواء؟ هل تريد الطعام؟" طعام؟ أجل أريد! أومأت لها بالموافقة على الفور. لا
أعرف ما نوع الطعام الذي يقدمونه لي بالضبط، لكنه ألذ شيء أكلته في حياتي، بالأحرى
أريد العيش دون أكل شيء غيره حتى نهاية عمري، وهو حقيقةً سبب بقائي في منزل هذين
البشريين إلى اليوم. ليس لأنهما لطيفان معي، بل لأنهما يقدمان لي ثلاث وجبات يومية
شهية! أهذا واضح؟
اليوم السادس والتسعون بعد المائة: "ماذا
قال الحلواني؟"
كلما مررت بمتجر الحلوى الصغير هذا، أتذكر
مشهدًا لا يُمحى من طفولتي، لما كان الشرطي يسألني عمَّا قاله الحلواني لي. وقتها
استحضرت جميع أفعاله وأقواله في عقلي، الذي لم يستوعب معناها رغم غرابتها لصغر سني
آنذاك، لكني لم أنطق ولو بكلمة واحدة. وكيف أفعل؟ كيف أخبره بأن ذاك الحلواني كان يتحسس
يداي كلما مددتهما له، ويصفهما بالأكثر نعومة من حلوى القطن؟ كيف أخبره بأنه يلمس
خدَّايَ ويقول لي إن ابتسامتي ألذ من الشوكولاتة؟ كيف أخبره بأنه قد باح لي بحلمه
الذي خبأه كسر لنفسه، وهو رغبته بصنع حلوى تشبهني كي يتناولها بمفرده في الليل؟
كيف أخبره بأني قد استيقظت يومًا بين يديه، ووجدتني أرتدي بنطالي بالمقلوب؟ لم
أخبر الشرطي بأيٍّ من تلك المواقف أو غيرها، كما لم أتصرف بشكل مناسب أثنائها، بل كما
قد يفعل أي طفل عادي، واجهته بابتسامة واسعة بريئة وكلمات شكر نقية. ما التصرف المتوقع
مني كطفل في السادسة من عمره، لا يعرف أي شيء عن سوداوية العالم، وشهوات البشر! أدركت
كل شيء لما كبرت، معاني كلماته ودلالات أفعاله، وحقيقة أنه لم يُقبض عليه حينذاك،
بسبب التزامي الصمت. ظللت ألوم نفسي على هذا حتى اليوم، جاهلًا بعدد الأطفال الذين
أصبحوا ضحايا له منذ تلك اللحظة، لكني سأنهي كل ذلك الليلة، سأكتب جرائمه في نفس
موقع حدوثها بدمائنا.
اليوم السابع والتسعون بعد المائة: عملاق،
إعادة شحن، سلف.
ورثت من أحد أسلافي جهازًا لوحيًا عملاقًا، أكبر
من أن أستطيع إمساكه بيد واحدة، لا يشبه في حجمه أي جهاز انتشر صيته خلال العشرين
سنة الماضية، وهذا دليل على كونه قد صُنع منذ قرون كثيرة مضت واندثرت. كما أنه
مغلق بسبب إدخال كلمة المرور بشكل خاطئ لكثير من المرات، تجاوزت في عددها
المحاولات المسموح بها، كما يظهر على هذه الشاشة التي تعمل باللمس، وفي هذا يتجلى إثبات
آخر على كون الجهاز قديم الطراز. توقف الناس عن استعمال الشاشات الحساسة للمس منذ أمد
بعيد، اليوم هو زمن الشرائح المزروعة في الدماغ، والتي تخولنا لفعل كل ما نرغب به بمجرد
التفكير فيه، حتى تصفح مواقع التواصل الاجتماعي المهجورة. مستعملًا شريحتي وجدت في
ثوانٍ منشورًا على أحد تلك المواقع، باسم سلفي صاحب هذا الجهاز، وقد كتب فيه كلمة
المرور... مهلًا! إنها ضعيفة! كيف أخطأ في كتابتها؟ أهو أحمق إلى هذه الدرجة؟ لا
يهم يمكنني فتحه الآن، واكتشاف ما يخبئه في ذاكرته، من معلومات عن الزمن الغابر وكيف
كانت حياة الناس فيه، ولعلي سأتطفل قليلًا على خصوصيات صاحبه، وأتصفح الشيء
المُسمى بسجل البحث، المطلوب مني حذفه كما كُتب في ذات المنشور. أرجو أن تعذرني يا
عمي الميت، لن أنفذ وصيتك التي تركتها لثقتك بي، بل سأفتح جهازك الذي يبدو أنه بحاجة
إلى إعادة الشحن...
اليوم الثامن والتسعون بعد المائة: "بلل
طرف فرشاته بدمعتي"
كما تقول الأساطير، الوقوع في حب رسَّام عاشق
لجميع أنواع الفنون، لهو أمر رائع يجعلك تشعر بتميزك عن البقية، كما لو كنت أنت
مصدر الفن الوحيد في العالم، حتى لو كان العمل المستوحى منك غريبًا ومخيفًا. لم يكن
يتصرف بهذه الطريقة بداية تعرفي عليه، بدا كأي رجل طبيعي بل أفضل، مثالي للغاية في
كل تصرفاته، يحرص على أدق التفاصيل، حتى تلك التي لا أتمكن من ملاحظتها، بخاصة لو
تعلق الأمر برسوماته. كانت الأروع، لم تفشل يومًا في إدهاشي، باهرة كما لو أنها قد
آتت من عالم آخر، نقي يعمه الهدوء والوئام، موجود فوق الغيوم ومكتظ بألوان قوس
المطر، لم يطأ أرضه أي أحد عداه، يذهب إليه ويعود منه عبر خياله. كنت سعيدة معه
إلى درجة استنكرتها على نفسي، فأنا لم أفعل ما يؤهلني لاستحقاقها، ولعل ظني هذا هو
ما سلبها مني... بدأ يضيَّق الخناق عليَّ، مظهرًا جانبًا مخيفًا لم أره سابقًا، كان
قد صنعه ببطء في ورشته، وبنى هيكله خطوة بخطوة حتى كبر وأكتمل، ثم أهداه لي. كلما عاد
لزنزانتي، يحضر معه أشخاصًا أعرفهم أو لمحتهم في الماضي، وعلة هذا احتياجه للكثير
من اللون الأحمر، من أجل إنهاء عمله الجديد، الذي سيحبه وسيعجبني. بلل طرف فرشاته
الدامية بدمعتي، كي يضع آخر اللمسات على لوحة، تصوُّر تخيله لما ستكون عليه جثتي.
اليوم التاسع والتسعون بعد المائة: فلفل،
لا، ضربة حظ.
في كل التجمعات العائلية توجد مختلف الألعاب
الممتعة والسخيفة، منها ما يثير الحماس لدى اللاعبين، ومنها ما يبث الملل في نفوسهم،
السهلة التي يحصل الكل على فرصة للفوز فيها، والصعبة التي تتطلب مهارات خارقة، حديثة
الظهور على الساحة لدرجة أن لا أحد يجيدها، والقديمة المعمرة التي يحفظ طريقتها
الجميع، المهم وجود الألعاب ومشاركة الكل فيها. أحد الأنواع كثيرة الشيوع في لقاءاتنا،
هي المعتمدة على اختيار شيء واحد، من بين احتمالات عديدة، وهذا يتطلب حظًا قويًا،
أفتقر إليه أغلب الأوقات، مما يجعل الجميع يفترض كوني الخاسر الوحيد، قبل بداية
اللعبة حتى، ربما هذا ما يحفزهم على ابتكار أفكار جديدة، بنفس هذا النوع في كل
لقاء! كي يشهدوا فشلي ويسخروا مني ككل مرة! لكن لا، ليس هذه السنة. اللعبة كانت بسيطة
ولذيذة، خمسة لاعبين، وخمسة قطع من كعك الفراولة المكوب. أحد تلك القطع، تحوي بداخلها
مسحوق الفلفل الحار بدلًا عن المربى، واللاعب الذي يحصل عليها يخسر، بالطبع عليك أكل
قطعتك كاملة مهما كانت حشوتها. كنت اللاعب الخامس، المضاف خلافًا لرغبته من أجل
إكمال العدد، لهذا آتى دوري متأخرًا، ولم أتمكن من اختيار القطعة التي أريد، رحت
أناشد حظي الميت، ليقوم بعمله هذه المرة فحسب، اليوم فحسب، لن أطلبه مجددًا...
وأجل، كانت ضربة حظ مباغتة، قطعتي لا تحتوي الفلفل، كما أنها كانت لذيذة!
اليوم المئتين: قصة بعنوان "مصير عامل
التلغراف"
في عمق مكتب البرقيات لتلك المدينة الرمادية،
وُجد جهاز تلغراف عتيق، استبدلته التقنية الجشعة للتطور، بأجهزة أصغر حجمًا وأكثر
فاعلية، فهجره صاحبه تاركًا خلفه الكثير من الرسائل الورقية والشفهية، بلا أيَّ طريقة
لتوصل ما في قلبها إلى من يسهر بانتظارها. من ضمنها وُجدت رسالة موقعة باسم عامل
التلغراف ذاته، بلا وجهة ولا متلقي، مشحونة كبقية الرسائل بمشاعر صاحبها، ومتلهفة
لأن تصل وتُقرأ، قبل أن يبهَت حبرها وتُبلى ورقتها بتأثير الزمن. قال فيها: "أنا
عامل هذا التلغراف، لست شخصًا جديرًا بأن يُعرف اسمه، وظيفتي هي البقاء متخفيًا
بداخل هذه الغرفة، كي أضغط على مفتاح واحد طوال اليوم، بغية إرسال مشاعر الناس
للناس. مع كل كلمة اكتبها أُرسل جزءًا ضئيلًا مني، يتمنى السعادة للحبيبين، وعودة الصبي
الخارج للحرب إلى حضن والدته، وانتهاء خصام الأخوين، وأن ترتاح روح العم في النعيم.
يذهب بلا رجعة إلى مكان يبعد مسافة يومين، ويرحل الآخر إلى مكان يستغرق أشهرًا، حتى
تضيع أجزائي بين المدن والبلدان، وأنصهر وسط الكلمات ببطء، حتى أتحول إلى إحداها، هذا
هو مصيري كعامل للتلغراف. يا قارئ رسالتي، إن كنت موجودًا حقًّا، أرجو أن توصِّل اعتذاري
عن استسلامي وخسارتي، للأشخاص المنتظرين برقياتهم المتراكمة في هذا المكتب" لم
ينتبه أحد للجثة المعلقة كثريا معطلة لا تُضفي زينة على الغرفة، إلا بعد الانتهاء
من قراءة الرسالة.
اليوم الأول بعد المئتين.
مرحبًا، أنا الدب القطبي المثقف أكِلُ الفقمات، والكاتب لمئتي نص سخيف، على مدار المئتي يوم الماضية، قام بقراءتهم بشر متفرغون، أنت يا من تضع عينيك على الشاشة في هذه اللحظة أحدهم. إنكار المعروف ليس ضمن الأخلاق الكريمة التي تعلمتها، لذا كتبت هذا النص الإضافي بغية شكر قرائي المستمرين منذ اليوم الأول، خاصة أصحاب التعليقات. لأكون صريحًا ما كان هذا التحدي سهلًا، ولا مثاليًّا كالذي سبقه، مرت عليَّ أيام كثيرة أردت التوقف فيها، وفعلت. لم يعاتبني أحد حينها حتى ضميري، لكنه لم يكن مرتاحًا ولا راضيًا. معظم النصوص لا ترقى إلى معاييري، ومكتوبة على عجلة بلا إتقان، بغية الانتهاء من الجزء الخاص باليوم، لقلة الوقت وضعف الرغبة وتفاهة الأفكار. لكن هذا لا ينفي وجود نصوص رائعة مفضلة لدي، وأشعر بالفخر لمجرد وجود اسمي تحتها، دون ذكر أمثلة. على الرغم من كرهي لكل ما يتعلق بهذا التحدي، إلا أني سأتركه كما هو، في دفتري الإلكتروني، وفي مدونتي، بلا أي تغيير بسيطًا كان أو هائلًا، كوصمة عار أتأملها لما أكبر، وأندم عليها، كما سأندم على كتابة هذا. أود الاستئذان الآن، يجب أن أذهب لأصطاد طعام العشاء قبل أن يفوتني الوقت، وتنام الفقمات أو تغادر. سررت بالحديث معكم وإعجابكم بما كتبت، يمكنني الراحة أخيرًا، والعودة إلى حياتي الطبيعية كدب قطبي أكل للفقمات لا يكتب.
__________________
اليوم
الثالث والخمسون: "رجاء أغلق..."
اليوم
الرابع والخمسون: صباح، خوف، أفلام.
لا أحب مشاهدة الأفلام المرعبة مع أختي، كل مرة نشاهد فيها فيلمًا، تظل خائفة وتتمسك بي حتى الصباح، وتحرمني النوم بينما تطلب مني فعل أشياء غريبة، بحجة أنها تطمئن قلبها وتهدئ من روعها. نمط أفعالها يكون على عكس ما يحدث في الأفلام، فمثلًا عندما تتخيل سماع صوت غريب صادرٌ من غرفة المعيشة، فهي تركض هاربة لأبعد زاوية من غرفة النوم، بدل الذهاب للتأكد من مصدره، وتتجنب التفاخر بقوتها وشجاعتها، كي لا تكون أول من يُقتل، كما أنها لا تفترق عني ولو لثانية، لئلا تبقى وحيدة تنتظر موتها في الظلام، دون أن تعلم بمصيري. وعلى هذا المنوال تستمر، لكن أغرب طلباتها ليس إغلاق النافذة أو الأبواب باستخدام عدة أنواع من الأقفال... "رجاء أغلقي الثلاجة" هذا ما تقوله لي دوما. والسبب في هذا حسب قولها، هو أن القتلة يعلمون بالفعل أننا نغلق الأبواب خوفًا من مجيئهم، لذا يتسللون للمنزل عن طريق الثلاجة، لأن لا أحد سيتوقع دخولهم بهذه الطريقة. أنا عاجزة عن الكلام مثلك... أي منطق هذا؟ على الرغم من كل ما قلته، أنا أسايرها في كل ما تفعل وتقول، فلا أريد أن تبكي أو تموت خوفًا، بسبب ظنها أني تخليت عنها، خلال هذه الأوقات الصعبة كما تصفها دائمًا. في منتصف الليل، تختبئ تحت غطائي بعد أن تطمئن، لننام بعمق محتضنتين بعضنا البعض، حتى يحل الصباح متناسين خوفنا وما شاهدناه ليلة أمس، دون أن ندرك المصيبة التي وقعت خلف ظهورنا... حل الصباح وحدث ما كانت تخشاه أختي، الثلاجة مفتوحة، وكل ما كان داخلها قد انتثر على الأرض، وأُكل من بعضه لُقيمات صغيرة، كنت أفكر بالبحث عن الفاعل، كأي شخص لديه حس بالمنطق، لكنها أرادت بل أصرت على تجاهله، والتركيز على تنظيف الأرضية وترتيب الثلاجة، خلافًا لما قد يحدث في الأفلام، أي ما أردت فعله. لا مشكلة، سيتعفن الطعام لو بقي هكذا، ويصبح التنظيف صعبًا كلما طال الوقت، لذا سأتبع أمرها اليوم أيضًا. بدأنا التنظيف وعقلي مشغول بالتحليل، والتفكير في هوية محتملة للفاعل، مما أراه هنا أثار الأسنان صغيرة، وليست موجودة على كل الأطعمة، من الواضح أنه ليس بشريًا، وهذا أمر جيد نوعًا ما، لا يمكن لحيوان صغير لا أعرف هويته، ولا كيف دخل إلى منزلنا أن يقتلنا، ونحن اثنتين أكبر منه حجمًا وأرجح منه عقلًا، كما أتمنى. أعادني إلى الواقع صوت صراخ أختي، وتعابيرها الفزعة بينما تنظر وتشير إلى جرذ رطب، يقف قريبًا من باب المطبخ، كما يُقال لابد للمجرم من العودة إلى حيث قام بجريمته، وهذا هو مجرمنا القذر قد أظهر نفسه بكل جراءة... لا يمكنني قتل هذا الشيء! عذرًا أختي سأكون أول من تهرب هذه المرة، لولا قفزه على وجهي.
اليوم السابع والثمانون بعد المائة: كاميرا،
رقص، خطأ.
عادتي في نهاية كل أسبوع، بالتحديد في يوم إجازتي
من العمل، هي التدرب أمام كاميرا هاتفي على مهاراتي غير المصقولة في الرقص. في
الواقع لدي قناة مَلأى بهذا النوع من الفيديوهات، التي أقلد فيها رقصات لفرق معروفة،
وأحيانًا أخرى أقلد الرقصات التي اُشتهرت على الإنترنت مؤخرًا، ونادرًا ما أصنع
رقصاتي الخاصة الأصلية. لكن بصراحة أنا لست متمكنةً من الرقص بعد، ولست بتلك
الدرجة من البراعة، التي تحيلني لكسب الكثير من المشاهدات، والمشتركين في وقت قصير،
كبقية صانعي المحتوى. إلا أني أبذل من الجهد العظيم في التدرب لساعات كلما تفرغت،
أمام الكاميرا تارة، وأمام المرآة تارة أخرى، كي يخلو رقصي من الأخطاء. توجد رقصة
اشتهرت فجأة، وكانت صعبة للغاية، أردت إتقانها مهما تطلبني الأمر، وفعلت! بعد
تدريب مكثف دام لستة أشهر، أهملت فيه وظيفتي وربما صحتي، قليلًا فقط. بدأت التصوير
لكني لا أنفك عن تكرار ذات الأخطاء في كل مرة، بقيت أصور طول اليوم بينما أتخيل التعليقات
المشجعة، والشهرة التي أعلم أني لن أحصل عليها إلا في أحلامي. وأخيرًا رفعت الفيديو
في الصباح على عجلة، كي أنطلق إلى عملي دون تأخير، وهناك نسيت كل ما يتعلق بالرقص،
بسبب انشغالي الشديد... استعدت ذاكرتي لما رأيت غرفتي الفوضوية مساء اليوم، تفقدت
هاتفي وكلي أمل بجرعة تقدير، لأجد مشاهديَّ الخمسة، يقذفونني بالتعليقات السلبية
كالعادة.
اليوم الثامن والثمانون بعد المائة: أحدهم
يتحكم بالعقول لكنه يصنع نهاية سعيدة.
سجلتُ وفاة الطفل الذي أُدخل لهذا المشفى
مؤخرًا، والتغيرات التي طرأت على جسده، بعد أن جعلته يأكل فاكهة غضَّة مسمومة خلاف
إرادته، لتلقَّي أمرًا من الرؤساء كجزء من وظيفتي، التي أمتهنها منذ شهور لأسباب أنانية،
تتمثل في حماية حياة والدي المريض من بطشهم وآذاهم. اختاروني بالاسم بسبب قدرتي
المشؤومة على التحكم بعقول الآخرين، هكذا سأتمكن من اقتياد الأطفال إلى موتهم، بلا
أي اعتراضات منهم. ليتني لم أولد بهذه القدرة! لا أقوى على تحمل المزيد، لست أعلم
متى سيكون بإمكاني التوقف عن قتل أولئك الأطفال الأبرياء، والعودة مع والدي إلى منزلنا،
حيث كنا نعيش بسلام... إن لم تحدث معجزة، فسأصنعها بنفسي! تحكمت بعقل أحد عمال المراقبة
كي يشغل البقية عني، ريثما أساعد الأطفال على الهرب، بصراحة آلمتني نظراتهم الخائفة
والمترددة، لما أخبرتهم بأن عليهم الوثوق بي، والخروج من هذا المكان على الفور، لكني
لا ألومهم على هذا، فالشيطان الذي كان يزورهم بالأمس، هو من يحاول إنقاذهم اليوم. كًشفت
خطتي بسرعة وقُبض علي، فلا أستطيع التحكم بعقل رجل لمدة طويلة، ولم أعد أملك طاقة
للهرب، لا بأس بهذا، تمكنت على الأقل من صنع نهاية سعيدة لأولئك الصغار قبل موتي...
هنا الدب: لم ينجوا من الصغار إلا قليل، أما الباقي فتشرد بعضهم وأُختطف الأخر أو قُتل.
لا ذنب لتلك الشابة، فعلتها بنية حسنة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ما رأيك فيما قرأت؟